كوكب حمزة.. والكتاب الذي حاول إنقاذ الذاكرة من النسيان

نبيل عبد الأمير الربيعي

ليست كل الكتب التي تتناول حياة الفنانين كتباً في السيرة، وليست كل الشهادات التي يكتبها الأصدقاء والمعاصرون وثائق تاريخية مكتملة. لكن قيمة كتاب (كوكب حمزة.. مجموعة شهادات) للباحث محمد جواد عبد الجاسم تكمن تحديداً في أنه يقف عند هذه المنطقة الفاصلة بين الذاكرة والتاريخ؛ بين ما يتذكره الإنسان وما يمكن للباحث أن يثبته، وبين الصورة التي يصنعها الأصدقاء عن الفنان والصورة التي يمكن أن تتشكل من خلال أعماله ووثائقه ومسيرته.
من هنا فإن أهمية الكتاب لا تكمن في أنه يقدم لنا (كوكب حمزة) مرة أخرى فحسب، وإنما في أنه يطرح سؤالاً أوسع: كيف نكتب سيرة فنان عراقي عاش زمناً مضطرباً، وتنقل بين الوطن والمنفى، وترك وراءهُ أغنيات تجاوزت أصحابها لتصبح جزءاً من الذاكرة الجمعية؟ هذا السؤال هو المدخل الحقيقي لقراءة الكتاب.
اختار محمد جواد عبد الجاسم أن يبني كتابه على الشهادات، وهذه ليست مصادفة منهجية عابرة.
فالسيرة التقليدية غالباً ما تبحث عن تسلسل زمني واضح: الميلاد، الدراسة، العمل، المحطات الفنية، المنفى، الوفاة. أما الشهادة فتأتي من زاوية أخرى؛ إنها تلتقط لحظة من حياة الشخص، أو علاقة محددة به، أو موقفاً بقي عالقاً في ذاكرة الشاهد.
هنا تكمن قوة هذا المنهج ومشكلته في آن واحد. قوته أن كوكب حمزة يظهر من خلال عيون متعددة، فلا يعود شخصية أحادية الأبعاد. نراه الفنان، والصديق، والإنسان، والمنفي، وصاحب المواقف، كما نرى أثره في الآخرين. أما محدوديته فتتمثل في أن الذاكرة الشخصية انتقائية بطبيعتها. فالإنسان لا يتذكر كل شيء، وقد تعيد السنوات تشكيل الحدث، وقد تتداخل العاطفة مع الواقعة، وقد يتحول الانطباع الشخصي مع الزمن إلى ما يشبه الحقيقة العامة. وهنا يصبح القارئ أمام مهمة نقدية ضرورية: ألا يتعامل مع الشهادة باعتبارها حقيقة نهائية، وإنما باعتبارها وثيقة ذاكرة تحتاج إلى المقارنة والتقاطعات. وهذا لا ينتقص من قيمة الشهادات؛ بل على العكس، يمنحها قيمتها الحقيقية.
من أجمل ما يتيحهُ هذا النوع من الكتب أنه لا يفرض رواية واحدة عن الشخصية. فلو كتب شخص واحد سيرة كوكب حمزة، مهما كان قريباً منه ومحباً لتجربته، فإننا سنحصل في النهاية على رؤية واحدة. أما حين تتعدد الشهادات، فإن الشخصية تبدأ في التشكل من اختلاف الزوايا.
قد يتذكر أحدهم كوكب حمزة من خلال أغنية، ويتذكره آخر من خلال موقف شخصي، ويستعيد ثالث مرحلة من حياته في المنفى، بينما يركز رابع على علاقته بالشعر أو المطربين. وهنا يصبح الاختلاف بين الشهادات جزءاً من قيمة الكتاب، لا عيباً فيه. فالسيرة الإنسانية الحقيقية ليست صورة فوتوغرافية ثابتة؛ إنها مجموعة صور تتحرك بحسب موقع المصور وزاوية النظر واللحظة التي التقطت فيها.

