ضرورة استفتاء كوردستان 2017: تحوّل القضية الكوردية من سؤال الاستفتاء إلى سؤال الاستقلال!

شيار خليل

ثمّة حقيقة تاريخيّة غالباً ما يتمّ تجاهلها أو التغاضي عنها من قبل شعوب أو حكومات المنطقة التي قسّمت كوردستان قسريّاً بينها، وهذه الحقيقة مفادها: القضية الكورديّة والحقوق المشروعة للشعب الكورديّ موجودة قبل أن تتشكّل هذه الكيانات السياسيّة الحديثة، بحدودها الجغرافية وبنائها السياسي والاجتماعي وهويتها المختلفة عن الآخر في المنطقة. أمّا الكورد فقد دفعوا ضريبة الصراعات الإقليمية والدولية وتنازع السلطة والسيطرة بين مختلف الحكومات والدول؛ إلّا أنّهم، في اللحظة ذاتها، كانوا على الدوام يؤسّسون هويتهم السياسية وانتفاضاتهم وثوراتهم بمعزلٍ عن كلّ هذه الظروف التي تؤثّر عليهم، بطبيعة الحال. مردّ هذا الكلام هو التأكيد، من البداية، على أنّ القضية الكوردية وكوردستان ليستا وليدتي صدفة أو ظرف سياسي، وغير مرتبطتين بالدرجة الأولى بهذه الدول وممارساتها بحقّ الكورد؛ فهي موجودة قبل أن تكون هذه الدول، بما في ذلك جنوبي كوردستان التي دُمجت بالعراق الحديث.

فمنذ عشرينيّات القرن الماضي، قرّرت بريطانيا الاستعماريّة ضمّ كوردستان إلى العراق دون رغبة الشعب الكوردي. وكان هذا الانضمام مقدمةً لانتفاضات كوردية، كان أبرزها انتفاضتا بارزان عامي 1931 و1943 بقيادة الشيخ أحمد بارزاني وملا مصطفى بارزاني. وقد واجه العراق وبريطانيا هذه الانتفاضات بالدبابات والطائرات بهدف إخمادها.

وبعد أن عاد ملا مصطفى ورفاقه من الاتحاد السوفييتي إلى العراق عام 1958، كانت ثمّة فرصة جديدة لإعادة بناء الدولة؛ وكان هذا فعلاً ما يحدث في البداية، فالدستور الجديد نصّ على الشراكة بين العرب والكورد، وضمان حقوق شعب كوردستان. وسرعان ما تبدّد هذا الحلم تحت ضغوط التيارات الشوفينية، وانتهت تلك الحقوق، وتعرّضت كوردستان لهجمات مدفعية وجوية. وكان ذلك بداية اندلاع ثورة الحادي عشر من أيلول المجيدة عام 1961، بقيادة البارزاني الخالد، تلك الثورة التي تمكّن فيها الكورد من انتزاع اتفاقية الحكم الذاتي عام 1970. وحتى بعد أن وقعت مؤامرة الجزائر عام 1975، وبعد أن تراجعت بغداد عن الاتفاقية، عاد الكورد مجدداً، بقيادة الرئيس مسعود بارزاني، إلى المقاومة في ثورة گولان. ورغم ما تعرّض له الكورد لاحقاً من عمليات إبادة جماعية في الأنفال وقصفٍ بالأسلحة الكيمياوية، لم تنتهِ القضية الكوردية، وإنّما كانت تكبر يوماً بعد يوم نحو هدفها المنشود.

وبعد الهجرة المليونية وانتفاضة شعب كوردستان عام 1991، ورغم أن كوردستان كانت محاصرة من النظام العراقي أولاً، ومن المجتمع الدولي الذي كان يحاصر العراق أيضاً بعد حرب الكويت ثانياً، تمكّن الإقليم من بناء حياة سياسية، وإجراء انتخابات، وتحقيق تطور عمراني واقتصادي، وحلّ مشاكله الداخلية، وباتت كوردستان ملاذاً لكل العراقيين المناهضين لنظام البعث آنذاك.

