«مقاعد العالم… وهندسة النفوذ»

الدكتورة نادية الجدوع
خبير استراتيجي

قراءة استراتيجية في خريطة الأمانة العامة للجمعية العامة للأمم المتحدة، وتوازنات الحضور الدولي وموقع العراق في المشهد الأممي

في نيويورك، لا تُقاس قيمة المشهد الأممي بعدد المقاعد التي تزدحم بها القاعة، ولا بعدد الأعلام التي تصطف خلف المنصة؛ فالمعنى الحقيقي يكمن في من يجلس أين، ومن يتحدث متى، ومن يمتلك القدرة على تحويل الحضور إلى تأثير.

وهنا تبدأ القراءة الاستراتيجية.

تنعقد الدورة الحادية والثمانون للجمعية العامة للأمم المتحدة في لحظة دولية شديدة السيولة، تتقاطع فيها الحروب والأزمات الإقليمية مع إعادة تشكيل الاقتصاد العالمي، والتنافس على التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، وأزمة الثقة في المؤسسات متعددة الأطراف. وقد اختارت الدورة عنواناً يعكس هذه المرحلة: «استعادة الثقة، وإدارة التحول: أمم متحدة تحقق النتائج للجميع».

المشهد الأممي اليوم لم يعد مجرد منصة لإلقاء الخطب؛ إنه ساحة لاختبار موازين القوة، وإعادة تعريف المصالح، وبناء التفاهمات التي قد لا تظهر في البيانات الرسمية، لكنها تتشكل في أروقة الاجتماعات واللقاءات الثنائية.

فالأمم المتحدة، رغم اختلاف مواقع الدول داخل منظومتها، تظل واحدة من أكثر المساحات التي يمكن من خلالها قراءة حركة النظام الدولي. وفي أسبوع رفيع المستوى واحد، تتحول نيويورك إلى عاصمة دبلوماسية للعالم، حيث لا تجري المداولات داخل قاعة الجمعية العامة فقط، بل تمتد إلى مئات اللقاءات الثنائية والجانبية والحوارات المغلقة. وقد أدرجت الأمم المتحدة برنامجاً واسعاً للاجتماعات رفيعة المستوى خلال الفترة 22–29 أيلول/سبتمبر 2026.

المقعد ليس مكاناً… بل رسالة

في السياسة الدولية، المقعد موقع تفاوضي قبل أن يكون موقعاً بروتوكولياً.

فالوجود في المحافل الكبرى يمنح الدولة فرصة لعرض روايتها، وتقديم مصالحها، وبناء التحالفات، والتأثير في صياغة الأولويات الدولية. لكن الفارق الحقيقي بين حضورٍ شكلي وحضورٍ مؤثر يكمن في القدرة على امتلاك رؤية واضحة، وخطاب سياسي متماسك، وأدوات دبلوماسية قادرة على تحويل اللحظة إلى مكسب سياسي طويل الأمد.

ومن هنا فإن هندسة النفوذ لا تقوم فقط على حجم الدولة أو قوتها الاقتصادية والعسكرية، وإنما أيضاً على قدرتها على قراءة اللحظة الدولية واستثمار المؤسسات متعددة الأطراف.

وهذه هي النقطة التي ينبغي أن تُقرأ منها مشاركة العراق.

العراق… من الحضور إلى صناعة الموقع

العراق لا يدخل المشهد الأممي بوصفه دولة هامشية في جغرافيا العالم.

إنه دولة تقع عند تقاطع الخليج والشرق الأوسط، وتجاور قوى إقليمية مؤثرة، وتمتلك موقعاً استراتيجياً وثقلاً تاريخياً وموارد اقتصادية، فضلاً عن تجربة سياسية وأمنية جعلت قضاياه مرتبطة بصورة مباشرة بالاستقرار الإقليمي.

ولهذا فإن السؤال الاستراتيجي للعراق في نيويورك : هل حضر؟

بل:

ماذا يريد أن يقول؟
وماذا يريد أن ينتزع من هذه اللحظة؟
وكيف يحول حضوره الدبلوماسي إلى نفوذ مستدام؟

هذه الأسئلة هي التي تنقل الدبلوماسية العراقية من لغة المشاركة إلى صناعة المبادرة.

وفي اللحظات الدولية الكبرى، لا تكفي الكلمات مهما كانت قوية؛ فالقوة الحقيقية تظهر عندما تتحول الكلمة إلى شبكة علاقات، والموقف إلى تفاوض، والتفاوض إلى اتفاق، والاتفاق إلى مصالح قابلة للقياس.

