إستفتاء كُردستان في 2017 بين كُردي صامد والعالم بأسره

علي سيريني
أستراليا

تمر هذه الأيام ذكرى الاستفتاء العام الذي جرى في عام 2017، في إقليم كردستان. بلا شك، كان حدثاً عالمياً كبيراً، ومن أهم الأحداث في التاريخ الكردي أيضاً. وفي سياق مسيرة التكامل القومي (بتعبير شاعرنا الكبير أحمد خاني)، أثار الاستفتاء الكثير من النقاشات وحتى المنازعات الشديدة بين الكرد أنفسهم، وبينهم وبين غيرهم. وهنا سأتحدث عن جوهر وذروة هذا الحدث. لو كان أحمد خاني يعيش في عصرنا هذا، لكان بالتأكيد قد وضع ميزاناً فنياً وأدبياً ليعبر عن رؤيته بشكل أعمق، بدلاً من إلقاء ذلك الحمل الثقيل كله على عاتق عبارته “لو كان لنا ملك…”. وبلا شك، كان خاني حينها سيكتب إلى جانب “لو كان لنا ملك”: “لو كانت لنا أمة متفقة ومتعاونة وذكية وواعية وماهرة وذات حذاقة”. إذن، لا يُلقى الحمل الثقيل كله على كاهل ملكٍ يأتي ليقلب ظروف الشعب الكردي رأساً على عقب، فهذه نظرة سحرية وخيالية. لأن عدم وجود ملكٍ بين الكرد يعود إلى بنية هذه التركيبة نفسها التي لها ظروفها الخاصة، والتي تشكل عائقاً أمام ظهور مثل هذا الملك؛ وظل خاني يحلم به حتى مات حسرة على ذلك. في عام 2017، فما كان يتوجب على ملك أن ينجزه من أجل سيادة أمة، أنجزه كردي تاريخي وزاد عليه بسطة ومدّا.
عندما تواجه أمة ما القضايا المصيرية، فمن خلال موقفها تجاه هذه القضايا يُعرف ما إذا كانت هذه الأمة بمستوى الحدث أم لا، فضلا عما إذا كانت تتصرف كأمة أم كتركيبة متخلفة ومتناحرة ومنفصلة عن الواقع والأهداف الكبرى، في مسيرة نضالها نحو السيادة والرفعة. وفي أوساط الشعوب المتقدمة، أولئك الذين اكتملت دائرة تكاملهم السيادي والروحي بمفهوم كانطي-هيغلي، فإن القضايا الكبرى والمصيرية (مثل الحرية والاستقلال والسيادة) لا تخضع للمساومة والتنازل حتى يتخلوا عن حقوقهم بخفة وسهولة. في 25 أيلول 2017، برز تعبير تاريخي كُردي يشكل أحد أعظم مفاصل التأريخ الكُردي منذ غابر الأزمان. هذا التعبير كان بمثابة الدماء التي تدور دائماً داخل دائرة التكامل القومي، وقد ظهرت لمرات عديدة في الأحداث والمنعطفات التاريخية. هذا التعبير كان وسيظل شهادة تتلألأ في أرجاء الكون وصدى أبديا يبث الإطمئنان لجميع قادة الكُرد، وعلمائهم، وشعرائهم، وأدبائهم، وعظمائهم وأجيالهم، منذ أول الزمان وإلى آخر الزمان. لقد كان استفتاء عام 2017 أخطر لقاء للكرد مع ثنائية بقاء أو فناء هذا التعبير، وتلك الدماء التي تدور في دائرة التكامل الكردي منذ مئات السنين. وتكمن الخطورة في أن غالبية العالم أرادت كبت هذا التعبير، وحبس هذه الدماء عن الدوران، وتوجيه ضربة قاضية لروح التكامل الكردي وكسر دائرته التأريخية. لكن كُردياً، وبكل عناد وجرأة وحذاقة، صار تجسيداً لتلك الروح والقوة والطاقة المتراكمة في الميراث والتاريخ والتصوف والنضال والقادة والعلماء والشعراء الكرد، ليفجرها في لحظة تاريخية خاطفة بوجه العالم، محققاً النصر لهذه الروح، وبذلك أدام دوران الدماء داخل دائرة التكامل الكردي، ولم تسكت نبضات قلب الوجود الكُردي الذي يأبى الخضوع وبأبى إلا السيادة العليا والرفعة المجيدة في حُلّة تزدان بها صولجان العظماء الكُرد عبر التأريخ: دياكو ميديا، صلاح الدين الأيوبي، ومن قبلهم ومن أتى بعدهم في رسالة ستستمر وتمضي مع الزمان إلى مستقره.
