الصحفي والمحامي عرفان الداوودي
ليس العيب أن يبدأ المسؤول حديثه بآية من كتاب الله، ولا أن يختم كلامه بعبارة «صدق الله العظيم»؛ فالقرآن فوق الجميع، وهو دستور أخلاقي وقيمي عظيم. لكن المأساة تبدأ عندما تصبح الآيات الكريمة واجهةً للخطاب، بينما تكون أموال الدولة ومقدرات الشعب في مكان آخر.
العراقي الذي أنهكته الأزمات لا يريد من المسؤول أن يكثر من الآيات والأحاديث أمام الكاميرات، بقدر ما يريد منه أمانةً في المنصب، ونزاهةً في المال العام، وعدلاً في القرار، ونتائج ملموسة على الأرض.
قال تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾
فالمنصب العام أمانة، والمال العام أمانة، والتوقيع أمانة، والقرار أمانة، وحتى السكوت عن الفساد عندما يستطيع المسؤول منعه يدخل في دائرة المسؤولية الأخلاقية والقانونية بحسب الوقائع التي تثبتها الجهات المختصة.
الفساد لا يصبح حلالاً إذا سبقه «بسم الله»
المشكلة ليست في الدين، وإنما في استخدام الخطاب الديني من دون أن ينعكس على السلوك العام.
قال الله سبحانه وتعالى:
﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾
هذه الآية تضع معياراً واضحاً: مال الناس ليس غنيمة، والسلطة ليست طريقاً للاستحواذ على المال.
والأشد خطراً أن يتحول الفساد إلى منظومة؛ مسؤول يغض الطرف، وآخر يوقع، وثالث يحمي، ورابع يبرر، وخامس يظهر أمام الناس متحدثاً عن النزاهة.
هنا لا تعود القضية مجرد سرقة مال، بل تصبح اعتداءً على ثقة المواطن بالدولة ومؤسساتها.
سويدية استقالت… والعراق أمام مليارات لا أمام عشرات الدولارات
وللتاريخ واقعة شهيرة من السويد في عام 1995. فقد استخدمت نائبة رئيس الوزراء آنذاك مونا سالين بطاقة ائتمان حكومية في مشتريات شخصية، وفتحت القضية تحقيقاً رسمياً، ثم استقالت من منصبها في تشرين الثاني/نوفمبر 1995. وتوضح المصادر التاريخية أن القضية لم تكن مجرد قطعة شوكولاتة أو مبلغ صغير، بل ارتبطت باستخدام البطاقة الحكومية في مشتريات شخصية متعددة، وهو ما أدى إلى أزمة سياسية وتحقيق رسمي.
وهنا يحق للمواطن العراقي أن يسأل، لا للمقارنة بين نظامين بصورة مطلقة، وإنما للمقارنة بين مفهوم المسؤولية العامة:
إذا كانت إساءة استخدام بطاقة حكومية ومصاريف شخصية محدودة قادرة على إسقاط مسؤول سياسي كبير من موقعه، فماذا عن ملفات فساد تُتهم فيها جهات مختلفة بخسائر بملايين أو مليارات الدولارات؟
من يحاسب؟ ومن يستقيل؟ ومن يعيد المال؟ ومن يواجه القضاء؟
والأهم: هل أصبحت الاستقالة في العراق عقوبةً سياسية نادرة، بينما ينبغي أن تكون المساءلة القانونية هي الأصل عندما تثبت المخالفة؟
ليس كل تقصير سرقة… لكن كل تقصير له مسؤولية
وهنا يجب أن نكون دقيقين قانونياً.
ليس من الصحيح أن نصف كل مسؤول مقصر بأنه «حرامي» من دون دليل أو حكم قضائي. فهناك فرق بين:
الفساد المالي، والاختلاس، والرشوة، وإهدار المال العام، وسوء الإدارة، والإهمال الوظيفي، والتقصير الإداري والسياسي.
ولكل واقعة توصيفها القانوني وأدلتها وإجراءاتها القضائية.
لكن في المقابل، لا يجوز أن تتحول عبارة «لم يثبت عليه شيء» إلى حصانة سياسية وأخلاقية دائمة، ولا أن يكون المنصب وسيلة للهروب من المسؤولية.
