اغتراب المواطنة.. عندما يتحول صاحب الوطن إلى أجير

سمير السورميري

ليست الدولة في أصل فكرتها سوى أداة أنشأها المجتمع لتنظيم شؤونه، وصيانة حقوقه وحماية مصالحه العامة، غير أنَّ العلاقة بين المواطن والوطن قد تتعرض لتحولات عميقة تُفرغ المواطنة من معناها، وتُبدد جوهرها الأخلاقي والسياسي، ويحدث ذلك حين تنهار منظومة القيم تحت وطأة النكبات الأيديولوجية، وتتسلل إلى الوعي الجمعي أوهام كبرى تُزيَّن بشعارات طائفية أو إثنية أو عقائدية، فتستبدل فكرة الحقوق بثقافة الخضوع، وتحلّ التبعية محل الشراكة، ليغدو المواطن متنازلًا عن حقه بإرادته، ومدافعًا عن القيود التي تكبله ومؤمنًا بأوهام صُنعت لإبعاده عن حقيقة موقعه بوصفه مالكًا للوطن لا تابعًا فيه.

ومن أخطر تجليات هذا التحول أن يفقد المواطن إحساسه بالمسؤولية تجاه المجال العام، هو انحسار وعي الفرد بدوره كشريك في بناء الوطن، فلا يعود يرى الممتلكات العامة جزءًا من ملكيته المشتركة، بل يتعامل معها بوصفها ملكًا للسلطة أو للقوى التي منحت نفسها حق الوصاية عليه، وهكذا تنشأ دائرة مغلقة من الاغتراب: سلطة تحتكر القرار والثروة والرمز، ومواطن ينسحب تدريجيًا من الفعل العام، فتزداد السلطة انفرادًا ويزداد هو شعورًا بالعجز والتهميش، وكلما اتسعت المسافة بين الطرفين، تراجع معنى المواطنة بوصفها مشاركةً ومسؤوليةً وحقًا.

وقد تناول الفيلسوف الألماني كارل ماركس مفهوم الاغتراب حين وصف انفصال العامل عن نتاج عمله، غير أن هذا المفهوم يتجاوز المجال الاقتصادي ليطال المجالين السياسي والاجتماعي أيضًا، فالمواطن المغترب لا يشعر بأن الوطن امتداد لذاته أو انعكاس لإرادته، بل يراه كيانًا بعيدًا عنه، تُدار شؤونه خلف أبواب مغلقة، وتُتخذ القرارات المصيرية باسمه دون أن يكون شريكًا فيها، وعندما يبلغ هذا الشعور ذروته يتحول الانتماء إلى رابطة قانونية أو عاطفية خاوية من أي مضمون عملي، ويغدو الوطن اسمًا يتداول في الخطابات أكثر مما يُعاش في الواقع.

وحين يتحول الشعب من مالك للوطن إلى أجير فيه، يكون قد فقد جزءًا كبيرًا من منضومته القيمية والمعرفية، فالمفاهيم التي كانت تقوم على القناعة الحرة تُستبدل بأفكار عقيمة وانتماءات ضيقة تُعيد تشكيل الوعي على أسس الانقسام لا الشراكة، وعندما تتقدم الهويات الضيقة على مفهوم المواطنة، ويتأكل الشعور بالمصير المشترك وتتراجع فكرة الشعب بوصفه جماعة موحدة، لتحل محلها جماعات متنافسة متفرقة تبحث عن حصتها من النفوذ والامتيازات، لا عن شراكتها في البناء، يكون الاغتراب قد بلغ مداه.

إنَّ أخطر ما قد يصيب أي مجتمع ليس الفقر ولا الأزمات الاقتصادية وحدها، بل أن يفقد أبناؤه شعورهم بأنهم أصحاب هذا الوطن، فحين يتحول المواطن من مالك إلى أجير، ومن شريك إلى تابع، لا تخسر الدولة فردًا فحسب، بل تخسر الفكرة التي قامت عليها المواطنة ذاتها، وعندها يغدو الوطن حالة اغتراب، إذا انحصر مفهومه في مجرد مساحة للسكن والعمل، لا فضاءً للحرية والكرامة والحقوق.

ويبقى السؤال معلقًا على جدار المستقبل: هل تستطيع الموطنة أن تستعيد معناها الأصيل بوصفها شراكةً إنسانية وملكيةً جماعيةً لمصير واحد؟ يبدو الجواب في ظل آليات الحكم المحاصصية وتفسيراتها الضيقة للهوية والانتماء، أقرب إلى النفي منه إلى الأمل، إذ لا يمكن لوطنٍ يتوزع أبناؤه إلى حصص ومغانم، وينتج مواطنةً حقيقيةً تتجاوز حدود الجماعات إلى فضاء الوطن الجامع، المواطنة ليست امتيازًا يُمنح، بل مسؤولية أخلاقية تُمارس، وهنا السؤال الأكثر إيلامًا: كيف نبني وطنًا معًا؟

قد يعجبك ايضا