وبعد سقوط النظام العراقي عام 2003، وترسيخ كيان إقليم كوردستان الدستوري، وبداية العهد الجديد، لم يحصل الكورد سوى على الخيبة مجدداً، فبقي العراق أسير الخرق الدستوري والقرارات التعسفية بحق الكورد، وظلّت محاولات تعريب الكورد وتغيير ديموغرافيتهم وحصارهم اقتصادياً مستمرة. ولم تلتزم الحكومات العراقية يوماً بالدستور الذي ينصّ على حقوق شعب كوردستان. وهذا ما فتح السؤال الأهم في تاريخ القضية الكوردية: ماذا سوى الاستقلال؟

والحال، بعد أن فعلت هذه الأنظمة كل شيء ممكن لتجويع وسحق شعب كوردستان، فهي التي قطعت الموازنة والرواتب، ورفضت تطبيق الدستور، وغيّرت ديموغرافية المناطق الكوردستانية، وحاصرت كوردستان، وتركتها وحيدة في مواجهة داعش، وفعلت كل ما كان يحدث للكورد منذ بداية نشوء الكيان الذي سُمّي العراق، وأعادت إنتاجه بصيغ وقوالب مختلفة.

غاية هذه المقدمة الطويلة هي الوصول إلى اللحظة التاريخيّة التي قرّر فيها شعب كوردستان وأحزابه السياسية، بقيادة الرئيس مسعود بارزاني، إجراء الاستفتاء على استقلال إقليم كوردستان والمناطق الكوردستانية خارج إدارة الإقليم عن العراق، بعد أن أضاعت الحكومات العراقيّة كلّها، دون استثناء، فرص التعايش والشراكة وبناء وطن مشترك يمثّل كل الذين يسكنونها، كورداً وعرباً وغيرهم ، وبعد أن كان ردّهم على هذه الشراكة السياسية قمعاً واستبداداً وعمليات إبادة جماعية.

فواقع الحال أنّ كل عملية تفاوض جرت بعد الانتفاضات والثورات الكوردستانية مع الأنظمة العراقيّة، كانت نتيجتها الحتميّة الإنكار والشوفينية ومحاولات هذه الأنظمة الدؤوبة لارتكاب المجازر والجرائم بحق الكورد. وأمام هذا المنهج، لم يكن أمام الكورد إلّا رفض الاستسلام والدكتاتورية، والاستمرار في المقاومة.

لم يقل الكورد لحظةً إنّه فور صدور نتائج الاستفتاء سيُعلن استقلال كوردستان، لكن كان القرار قرار شعب ورغبةً في تحديد مصيره، وكان من المؤكد أن نتيجة الاستفتاء ستكون هي الورقة الكوردية التي يواجه بها الكورد سلطة بغداد، والتي يقول فيها الكورد: هذا ما نريده، وهذا مصيرنا.

لذلك، فالقيمة الرئيسية للقضيّة الكوردية في جنوبي كوردستان بعد الاستفتاء هي أنّ الشعب الكوردي، طوال عقود مضت، كانت ثوراته وانتفاضاته تطالب بالفيدرالية والحكم الذاتي داخل العراق، لكن اليوم، كل الفرص الممكنة انتهت؛ والآن النضال للاستقلال فحسب. ومن نافل القول إنّ أي محاولة لتعايش سياسي أو ثقافي واجتماعي، وإن كان اتحادياً، مع الحكومة العراقيّة ستكون نتيجتها الفشل الحتمي.

والمشكلة الكبرى هي أنّ كوردستان لا تواجه نظاماً اتحادياً واحداً، إنّما تواجه مجموعة كيانات مركزيّة طائفيّة مشتّتة في العراق، وكلّ كيان يرتبط بمسار إقليمي أو دولي يعادي الكورد. وما تفعله ميليشيات إرهابية في المناطق الكوردستانية خارج إدارة الإقليم ليس إلا دليلاً على سطوة الاستبداد المركزيّ الذي يقع الكورد تحت وطأته إن لم يقرّروا مصيرهم بأنفسهم.

منذ اللحظة الأولى التي قاد فيها الرئيس مسعود بارزاني الثورة الكوردية والحركة الكوردستانية، وبات مرجعها والمدافع عنها، كان واضحاً أن الطريق يسير نحو الاستقلال. والورقة التي حصل عليها الكورد عام 1970 في الحكم الذاتي، بعد ثورة أيلول والتي طُبّقت في نهاية المطاف، هي ذاتها الورقة التي حصل عليها الكورد عام 2017، ولكن هذه المرة للاستقلال، وسيتحقق ذلك في نهاية المطاف؛ هذا ما حدث، انتهى الكورد من زمن سؤال الاستفتاء، وباتوا في زمن سؤال الاستقلال الحتمي.

كوردستان لا بدّ أن تكون دولة، كي يكون للتاريخ حقّ!

قد يعجبك ايضا
∧