استفتاء إقليم كردستان؛ من حلم الدولة المستقلة إلى ترسيخ الموقع الاستراتيجي

الباحث الحقوقي:رەنج باراوی

إن قضايا الشعوب الحية لا تموت بالتقادم، ولا تُطوى ملفاتها الاستراتيجية لمجرد إغلاق صناديق اقتراع مؤقتة أو بفرض معادلات القوة الميدانية العابرة. ولعل استفتاء إقليم كردستان العراق الذي أُجري في الخامس والعشرين من أيلول/سبتمبر عام ٢٠١٧ يمثل المحطة الأكثر تعقيداً وحساسية وعمقاً في التاريخ المعاصر للحركة التحررية الكردية. لم يقتصر الأمر على كون هذا الحدث قد لامس العصب الحساس لمفهوم السيادة الوطنية ووحدة الدول الكلاسيكية، بل إنه كشف بوضوح صارخ عن فجوات النظام الإقليمي والدولي، وعن الهوة السحيقة القائمة بين معايير الشرعية الدولية لحقوق الإنسان والمصالح البراغماتية الصرفة للقوى الكبرى.

إن مقاربة هذا الملف الحساس بلغة دبلوماسية رصينة، وبعيدة عن الإنشاء العاطفي البحت، تتطلب تفكيكاً موضوعياً شاملاً ومحترفاً لأسئلة جوهرية تشكل في مجموعها الهيكل الفكري والتاريخي والقانوني لهذه الأزمة الكبرى.

١. الجذور التاريخية والمسار العملي للاستفتاء:

لا يمكن لأي محلل منصف أو قارئ دقيق للتاريخ السياسي أن يختزل استفتاء عام ٢٠١٧ في صدفة سياسية عابرة أو مناورة حزبية ضيقة؛ فهو امتداد حتمي وطبيعي لمسار تاريخي طويل ومرير من النضال المستميت من أجل انتزاع الحقوق القومية المشروعة. تعود جذور فكرة “تقرير المصير” في الوعي السياسي الكردي المعاصر إلى مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى وتفكك الإمبراطورية العثمانية، مروراً بوعود معاهدة (سيفر) عام ١٩٢٠ التي مثلت بصيص أمل قانوني أُجهض لاحقاً بقسوة في معاهدة (لوزان) عام ١٩٢٣، وصولاً إلى التداعيات المدمرة لاتفاقية (سايكس بيكو) التي مزقت النسيج الجغرافي والقومي لشعوب المنطقة ووزعت الشعب الكردي بين كيانات دولية متعددة.

على صعيد المسار العملي القريب لذلك الاستحقاق، ورغم أن فكرة الإعلان عن موعد الاستفتاء قد تأجلت في مناسبات عديدة، لاسيما في ظل الانخراط الميداني المصيري والمشترك للقوات الكردية (البيشمركة) مع الحكومة المركزية العراقية في ملحمة تحرير مدينة الموصل ودحر تنظيم داعش الإرهابي، إلا أن الأفق السياسي استقر بحلول شهر نيسان/أبريل ٢٠١٧ على حتمية إجرائه خلال ذلك العام.

وتوج هذا المسار باجتماع تاريخي موسع عُقد في ٧ حزيران/يونيو ٢٠١٧ برئاسة فخامة الرئيس (مسعود بارزاني)، وضم طيفاً واسعاً من القوى والأحزاب الممثلة لمكونات الإقليم المختلفة. وقد تمخض عن هذا الإجماع الوطني التاريخي الإعلان الرسمي والحاسم عن موعد عقد استفتاء الاستقلال في ٢٥ أيلول/سبتمبر ٢٠١٧.

وقد جرى الاستفتاء في موعده المحدد وسط إقبال جماهيري واسع ونسبة مشاركة بلغت ٧٢.١٦٪ ممن يحق لهم التصويت، ليُتوج التصويت بإرادة صريحة وحاسمة حيث صوتت غالبية ساحقة بنسبة ٩٢.٧٣٪ بـ (نعم) لصالح الاستقلال.

