حين تخاف السلطة من الجدار: (تمثلات فن الشارع) بوصفه ذاكرةً لا تُروَّض

نبيل عبد الأمير الربيعي

ليست الجدران بريئة. وما يبدو سطحاً إسمنتياً صامتاً قد يتحول، في لحظة تاريخية، إلى أكثر المنابر إزعاجاً للسلطة، وأكثرها قدرة على اختزال غضب الناس وأحلامهم وذاكرتهم. فحين تضيق المنابر، يتسع الجدار؛ وحين تحاصر الكلمة، يتقدم اللون؛ وحين تصبح الذاكرة الرسمية انتقائية، يبدأ الشارع بكتابة ذاكرته الخاصة.

من هذه المنطقة الملتبسة بين الفن والسياسة والمجتمع والمدينة، يأتي كتاب الدكتور نصير علي الحسيني (تمثلات فن الشارع)، الصادر حديثاً عن دار الفرات للثقافة والإعلام، في طبعة أنيقة بغلاف صلب ملون، وبواقع ـ365 صفحة من الحجم الوزيري، تتخللها صور ملونة كثيرة. والكتاب، في تقديري، لا يستحق القراءة لأنه يتحدث عن فن يمارس على الجدران فحسب، بل لأنه يفتح سؤالاً أكبر: ماذا يقول الإنسان عندما لا يجد مكاناً آخر ليقول فيه ما يريد؟

يضع الحسيني فن الشارع في امتداد تاريخي طويل، يبدأ من العلامات الأولى التي تركها الإنسان على جدران الكهوف. وهي عودة تبدو ضرورية لفهم طبيعة هذا الفن؛ فالإنسان القديم لم يكن يملك الصحيفة ولا الكتاب ولا الكاميرا، لكنه امتلك الجدار.

على ذلك الجدار سجل خوفه، وحيواناته، ومطارداته، وأشكالاً من حياته ومعتقداته. وبذلك تحولت العلامة الأولى إلى مقاومة مبكرة للنسيان. الإنسان لا يريد أن يعيش فقط؛ يريد أن يترك أثراً يدل على أنه عاش. ومن هنا يمكن فهم فن الشارع بوصفه واحداً من أقدم أشكال التواصل الإنساني، حتى لو تغيرت أدواته ولغاته. فالذي تغير هو الشكل، أما الحاجة إلى التعبير فبقيت.

حين يصبح الشارع كتاباً

المدينة الحديثة أعادت تشكيل وظيفة الشارع. لم يعد الطريق مجرد مساحة للانتقال، بل صار فضاءً تتصارع فيه الهويات والمصالح والخطابات. ولذلك لم يكن غريباً أن يتحول الجدار إلى مساحة تتنافس عليها السلطة والمجتمع والفنان والمعلن والحزب والجماعة والمحتج. وهنا تبدأ الأسئلة الحقيقية التي يمنحها فن الشارع للنقد الثقافي.

من يمتلك الجدار؟ السؤال يبدو بسيطاً، لكنه في جوهره سؤال عن ملكية الفضاء العام. هل الشارع ملك للدولة وحدها؟ أم أنه ملك اجتماعي مشترك؟ ومن يحدد ما يجوز أن يظهر عليه؟ ومن يقرر أن هذه الصورة «فن» وتلك «تشويه»، وأن هذه العبارة (إعلان) وتلك (تحريض)؟

ليس ثمة جواب فني خالص عن هذه الأسئلة؛ لأنها تتصل في العمق بعلاقة القوة بالمكان. ولهذا فإن فن الشارع يكشف أحياناً ما تحاول المؤسسات إخفاءه: صراعاً على الحق في الظهور، وعلى الحق في تعريف المدينة، وعلى الحق في إنتاج المعنى.

لكن النقد الجاد يقتضي ألا يتحول الإعجاب بفن الشارع إلى رومانسية مجانية. ليس كل ما يُكتب على جدار فناً، وليس كل جدارية ناجحة جمالياً، كما أن ارتباط العمل بالاحتجاج لا يمنحه تلقائياً قيمة فنية. ثمة أعمال ضعيفة في لغتها البصرية، لكنها قوية في وظيفتها الاجتماعية، وثمة أعمال متقنة تقنياً لكنها لا تقول شيئاً يتجاوز سطحها. وهنا تبرز ضرورة الفصل بين القيمة الجمالية والقيمة الوثائقية والسياسية والاجتماعية للعمل.

قد تكون العبارة البسيطة أكثر أهمية من لوحة متقنة لأنها تختزل لحظة تاريخية. وقد تكون صورة صغيرة على جدار متهالك أكثر دلالة من عمل فني مكلف، لأنها سجلت إحساساً جماعياً لم يكن يجد طريقه إلى المؤسسات الرسمية.