هناك، كان العديد من القوى العظمى في العالم والمنطقة يفركون أيديهم وكأنهم بإنتظار المفاجاة التي تسرهم، آملين أن يكسروا تلك الجرأة والعناد الكرديين الشهيرين، وأن يحطموا إرادة الكرد وقرارهم. وكان لديهم أمل كبير حتى اللحظة الأخيرة، في أن ذلك الكردي التاريخي، وتحت وطأة الضغوط الكثيرة والحصار الاقتصادي والسياسي، وحتى التهديد بخطر زوال الإقليم، سيصدر قراراً بإلغاء الاستفتاء العام، ليسكبوا، كما حلموا، الماء البارد على الكرد بكل سرور وتشفي. لكن ذلك الكردي التاريخي، وبطريقة ساحرة ومستحيلة للغاية، كسر القرار العالمي وانتزع الماء البارد من أيديهم وسكبه عليهم، وفاجأهم بما لم يحتسبوا فلقوا الصفعة بدل الهدية المنتظرة، وجثوا على ركبهم صاغرين أذلاء. ذلك الكردي التاريخي كان مسعود بارزاني، سليل مشايخ وقادة بارزان وهم فرع من فروع القادة الكُرد في أرجاء كُردستان. وعندما حدث هذا، أصبح مثار إعجاب ودهشة الدول والسياسيين والقنوات الإعلامية والمثقفين وعامة الناس. لأنه لم يكن هناك أحد يتصور، في وقت ركعت فيه كل دول وقادة العالم وانصاعوا أمام قرار العالم المهيمن (أي الدول العظمى)، كيف يمكن التنبؤ بأن قائد إقليم صغير داخل دولة مدمرة كالعراق، يستطيع كسر قرار دول المنطقة وأسيادهم (القوى العظمى). كان هذا بعيداً عن عقول الناس في عالمنا، بل وضربا من المستحيل والشعوذة في مخيال المراقبين السياسيين. ولهذا السبب، فإن غالبية الناس، ومنهم بعض الكرد البؤساء، كانوا يراهنون على أن بارزاني سيتراجع في اللحظة الأخيرة ويعلن إلغاء الاستفتاء، لكي يبقى الكرد مطأطئي الرؤوس إلى الأبد. هذه الحال لفتت انتباه الكثيرين، صغارا وكبارا. وكان أحدهم رئيس وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) السابق لآسيا والمحيط الهادئ، الذي تحدث في مقال له عن جرأة وعناد مسعود بارزاني. لم يكن الرجل يمدح بارزاني، بل كتب المقال كناقد، لكنه في فحوى المقال لم يستطع إخفاء تلك الهيبة العظيمة التي فرضها بارزاني على العالم. كما تساءل كاتب تركي بدهشة، قبل يوم أو يومين من الاستفتاء في مقال له: “لا أعرف كيف يتحمل بارزاني في هذا العمر كل هذه الضغوط والوعيد من دول المنطقة والعالم”. نعم، ذلك الكردي التاريخي، وبإرادة فولاذية، تحمّل كل الضغوط والعقبات، وأبى إلا أن يُعلي من شأن الروح الكردية التي خلّدها خاني وشعراؤنا وعلماؤنا العظام الآخرون بدموعهم، والتي تمثلت في آهات ونبرات شيوخ وعلماء العرفان ودماء آلاف القادة والبيشمركة، منذ الأزمان الغابرة وحتى الآن، وجسدها قرار الاستفتاء بشجاعة سحرية يندر لها نظير.
إن أهمية الاستفتاء كانت تكمن هنا؛ في أن رُكب الكرد لم تنكسر، ولم تنطفئ روحهم التاريخية، ولم تتحطم إرادتهم وأهدافهم القديمة، ولم تمت طاقة وجودهم، ولم تتخثر دماء الطموح والشجاعة في عصب نضالهم و وجودهم. نحن كُرد هذا العصر، وبمن فيهم مسعود بارزاني، سيأتي يوم نغادر فيه هذا العالم ونفنى. لو فكر بارزاني بواقعية، وراعى المصالح الشخصية والحزبية والسياسية والمكاسب الدنيوية لنفسه وعائلته، كان من الأفضل له ألا يجازف بحياته وحياة عائلته وسلطته. لكن هذا الكردي التاريخي ركل هذا كله في مشهدٍ خيالي ساحر، وانطلق وحيداً ممتطياً جواداً جامحاً إلى ميدان المواجهة ضد العالم أجمع، وضرب بسيف تاريخي قرار العالم، وسمع العالم كله دويّه، وانتصرت الروح الكردية وإلى الأبد. ولو كان الأمر على العكس من ذلك، ولم يجرِ الاستفتاء، لكان الخزي والعار يلاحقان الأجيال الكردية جيلاً بعد جيل إلى الأبد، ولجاءت هذه الدول نفسها عبر كتابها ودبلوماسييها الكاذبين والحاقدين ليرددوا على مسامع الكرد بأن الشعب الكردي يفتقر إلى الوعي القومي، وأن الروح القبلية والعشائرية هي الطاغية عليهم، وأنهم يضحون بالأهداف القومية والوطنية الكبرى من أجل مكاسب صغيرة و دنيئة. ولکانوا الآن يسخرون من الكرد وقضيتهم القومية والوطنية. لكن بارزاني أغلق أفواههم بقبضة من الطين كما يقول المثل الكُردي، وفجر القنبلة في أيديهم، حيث كانوا ينتظرون تفجيرها بين الكُرد ليزدادوا جرحا وإنكسارا وذلّا. وسجل هذا الكُردي السيادة والفخر للأجيال الكردية إلى الأبد. فتحية لهذا الكردي التاريخي لشجاعته وصموده أمام دول المنطقة و ورائهم دول عالم البغي والشر والظلم.

قد يعجبك ايضا
∧