نجاح هيفو
ليست قضية المرأة السورية قضية هامشية يمكن تأجيلها إلى أن تستقر الأوضاع، وليست ملفاً اجتماعياً منفصلاً عن مستقبل البلاد. إنها قضية ترتبط مباشرة بشكل الدولة والمجتمع الذي نريد بناءه، وبمدى قدرتنا على الانتقال من عقلية الأدوار المفروضة إلى مفهوم المواطنة والشراكة.
خلال السنوات الماضية، تغيّر موقع المرأة السورية بفعل الظروف قبل أن يتغير بفعل السياسات. خرجت النساء إلى مساحات لم تكن متاحة لهن سابقاً، وتحملن مسؤوليات اقتصادية وأسرية ومجتمعية كبيرة. أصبحت المرأة في كثير من البيوت المعيلة، وصاحبة القرار، والعاملة، والناشطة، والمتطوعة، والمبادرة. وفي ظروف قاسية، أثبتت أنها قادرة على إدارة الأزمات وحماية أسرتها والمساهمة في صمود مجتمعها.
لكن المفارقة أن المجتمع قد يقبل هذه الأدوار عندما تفرضها الضرورة، ثم يعود بعد ذلك ليضع المرأة داخل القالب التقليدي نفسه. وهنا ينبغي أن نتوقف. لماذا يُطلب من المرأة أن تكون قوية عندما يحتاجها المجتمع، ثم يُطلب منها أن تتراجع عندما يتعلق الأمر بمواقع التأثير وصناعة القرار؟ لماذا يُنظر إلى نجاح المرأة في تحمل المسؤولية باعتباره واجباً، بينما يُنظر إلى مشاركتها في القرار باعتبارها امتيازاً يحتاج إلى تبرير؟ هذه الأسئلة ليست ترفاً فكرياً. إنها تمس جوهر المرحلة التي تمر بها سوريا.
القوالب النمطية لا تبدأ دائماً بقرار رسمي أو نص قانوني. كثيراً ما تبدأ من الأسرة، ومن التربية، ومن المدرسة، ومن الخطاب الإعلامي، ومن عبارات تبدو عادية في حياتنا اليومية: هذا العمل لا يناسب المرأة، القيادة ليست للنساء، مسؤولية الأسرة تقع على المرأة، أو أن بعض المهن والمواقع تحتاج إلى صفات لا تليق بالمرأة.
ومع تكرار هذه الأفكار، تتحول إلى منظومة غير مكتوبة تحدد للمرأة سقفاً لما يمكن أن تكون عليه. المشكلة أن هذا السقف لا يقيّد المرأة وحدها، بل يقيّد المجتمع أيضاً. فحين نمنع امرأة مؤهلة من الوصول إلى موقع مسؤولية بسبب جنسها، لا نخسر امرأة واحدة فقط، بل نخسر خبرة وكفاءة ورؤية يمكن أن تسهم في حل مشكلة أو تطوير مؤسسة أو تحسين قرار.ولهذا فإن الحديث عن مشاركة المرأة لا ينبغي أن يختزل في زيادة عدد النساء في الاجتماعات واللجان والمؤسسات. المسألة أعمق من الحضور الشكلي. المطلوب هو الانتقال من تمثيل المرأة إلى تأثيرها، ومن وجودها في المشهد إلى مشاركتها الفعلية في صناعة القرار. وفي سوريا اليوم، يصبح هذا الأمر أكثر أهمية.
نحن أمام مجتمع يحتاج إلى استعادة طاقاته كلها. ولا يمكن أن نتحدث عن إعادة البناء أو التعافي أو الاستقرار بينما نضع قيوداً على مشاركة جزء أساسي من المجتمع.