فالمسؤول الذي يفشل في إدارة مؤسسة عامة يجب أن يخضع للتقييم والمساءلة الإدارية والسياسية، أما من تثبت بحقه جريمة فساد أو اختلاس أو رشوة، فمكان الملف القضاء والجهات الرقابية المختصة، وليس الاستوديوهات التلفزيونية.
«هذا من فضل ربي»… ولكن أين حق الفقراء؟
ومن أكثر المشاهد استفزازاً لمشاعر المواطن أن يرى بعض أصحاب المناصب وقد انتقلوا، خلال سنوات قليلة، من حال إلى حال، فتظهر القصور والفلل والممتلكات الفاخرة، بينما المواطن البسيط يكافح من أجل الكهرباء والماء والعمل والسكن والعلاج.
إن كان المال حلالاً، فليُعرف مصدره.
وإن كان من راتب قانوني أو استثمار مشروع، فليكن الأمر واضحاً.
أما إذا كان المال العام قد تحول إلى ثروة شخصية بطرق غير مشروعة، فهنا لا تنفع العبارات الدينية ولا اللافتات ولا كتابة:
﴿هَٰذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي﴾
فالفضل الحقيقي من الله لا يكون بسرقة حق الفقير، ولا بإهدار المال العام، ولا باستغلال السلطة.
والنبي ﷺ حذّر من استغلال المنصب
قال رسول الله ﷺ:
«مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا»
وقال ﷺ في شأن المال العام والمسؤولية:
«ألا كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته»
فالمسؤول ليس مالكاً للوزارة، ولا الدائرة، ولا خزينة الدولة، ولا المال العام.
إنه مؤتمن عليها.
ومن هنا فإن السؤال الحقيقي الذي يجب أن يُطرح في العراق ليس :
كم آية حفظ المسؤول؟
بل:
كم أمانة أدّى؟
كم ملف فساد كشف؟
كم ديناراً من المال العام حماه؟
كم مشروعاً أنجز؟
وكم مواطناً أنصف؟
قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنْفُسِكُمْ
وهذه ليست دعوة لمحاسبة الخصوم فقط؛ بل لمحاسبة النفس قبل الآخرين.
العراق لا يحتاج مسؤولين يتحدثون عن النزاهة… بل يحتاج نظاماً يجعل النزاهة واقعاً
المطلوب ليس حملة تشهير ضد هذا المسؤول أو ذاك، ولا اتهامات جماعية بلا أدلة.
المطلوب دولة قوية تقول بوضوح:
من يسرق المال العام يُحاسب.
من يثبت فساده يُحال إلى القضاء.
من يقصر في واجبه يُساءل إدارياً.
من يستغل منصبه لمصلحته يُكشف أمره.
ومن تثبت براءته تُصان سمعته.
وهذه هي دولة القانون.
أما أن يبقى المواطن يسمع يومياً خطباً عن النزاهة والأمانة، ثم يرى في الواقع قصوراً وثروات ونفوذاً لا يعرف مصدرها، فهنا تتسع الفجوة بين الكلام والفعل.
والدولة التي تريد أن تستعيد ثقة شعبها لا تحتاج إلى مزيد من الشعارات؛ إنها تحتاج إلى شفافية، ورقابة مستقلة، قضاء قادر على محاسبة الجميع، وإعلان واضح عن الذمم المالية ومصادر الثروة وفق القانون.
كلمة أخيرة
يا من تتحدثون باسم الشعب…
إذا بدأتم حديثكم بالقرآن، فليكن القرآن حاضراً في أمانتكم.
وإذا تحدثتم عن النزاهة، فلتظهر في حساباتكم وقراراتكم.
وإذا قلتم «صدق الله العظيم»، فاجعلوا الصدق منهجاً في العمل، لا خاتمةً لخطاب تلفزيوني.
فالعراق لا يريد مسؤولاً يحسن تلاوة الآية أمام الكاميرا ثم ينسى معناها عندما يغلق باب مكتبه.
العراق يريد مسؤولاً إذا اؤتمن حفظ الأمانة، وإذا حكم عدل، وإذا أخطأ اعترف، وإذا قصر حوسب، وإذا ثبت فساده حوكم، وإذا ثبتت براءته أُعيد إليه اعتباره.
فالأوطان لا تُبنى بكثرة الكلام عن النزاهة، وإنما حين تصبح النزاهة قانوناً يُطبق على الجميع، بلا حصانة ولا استثناء .