٢. الشرعية البرلمانية والإطار الدستوري للاستفتاء:

لم يكن قرار إجراء الاستفتاء مجرد خطوة سياسية أحادية، بل استند إلى ركيزة تشريعية دستورية صلبة تتمثل في تفعيل دور «برلمان كوردستان» في أيلول/سبتمبر ٢٠١٧، حيث أصدر البرلمان قراره التاريخي بالمصادقة القانونية على إجراء الاستفتاء في موعده المحدد. هذا الإجراء المؤسساتي أضفى على العملية شرعية داخلية راسخة، وأسقط كل الذرائع والمحاولات الرامية إلى وصم الإرادة الشعبية بالانفراد أو عدم الدستورية، ليثبت أن الخطوة نبعت من مؤسسة تشريعية منتخبة تمثل كافة مكونات شعب كردستان دون إقصاء.

٣. البُعد القانوني، مفاهيم السيادة المورفولوجية ومبدأ (R2P):

في ميزان العرف الدبلوماسي والقانون الدولي، يُعد حق تقرير المصير مبدأً أساسياً ومكرساً أقرته صراحةً ميثاق الأمم المتحدة (في المادتين ١ و٥٥) والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. غير أن الفقه القانوني الدولي المعاصر يفرق بوضوح دقيق بين “الشعوب الخاضعة للاستعمار أو الاحتلال الأجنبي المباشر” وبين “الأقليات القومية والإثنية داخل الدول المستقلة ذات السيادة”، مما جعل إقليم كردستان يواجه تحدياً جسيماً يتمثل في الاصطدام بمبدأ “وحدة الأراضي وسلامة الدول”.

مع ذلك، تطور الفقه القانوني الدولي المعاصر ليتجاوز المفهوم الكلاسيكي المطلق لـ “السيادة”، وبات يعترف بأن ممارسات الدول المركزية المتمثلة في التمييز المنهجي، الحصار الاقتصادي، وإنكار الشراكة الدستورية، تسقط الحصانة عن السيادة المطلقة وفق مفاهيم المسؤولية الدولية وحماية الشعوب من الانتهاكات الجسيمة (Responsibility to Protect – R2P)، مما منح الإقليم شرعية جماهيرية رصينة ورصيداً معنوياً لا يتقادم بمرور الزمن.

على الصعيد الدبلوماسي، لم تكن مواقف القوى الكبرى متطابقة تماماً، لكنها التقَتْ جميعاً عند نقطة تقاطع المصالح الاستراتيجية العليا ومخاوف زعزعة استقرار الشرق الأوسط: عارضت الولايات المتحدة التوقيت بحزم، واتخذت روسيا موقفاً براغماتياً، بينما دعت الدول الأوروبية (فرنسا، بريطانيا، ألمانيا) إلى الحوار ضمن إطار الدستور العراقي، وتمسكت الصين بمبدأ عدم التدخل.

٤. إشكاليات العلاقة مع بغداد: الدستور المعطل والعقوبات الجماعية:

اتخذت الحكومة الاتحادية في بغداد مواقف تصعيدية شاملة اعتبرت الاستفتاء غير دستوري. وهنا تبرز المفارقة الكبرى؛ إذ إن إقليم كردستان كيان دستوري معترف به رسمياً بموجب (المادة ١١٧)، بينما تعمدت السلطة المركزية خرق الدستور عبر تجميد وإهمال تطبيق (المادة ١٤٠) الخاصة بالمناطق المتنازع عليها ومدينة كركوك، فضلاً عن التعمد السياسي في تعطيل تشكيل “مجلس الاتحاد” المنصوص عليه في المادة (٦٥) من الدستور وتفريغ الفيدرالية من مضمونها الحقيقي.

