عرفان الداوودي
في الحادي والعشرين من أيلول 2026، لم يكن المشهد في أربيل مجرد مراسم عسكرية أو إعلان إداري، بل محطة مفصلية في مسار طويل نحو بناء مؤسسة عسكرية موحدة في إقليم كوردستان. فقد أُعلن رسمياً اكتمال توحيد قوات البيشمركة وإعادة تنظيمها تحت مظلة وزارة شؤون البيشمركة، بحضور رئيس إقليم كوردستان نيجيرفان بارزاني، ورئيس الحكومة مسرور بارزاني، ونائب رئيس الحكومة قوباد طالباني، ووزير البيشمركة شورش إسماعيل، وممثل عن القيادة العامة للقوات المسلحة العراقية.
إنها لحظة تختصر سنوات من العمل والإصلاح والتحديات، وتضع البيشمركة أمام مرحلة جديدة عنوانها الأبرز: قيادة واحدة، مؤسسة واحدة، وقرار عسكري واحد. البيشمركة ليست مجرد تشكيل عسكري؛ إنها جزء راسخ من تاريخ كوردستان الحديث، وذاكرة شعب عاش عقوداً من الصراعات والحروب والتهجير والأنفال، وقدم آلاف الشهداء والجرحى والمقاتلين دفاعاً عن أرضه ووجوده وكرامته.
ولهذا فإن توحيد البيشمركة يحمل معنى يتجاوز إعادة توزيع الوحدات أو تغيير التسميات العسكرية. فالرئيس نيجيرفان بارزاني أكد أن التوحيد لا يمثل نهاية الطريق، وإنما بداية مرحلة جديدة، وأن نجاحه الحقيقي يجب أن يظهر في القيادة والأوامر والتدريب والتنظيم والحقوق والواجبات والانضباط والعقيدة العسكرية. وهنا تكمن أهمية الرسالة الأهم: البيشمركة مؤسسة وطنية كوردستانية، وليست قوة لحزب أو جهة سياسية.
فالاختلاف السياسي حق طبيعي في الحياة الديمقراطية، لكن المؤسسة العسكرية يجب أن تبقى فوق المنافسة الحزبية، وأن يكون ولاؤها للمؤسسة والقانون والوطن. وهذا ما شدد عليه نيجيرفان بارزاني بوضوح، مؤكداً أن البيشمركة هي قوة كوردستان، وأن على المؤسسة العسكرية أن تؤدي واجبها بعيداً عن التدخلات والصراعات السياسية.
لقد كان مقاتلو البيشمركة، عبر مراحل التاريخ، عنواناً للتضحية والفداء. وكم من مقاتل حمل روحه على كفه، وكم من أم قدمت ابنها شهيداً، وكم من عائلة عاشت سنوات الانتظار والقلق والفقدان. لذلك فإن أفضل تكريم للشهداء ليس فقط رفع صورهم أو إقامة المراسم، بل بناء المؤسسة التي تحفظ إرثهم وتمنع تكرار أسباب الانقسام. والتوحيد لا يعني إلغاء تاريخ أي قوة أو فصيل أو التقليل من تضحيات أي مقاتل؛ بل يعني جمع هذا التاريخ كله تحت راية مؤسسة واحدة، بحيث يصبح الماضي بكل تضحياته أساساً لمستقبل أكثر تنظيماً ومهنية.
ومن هنا تبرز مسؤولية كبيرة أمام وزارة البيشمركة: أن يكون التوحيد حقيقياً في القيادة والقرار والرواتب والترقيات والتدريب والتسليح والانضباط والحقوق والواجبات، لا مجرد توحيد في الاسم والشعار. كما أن المرحلة الجديدة تفتح باباً أوسع لتعزيز التنسيق بين البيشمركة والقوات العراقية، باعتبار أن أمن كوردستان جزء من أمن العراق، وأن مواجهة الإرهاب وحماية الحدود والاستقرار مسؤولية مشتركة. وقد أكد رئيس حكومة إقليم كوردستان مسرور بارزاني أن البيشمركة جزء أساسي من المنظومة الدفاعية العراقية، ودعا بغداد إلى ضمان حقوقها الدستورية ومساواة رواتبها ومستحقاتها المالية بنظرائها في الجيش العراقي.
إن توحيد البيشمركة يمكن أن يكون أيضاً رسالة إلى الداخل والخارج بأن المؤسسات القوية تُبنى عندما يتقدم الانتماء الوطني والمؤسساتي على الانتماءات الأخرى داخل المؤسسة العسكرية. ولعل أجمل ما في هذه اللحظة أن أبناء البيشمركة الذين وقفوا في الخنادق في أصعب الظروف، باتوا يرون مؤسستهم العسكرية وهي تدخل مرحلة جديدة من التنظيم والاحتراف.
السلاح عندما يتوحد تحت القانون يصبح قوة دولة، والقرار عندما يتوحد يصبح حماية للوطن، والبيشمركة عندما تتوحد تصبح مظلة أمنية لكل أبناء كوردستان دون تمييز. إنها صفحة جديدة في تاريخ البيشمركة؛ صفحة عنوانها الوحدة والانضباط والمؤسساتية، وأملها أن يبقى هذا الجيش بعيداً عن الصراعات السياسية، حامياً لأرض كوردستان وشعبها، وشريكاً فاعلاً في منظومة الدفاع والأمن العراقية.
هنيئاً لكوردستان ببيشمركة موحدة، وهنيئاً للبيشمركة هذه الصفحة الجديدة من تاريخها. التحية لشهدائها، والاحترام لجرحاها، والتقدير لمقاتليها، والمستقبل لمؤسسة عسكرية واحدة تحمل اسم كوردستان.