المرأة السورية ليست بحاجة إلى من يمنحها حقاً أثبتت الحياة أنها تستحقه. هي بحاجة إلى بيئة عادلة تتيح لها استخدام هذا الحق. ومن الخطأ أيضاً اختزال قضية المرأة في مفهوم الحماية فقط. نعم، حماية النساء من العنف والاستغلال والتمييز مسؤولية لا يمكن التهاون فيها. لكن المرأة التي نحميها يجب أن تكون قادرة أيضاً على أن تتعلم وتعمل وتملك وتقرر وتشارك في الحياة العامة. فالتمكين الحقيقي لا يعني أن نتحدث عن المرأة نيابة عنها، وإنما أن نضمن لها القدرة على التعبير عن نفسها والمشاركة في القرارات التي تؤثر في حياتها.
وهنا تقع مسؤولية مشتركة على الدولة والمؤسسات والأسرة والمجتمع والإعلام. نحن بحاجة إلى قوانين ومؤسسات تضمن تكافؤ الفرص، وإلى بيئة عمل لا تضع عوائق أمام النساء، وإلى تعليم لا يعيد إنتاج الأدوار التقليدية، وإلى إعلام يرى المرأة بوصفها فاعلاً في المجتمع لا مجرد صورة أو ضحية، وإلى أسرة تعيد توزيع المسؤوليات بصورة أكثر عدلاً. كما نحتاج، قبل كل ذلك، إلى تغيير السؤال نفسه. بدلاً من أن نسأل: ماذا تستطيع المرأة أن تفعل؟ علينا أن نسأل: ما الذي يمنع المرأة من الوصول إلى المكان الذي تستحقه؟ هذا التحول البسيط في السؤال يكشف جوهر المشكلة.
فالمرأة السورية أثبتت قدرتها في أصعب الظروف. عملت حين كان العمل ضرورة، وتحملت حين كان التحمل خياراً وحيداً، وأدارت الأسرة حين غاب المعيل، وواصلت تعليم أبنائها حين كانت الظروف تدفع نحو اليأس، وأسهمت في العمل المدني والمجتمعي عندما كانت الحاجة إلى المبادرة أكبر من أي وقت مضى.
لقد قامت المرأة بدورها. والمرحلة المقبلة تتطلب ألا نطلب منها المزيد من التضحية، بل أن نمنحها المزيد من الفرص. إن سوريا المستقبل لا تحتاج إلى إعادة إنتاج المرأة بالصورة القديمة نفسها، بل تحتاج إلى الاعتراف بتعدد أدوارها وحقها في اختيار موقعها في المجتمع. يمكن للمرأة أن تكون أماً وقائدة. يمكن أن تكون زوجة وصاحبة قرار. يمكن أن تعمل في المنزل أو في المؤسسة أو في المجال العام. هذه الأدوار لا تتناقض، ولا يجوز للمجتمع أن يفرض عليها اختياراً واحداً منها.
المواطنة لا تتجزأ. ولا يمكن أن نطالب المرأة بالقيام بواجباتها كاملة، ثم نضع علامات استفهام أمام حقوقها عندما تصل إلى مواقع القرار. إن بناء سوريا أكثر استقراراً وعدالة يبدأ أيضاً من إعادة النظر في هذه المعادلة. فالمجتمع الذي يريد أن ينهض لا يستطيع أن يضع نصف طاقته خلف الأبواب. وحين تُحاصر المرأة بالقوالب، لا تُحاصر المرأة وحدها. يُحاصر الاقتصاد، والتعليم، والأسرة، والمؤسسات، والسياسة، ويُحاصر مستقبل بلد بأكمله. أما عندما تتحول مشاركة المرأة من استثناء إلى قاعدة، ومن حضور رمزي إلى تأثير حقيقي، فإننا لا نمنح المرأة مكاناً إضافياً في المجتمع، بل نعيد للمجتمع نفسه جزءاً من قوته التي حُرم منها طويلاً.
هذه ليست معركة المرأة وحدها. إنها معركة سوريا من أجل مستقبل أكثر عدلاً، وأكثر قدرة على الاستفادة من جميع أبنائها وبناتها.