العالم يعيد ترتيب خرائطه

ما يجري في الجمعية العامة هذا العام يعكس عالماً لا يسير في اتجاه واحد.

هناك قوى كبرى تعيد تعريف أولوياتها، وقوى إقليمية تسعى إلى توسيع أدوارها، ودول متوسطة تحاول زيادة وزنها التفاوضي، فيما تواجه المؤسسات الدولية أسئلة متزايدة حول قدرتها على التعامل مع الحروب والأزمات الجديدة.

وفي افتتاح الدورة، شدد رئيس الجمعية العامة، خليل الرحمن، على أن استعادة الثقة تحتاج إلى نتائج وإصلاح، في إشارة واضحة إلى أن أزمة المؤسسات الدولية لم تعد مرتبطة فقط بالقرارات، وإنما أيضاً بقدرتها على تنفيذ ما تتعهد به.

وهنا تتضح إحدى أهم حقائق المرحلة:

العالم لا يعيش فقط أزمة صراعات؛ بل يعيش أزمة إعادة توزيع للنفوذ.

ومن يقرأ المشهد بهذه الطريقة يستطيع أن يفهم لماذا تتحول كل جلسة، وكل لقاء، وكل ممر دبلوماسي في نيويورك إلى مساحة محتملة لصناعة التأثير.

الأمانة العامة… حيث تتقاطع المصالح

وعند الحديث عن الأمانة العامة للأمم المتحدة، فإن المسألة تتجاوز الشخص أو المنصب إلى طبيعة الدور الذي تمثله المؤسسة في النظام الدولي.

اختيار الأمين العام نفسه يخضع لمسار مؤسسي يجمع بين مجلس الأمن والجمعية العامة؛ إذ تنص المادة 97 من ميثاق الأمم المتحدة على أن الأمين العام يُعيَّن من الجمعية العامة بناءً على توصية مجلس الأمن.

وهذا التفصيل القانوني يكشف جوهر المعادلة: المؤسسات الدولية ليست منفصلة عن توازنات الدول، لكنها في الوقت ذاته ليست مجرد انعكاس آلي لها.

إنها مساحة تفاوض بين القانون والقوة، وبين المبادئ والمصالح، وبين الشرعية الدولية والواقع الجيوسياسي.

العراق أمام فرصة قراءة المشهد لا الاكتفاء بمشاهدته

من هنا، ينبغي أن تكون المشاركة العراقية في الأمم المتحدة جزءاً من استراتيجية أوسع:

استراتيجية تبدأ من تحديد المصالح الوطنية، ثم بناء خطاب دبلوماسي واضح، ثم توسيع شبكة العلاقات، ثم استثمار الملفات التي يمتلك فيها العراق عناصر قوة حقيقية؛ من الطاقة والموقع الجغرافي إلى الأمن الإقليمي وإعادة الإعمار والتنمية والتعاون الاقتصادي.

العراق يستطيع أن يقدم نفسه للعالم لا باعتباره موضوعاً للنقاش الدولي فحسب، وإنما شريكاً في صناعة الحلول.

وهذا التحول، إن تحقق، يعني الانتقال من مقعد المتلقي إلى مقعد الفاعل.

ما وراء المقاعد

في النهاية، ليست نيويورك مجرد مدينة تستقبل قادة العالم مرة كل عام.

إنها مرآة للنظام الدولي.

وفي هذه المرآة تظهر التحالفات، وتظهر خطوط التنافس، وتظهر أيضاً المسافات بين الدول التي تمتلك رؤية استراتيجية والدول التي تكتفي بإدارة اللحظة.

إن مقاعد العالم لا تتساوى في دلالتها السياسية؛ لأن النفوذ لا يصنعه المقعد وحده، بل تصنعه القدرة على أن تجعل من المقعد منصة، ومن المنصة موقفاً، ومن الموقف تفاوضاً، ومن التفاوض أثراً.

وهنا تحديداً تكمن معادلة العراق:

أن لا يكون حاضراً في المشهد الأممي فقط… بل أن يكون له موقع في هندسة المشهد.

فالعالم يتغير، وموازين النفوذ تتحرك، والخرائط السياسية يعاد رسمها بأدوات جديدة؛ وفي مثل هذه اللحظات، لا يكفي أن نراقب حركة المقاعد.

علينا أن نقرأ من يتحرك خلفها، ومن يصنع القرار، ومن يملك القدرة على تحويل الحضور إلى قوة، والقوة إلى نفوذ، والنفوذ إلى مستقبل

قد يعجبك ايضا
∧