لكن الكتاب يفتح، في الوقت نفسه، باباً مهماً أمام الباحثين. فالشهادات التي جمعها محمد جواد عبد الجاسم يمكن أن تكون مادة أولية لكتابة سيرة أكثر شمولاً لكوكب حمزة. وهنا يجب التمييز بين مستويين: الأول: ذاكرة كوكب حمزة في عيون معاصريه. وهذا ما يقدمه الكتاب بصورة أساسية. والثاني: التاريخ الفني الموثق لكوكب حمزة. وهذا يحتاج إلى عمل آخر يستند إلى التسجيلات الأصلية، والمخطوطات الموسيقية، وتواريخ إنتاج الأغاني، وأسماء الشعراء والمطربين، والمراسلات، والصور، والوثائق الشخصية، والشهادات المتقاطعة. وبهذا المعنى، فإن قيمة الكتاب لا تكمن في أنه أغلق ملف سيرة كوكب حمزة، وإنما ربما في أنه فتح الملف على مصراعيه.
من هنا يمكن أن نسجل ملاحظة مهمة تتعلق بأي كتاب عن ملحن كبير: لا تكفي معرفة الرجل حتى نفهم الفنان. فالسيرة الشخصية شيء، والتحليل الموسيقي شيء آخر. نحن بحاجة إلى أن نسأل عن بنية ألحان كوكب حمزة، وعن علاقته بالمقام العراقي، والإيقاع، والجملة اللحنية، وكيفية تعامله مع النص الشعري، وما الذي أضافه إلى الأغنية العراقية، وأين يلتقي مع تجارب الملحنين السابقين عليه وأين يفترق عنها. فالاحتفاء بالفنان ينبغي ألا يحجب السؤال النقدي. وإذا كان كتاب (كوكب حمزة.. مجموعة شهادات) ينجح في استعادة الذاكرة الشخصية حوله، فإنه يحفزنا على المطالبة بالخطوة التالية: قراءة كوكب حمزة موسيقياً لا عاطفياً فقط. لأن جزءاً كبيراً من تاريخ الثقافة العراقية مهدد بأن يتحول إلى حكايات شفوية تتناقلها الأجيال ثم تضيع التفاصيل.
لقد فقد العراق خلال العقود الماضية كثيراً من أرشيفه الثقافي، ورحل فنانون ومثقفون وشعراء من دون أن تكتمل سيرهم أو تحفظ أعمالهم في أرشيفات علمية. وفي هذا السياق يصبح كتاب الشهادات فعلاً من أفعال مقاومة النسيان. إنه يقول لنا إن الذاكرة ليست ترفاً، وإن الفنان الذي ساهم في تشكيل وجدان أجيال يستحق أن تحفظ تجربته من التبعثر.
كوكب حمزة بين القاسم وكوبنهاغن
عندما نعيد قراءة الشهادات في ضوء سيرة كوكب حمزة، تظهر لنا المسافة الهائلة التي قطعها الرجل: من القاسم، المدينة الفراتية التي كانت بداية التكوين، إلى فضاءات الفن العراقي، ثم إلى المنافي والمدن البعيدة، وصولاً إلى كوبنهاغن. هذه المسافة ليست جغرافية فقط. إنها مسافة بين الوطن والمنفى، وبين الذاكرة والغياب، وبين الأغنية والحياة. ولذلك تبدو (يا طيور الطايرة) أكثر من أغنية في سياق سيرته؛ إنها تكاد تكون مفتاحاً رمزياً لفهم تجربة رجل حمل معه معنى الرحيل والحنين. والطيور عبرت الحدود، والأغنية تعبر الزمن، وكوكب حمزة، في النهاية، فعل الشيء نفسه.
أهم ما يمكن أن نقوله عن كتاب محمد جواد عبد الجاسم أنه لا ينبغي أن نقرأه باعتباره الكتاب الأخير عن كوكب حمزة، بل باعتباره كتاباً تأسيسياً لذاكرة قابلة للبحث والتدقيق والتوسيع. فالشهادات التي جمعها تضع أمام الباحث مادة غنية، لكنها في الوقت نفسه تفرض عليه مسؤولية المقارنة والتحقق وإعادة ترتيب الأحداث. وهذا هو الفرق بين الذاكرة والتاريخ. الذاكرة تقول: (هكذا أتذكر). أما التاريخ فيسأل: (هل حدث الأمر بهذه الصورة؟ ومتى؟ ومن كان حاضراً؟ وهل تؤيده وثيقة أو شهادة أخرى؟). وبين السؤالين تتشكل سيرة أكثر اقتراباً من الحقيقة. هنا تحديداً تكمن قيمة الكتاب: أنه لا يمنحنا كوكب حمزة كاملاً، لكنه يمنحنا شظايا كثيرة من صورته، وعلى الباحثين أن يجمعوا هذه الشظايا في صورة أكثر اكتمالاً.
أمسية أعادت الفنان إلى ذاكرته
في مساء الجمعة 25 أيلول 2026، كان احتفاء الصديق محمد جواد عبد الجاسم بصدور الكتاب أشبه باستعادة جماعية لفنان لم تستطع المسافات أن تطفئ حضوره. وقدم الأمسية الدكتور أحمد الخيال الجنابي، بينما أضفى حضور الصديق كوكب حمزة بعداً آخر على اللقاء. لكن القيمة الأعمق للأمسية لم تكن في الاحتفاء وحده، بل في أن الكتاب أعاد طرح سؤال مهم: ماذا فعلنا بتراث فنانينا؟ هل حفظنا تسجيلاتهم؟ هل وثقنا مخطوطاتهم؟ هل جمعنا شهادات معاصريهم؟ هل درسنا ألحانهم بعيداً عن المجاملة؟
إن الوفاء الحقيقي لكوكب حمزة لا يكون بإعادة أغانيه فقط، بل بتحويل سيرته إلى مادة للبحث، وتحويل أعماله إلى موضوع للنقد، وتحويل ذاكرته إلى أرشيف. فالفنان الكبير لا يحتاج إلى أن نضعه في إطار مقدس؛ يحتاج إلى أن نقرأه بصدق. وهذا، في تقديري، هو أجمل ما يمكن أن يقدمه كتاب (كوكب حمزة.. مجموعة شهادات): أن ينقل كوكب حمزة من مساحة الحنين وحدها إلى مساحة البحث والنقد والتوثيق.
لكن المسافة التي قطعتها أغنياته أطول، والكتاب الذي صدر اليوم لا يغلق هذه الرحلة، بل يفتح فصلاً جديداً منها: كوكب حمزة مرّ من هنا؛ أما السؤال الذي تركه وراءه فهو: كيف نحفظ ما تركه لنا؟

قد يعجبك ايضا
∧