كما لجأت الحكومات المتعاقبة في بغداد إلى أداة قاسية تتمثل في فرض الحصار الاقتصادي الشامل وقطع الموازنة ورواتب الموظفين كـ “عقوبة جماعية” مسلطة على رقاب مواطني إقليم كردستان، متجاهلة تماماً حقيقة أن الإقليم لم يكن شريكاً أساسياً في دحر الإرهاب فحسب، بل تحول أيضاً إلى ملاذ آمن لأكثر من مليون ونصف المليون نازح.

لا يمكن قراءة أحداث تشرين الأول/أكتوبر ٢٠١٧ بمعزل عن الواقع الداخلي؛ فقد كان غياب استراتيجية موحدة وتغليب الحسابات الحزبية وتصدع الجبهة الداخلية سبباً رئيسياً في إضعاف الموقف الميداني، مما أدى إلى انسحاب مفاجئ وفقدان السيطرة على كركوك والمناطق المتنازع عليها.

٥. فشل الحصار وسقوط رهانات الإخضاع، والدبلوماسية الاقتصادية المعاصرة:

على الرغم من قسوة الإجراءات العقابية والجهود الرامية لتقويض الكيان السياسي للإقليم في مرحلة ما بعد تشرين الأول/أكتوبر ٢٠١٧، إلا أن تلك المحاولات باءت بالفشل الذريع؛ فقد أثبت الإقليم قدرة استثنائية على الصمود، وتحولت محنة الحصار إلى فرصة لتعزيز مقومات الصمود الذاتي وإدارة الأزمات. وفي مرحلة التحولات الإقليمية والدولية الراهنة، لم يعد الرهان مقتصراً على المعطيات التاريخية فحسب، بل باتت «الدبلوماسية الاقتصادية، أمن الطاقة، والتعاون التكنولوجي» تمثل الأسلحة الاستراتيجية الفاعلة لترسيخ الكيانات السياسية. إن الموقع الجيوسياسي لإقليم كردستان كحلقة وصل إقليمية، وما يمتلكه من مقومات اقتصادية وبشرية، يجعله ركيزة لا غنى عنها لأمن واستقرار الشرق الأوسط ومراكز صنع القرار الدولي.

٦. الأبعاد الجيوسياسية المعاصرة ودور الإقليم كركيزة للاستقرار الإقليمي:

في المشهد السياسي الإقليمي والدولي الراهن، أثبتت التطورات المتلاحقة أن إقليم كردستان لم يعد مجرد كيان جغرافى-سياسي محلي، بل تحول بفضل نهجه الدبلوماسي العقلاني إلى «محور استراتيجي أساسي» لا يمكن تجاوزه في هندسة أمن الطاقة واستقرار الشرق الأوسط. إن قدرة الإقليم على ممارسة الدبلوماسية الوقائية وإدارة الأزمات بحكمة، تجعله الشريك الموثوق للمجتمع الدولي في مواجهة التحديات الأمنية والاقتصادية، مما يؤكد أن الحقوق المشروعة لشعوب المنطقة لا تُقاس بلحظات الانكسار المؤقتة، بل بمدى تجذرها في ضمير التاريخ واستمرارية إرادتها الحية.

أثبتت المحطات المصيرية التي قادها فخامة الرئيس (مسعود بارزاني) عمق الرؤية الاستراتيجية؛ فقبل الاستفتاء كان نداءً شجاعاً لكسر الصمت الدولي، وبعد الاستفتاء أظهر سمواً فكرياً حين أطلق عبارته التاريخية: «لن نغلق باب الحوار أبداً»، مسقطاً كل الذرائع الشوفينية. وحول التساؤل عن سبب عدم وضع الأمم المتحدة الإقليم تحت نظام الوصاية الدولية، يعود ذلك إلى أسباب قانونية وجيوسياسية صارمة تتعلق بالطبيعة القانونية للوصاية المخصصة للأقاليم المستعمرة، ومبدأ السيادة (المادة ٢/٧ من ميثاق الأمم المتحدة)، إضافة إلى حسابات القوى الكبرى.