العراق: الجدار الذي يتذكر

في العراق تبدو المسألة أكثر تعقيداً. فالجدران العراقية عاشت عقوداً طويلة وهي تحمل آثار الصراع السياسي والاجتماعي، وتغيرت عليها الشعارات والصور والملصقات والرموز بتغير الأزمنة والقوى الفاعلة. ولهذا يمكن النظر إلى الشارع العراقي بوصفه أرشيفاً بصرياً غير مكتمل. أرشيفاً لا تحفظه المؤسسات، وإنما تحفظه الجدران. وهنا تحديداً تبرز الحاجة إلى دراسة فن الشارع العراقي ضمن سياقه التاريخي، لا باعتباره ظاهرة تشكيلية منعزلة. فاللون قد يكون ابن حدث سياسي، والصورة قد تكون ابنة ذاكرة جماعية، والعبارة قد تختصر موقف جيل بأكمله. وقد أظهرت الاحتجاجات والحركات الاجتماعية في العراق خلال السنوات الماضية قدرة الشارع على إنتاج رموزه الخاصة، بحيث أصبحت الجدارية والصورة والملصق جزءاً من خطاب عام ينافس الخطابات السياسية التقليدية. إنها لحظة يصبح فيها الفن أكثر من زينة للمدينة؛ يصبح حقاً في الكلام.

المشكلة ليست في اللون نفسه. السلطة قد تتسامح مع لوحة جميلة، بل قد تتبنى الجدارية وتضعها في واجهة مؤسسة أو شارع رسمي. لكن الإشكال يبدأ عندما يتجاوز الفن حدود الزينة إلى مساءلة الواقع. وهنا يظهر الفرق بين فن شارع تريده السلطة جزءاً من ديكور المدينة، وفن شارع يريد أن يسألها عن المدينة نفسها.

الأول يجمّل الجدار. أما الثاني فيضع الجدار في موضع السؤال. وهذا ما يجعل فن الشارع قابلاً لأن يكون فناً رسمياً أحياناً، وشعبياً في أحيان أخرى، ومعارضاً أو سرياً في أوقات مختلفة. ليست القيمة في التصنيف وحده، وإنما في علاقة العمل بالسياق الذي ظهر فيه.

المفارقة أن فن الشارع، وهو أكثر الفنون التصاقاً بالمكان، أصبح في عصر الهاتف والإنترنت أقل ارتباطاً بجغرافيته. فالجدارية التي تولد في زقاق أو حي شعبي يمكن أن تتحول خلال ساعات إلى صورة تتداولها منصات التواصل في أنحاء العالم. وهنا يفقد العمل جزءاً من سياقه المكاني، لكنه يكتسب انتشاراً لم يكن ممكناً في السابق. وبذلك لم يعد الجدار هو النهاية، بل أصبح نقطة البداية لرحلة أخرى داخل الفضاء الرقمي.

تأتي أهمية كتاب (تمثلات فن الشارع) من كونه يضع هذه الظاهرة في مجال أوسع من تاريخ الفنون. فهو يقارب العلاقة بين الفن والإنسان والمكان، ويتابع تحولات التعبير البصري مع تطور المجتمع والمدينة والعمران والصناعة والتكنولوجيا. كما أن توزيع الكتاب على خمسة فصول، فضلاً عن المقدمة والخاتمة والمصادر والمراجع، والصور التي ترافق مادته، يمنحه بعداً توثيقياً وبصرياً ينسجم مع طبيعة الموضوع.

لكن القيمة الحقيقية للكتاب ليست في عدد صفحاته أو صوره، وإنما في السؤال الذي يتركه مفتوحاً أمام القارئ: هل نستطيع أن نفهم المدينة من دون أن نقرأ ما كُتب على جدرانها؟ ربما لا.

فالمدينة لا تتحدث كلها عبر مؤسساتها. جزء من صوتها يسكن في الأزقة، وفي الجدران المهملة، وفي الملصقات الممزقة، وفي الألوان التي تظهر فجأة ثم تختفي. هناك، في تلك المساحات التي تبدو هامشية، يمكن أن نعثر على شيء من الحقيقة اليومية التي لا تدخل دائماً في الكتب الرسمية. لذلك فإن فن الشارع ليس مجرد فن خارج القاعة؛ إنه اختبار لفكرة القاعة نفسها، ولحدود المؤسسة، ولعلاقة الفنان بالجمهور، ولحق الإنسان في أن يرى مدينته ويعيد تفسيرها. ومنذ أن رسم الإنسان الأول حيواناً على جدار كهفه، وهو يحاول أن ينتصر على النسيان.

اليوم، يرسم على جدار المدينة لأسباب مختلفة، لكن الرغبة القديمة ما زالت حاضرة: أن يترك أثراً يقول إن هذا الإنسان كان هنا، وإن له ذاكرة، وإن له صوتاً، وإن المدينة ليست ملكاً لمن يملك السلطة وحده. ولهذا ربما لا تخاف السلطة من الجدار بحد ذاته؛ ما تخشاه هو أن يتحول الجدار إلى ذاكرة لا تستطيع السيطرة عليها. وهنا بالضبط تكمن قوة فن الشارع، وهنا أيضاً تكمن أهمية كتاب د. نصير علي الحسيني.

قد يعجبك ايضا