في خضم هذه القراءة الموضوعية والنقدية العميقة، لزاماً علينا أن نقف وقفة تأمل مسؤولة؛ فالمراجعة الحقيقية تحتم علينا الاعتراف بأن بناء الأوطان وتأسيس الكيانات لا يمكن أن يتحقق بشكل مستدام ما لم يسبقها مشروع استراتيجي متكامل لبناء المواطن، وثقافة المواطنة الحقة، والوعي القانوني والسياسي العميق، فضلاً عن رص صفوف الجبهة الداخلية لمواجهة التحديات القادمة.

وفي الوقت الذي تمر فيه المنطقة والعالم بظروف بالغة التعقيد، تتجه أنظار الجميع نحو أربيل ومقر البارزاني الذي غدا المرجع الفصل للنزاعات والملاذ الآمن للثقة، مما يثبت أن استقرار العراق والمنطقة دون محورية إقليم كردستان يظل خيالاً واهماً.

قائمة المصادر والمراجع العلمية والرسمية:

١. دستور جمهورية العراق لعام ٢٠٠٥: المواد (١، ٢، ٦٥، ١١٧، و١٤٠)، المتعلقة بطبيعة الدولة، والنظام الفيدرالي، ومسألة المناطق المتنازع عليها.
٢. ميثاق الأمم المتحدة: المواد (١، ٥٥، والفصل ١٢ و١٣)، المتعلقة بمبدأ المساواة بين الشعوب وحقها في تقرير المصير، والمادة (٢/٧) الخاصة بعدم التدخل في الشؤون الداخلية، ومفاهيم المسؤولية الدولية وحماية المدنيين (R2P).
٣. العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لعام ١٩٦٦:المادة الأولى المشتركة.
٤. قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم ١٥١٤ (د-١٥) لعام ١٩٦٠: الخاص بإعلان منح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمرة.
٥. الوثائق السياسية والرسمية الخاصة بإقليم كردستان:قرارات برلمان كوردستان ومحاضر الجلسات المتعلقة باستفتاء ٢٥ أيلول/سبتمبر ٢٠١٧، والاجتماع التاريخي الموسع للقوى والأحزاب السياسية الكردستانية برئاسة فخامة الرئيس مسعود بارزاني.
٦. الدراسات الأكاديمية والبحوث القانونية المقارنة:

أ: د. محمد عزيز شكري، مفهوم تقرير المصير في الأمم المتحدة (دراسة تحليلية مقارنة)، دار الفكر، دمشق، طبعة ١٩٦٥.
ب: د. محمد عزيز شكري، التنظيم الدولي العالمي بين النظرية والواقع، مطبعة جامعة دمشق، طبعة ١٩٧٣.
ت: د. ماجد الحموي والدكتور محمد عزيز شكري، الوسيط في المنظمات الدولية، دار الفكر العربي، دمشق، طبعة ١٩٩٦.
ث: أدبيات معهد الإصلاح الجنائي الكردستاني، دراسات وتحليلات قانونية ودستورية مقارنة (إعداد الباحث رَنج عبد الله علي باراوي)، أربيل، منشورة خلال الأعوام (٢٠٢٤ – ٢٠٢٦).
٧. الأدبيات الفكرية والسياسية وبناء الدولة: د. زكي نجيب محمود، تجديد الفكر العربي، دار الشروق، القاهرة، طبعة ٢٠٠١.
٨. التقارير والأرشيف الدبلوماسي: تقارير مراكز الأبحاث والدراسات الاستراتيجية الدولية (واشنطن، بروكسل، لندن) حول دور الدبلوماسية الاقتصادية والجيوسياسية في الشرق الأوسط.

قد يعجبك ايضا
∧