الكورد الفيليين والقرى في مناطق سكناهم في عصر ما قبل الزراعة و ” نضج ثقافي تدريجي” في مبحث جاك كوڤـان

اعداد: عدنان رحمن

 

   الاستاذ جاك كوڤـان من معهد ما قبل التاريخ الشرقي- جاليس في 25 آب من العام 1993ألَّف كتابه المعنون ( الالوهية والزراعة- ثورة الرموز في العصر النيوليتي)، وفي عام 1999 صدرت الطبعة العربية بعد ان ترجمها موسى ديب الخوري، وراجعها وقدّم لها سلطان محيسن، وقد ورد في الفصل الأول، الذي كان بعنوان ( الوسط الطبيعي والثقافات البشريةعشية النيوليتي الكثير من المعلومات نورد منها:

– ” عندما نحاول تفسير إبكار الثورة النيوليتية في الشرق الأدنى بالنسبة لمناطق العالم الأخرى، فإنه يتم الإستناد إلى شروط طبيعية مساعدة بشكل متميز في غالب الأحيان. (( وما يسمى في هذا الإسناد بـ «الهلال الخصيب» يمسح في قوس من دائرة بدءاً من البحر الميت وحتى الهضبة الإيرانية، بين الجبال العالية في لبنان والأمانوس وطوروس الشرقية وزاغروس من جهة. والصحراء الداخلية من جهة أخرى، منطقة متوسطة من السهول الرسوبية والتلال الملائمة جداً لحياة البشر، وهي مغطاة بسهوب كثيفة مشجرة غالباً وترتادها حيوانات برية غزيرة ومتنوعة)). (1)ونجد فيها معظم الأنواع النباتية أو الحيوانية التي دجنها أناس النيوليتي: ليس فقط الزروع والشعير والشيلم البرية ونوعان من القمح، القمح النشوي وبر القفقاس البريان. بل وأيضاً البقول مثل الجلبان أو العدس أو الفول أو البيقة (الباقية) أو الحمص. ومن الأنواع الحيوانية الماعز والأروية(2) والأرخص (3) والخنزير وهي حيوانات لا تزال أساس غذائنا اللحمي بعد أن تغيرت بالتدجين.ومع ذلك، إذا كان هذا التركيز من الأنواع المفيدة مميزاً بذاته. لكن الشرق الأدنى لا يتفرد بالكثير منها: فالبر القفقاسي تجاوز المضائق لنجده في مقدونيا. وثمة في أفريقيا نوع من الأروية كان يمكن أن يصبح مدجناً مثل أروية الشرق، وكان الأرخص والخنزير شبه منتشرين قبل النيوليتي حول حوض المتوسط كله، في حين كان العدس البري ينبت في أوروبا المعتدلة. ومع ذلك لا يبدو أن هذه الأنواع قد دُجنت في هذه المناطق. أما في الشرق الأدنى نفسه فقد استُثمرت لفترة طويلة عن طريق الستراتيجيات التقليدية للصيد – القطاف قبل أن يبدأ الإنسان بإنتاجها.

التطور المناخي قبيل النيوليتي

والحق أن الوسط البيولوجي ليس وحده موضوع الخلاف. فهو نفسه ثمرة تطور مناخي. فهكذا إنما لم تستطع الزروع، الهامة بشكل خاص، أن تحتل مساحتها البيئية الحالية إلا بدءاً من نهاية البليستوسين، منذ نحو خمسة عشر ألف سنة، كنتيجة من بين نتائج أخرى لحدث أكثر شمولاً: الإرتفاع العالي في درجة حرارة المناخ في نهاية العصور الجليدية. والحال أنه إذا كان هذا التطور المناخي على مستوى كوكب الأرض لكن الشرق الأدنى عاش خلاله حالة خاصة منه. فمن جهة، مع أخذ خط العرض وبعد الجليديات بعين الإعتبار، فإنه لم يشهد أبداً قساوة البرد الذي واجهته إلى الشمال أكثر أوروبا باليوليتية. ومن جهة أخرى، كان التطور فيه باتجاه المناخ الحالي أكثر تدرجاً، وبكلمة أخرى أقل صدماً وأذى بالنسبة للإنسان منه في نقاط أخرى على الكوكب. ففي أوروبا، كان التسخين الحراري قد بدأ في الواقع منذ نحو عشرين ألف سنة، لكنه كان قد تباطأ مع بقاء الشروط المناخية الباردة التي تميز المرحلة الجليدية التي تسمى:

«الفيرم الرابع Würm IV» أو «الجليدية المتأخرةTardiglaciaire». ويُفترض أن تأثير ذوبان الجليديات القطبية، التي كانت تحتجز حتى ذلك الوقت كميات هائلة من المياه على شكل جليد، لم يكن فقط رفع مستوى المياه في البحار وإغراق مساحات كبيرة من الأراضي المسكونة، بل وأيضاً تبريد المحيط نفسه وأصقاعه النهرية وذلك بمضاعفة الجبال الجليدية العائمة فيه، وعندها عرفت فرنسا مشهد التودرا التي ترتادها قطعان الرنة، وهو المشهد الخاص بالعصر الجليدي المتأخر، وطورت الحضارة المجدلانية تأقلماً مميزاً مع هذا المشهد الجديد يشبه إلى حد كبير تأقلم الإسكيمو الحاليين. وهكذا أصبح حيوان الرنة، وهو الحيوان الأكثر اصطياداً والذي أصبح شبه مألوف، يلاحق فيه خلال هجراته الموسمية. وكان هذا التأقلم كاملاً جداً في مظهره طالما أنه لم يستمر مع تغيرات المناخ الجديدة. فبعد أن عاد ارتفاع الحرارة إلى مجراه فضّل المجدلانيون ملاحقة الرنة إلى الملجأ النهائي لقطعانها باتجاه السهول الشمالية بدلاً من البقاء في مكانهم. وهكذا شهد العصر الحجري الوسيط (الميزوليتيMesolithique). في أوروبا معتدلة المناخ ومثجرة جداً وتقطعها البحيرات والسبخات، استمرار جماعات ضمن ثقافات منعزلة ومتناقصة العدد بشكل قسري بسبب هذه الهجرة المجدلانية. ولم يحصل شيء، من ذلك في الشرق الأدنى. فبين 20000 و 16000 قبل الميلاد أثر المناخ البارد والجاف للعصر الجليدي المتأخر فيه على الرغم من أنه كان أقل حدة منه في أوروبا وتبعه ارتفاع مستمر في درجات الحرارة بلا صدمات. وبالمقابل كان ثمة تطورات أخرى خاصة بأفريقيا وبآسيا الأمامية: فهي لم تكن تتعلق بدرجات الحرارة الشاملة بل بالأخرى بظاهرات إعصارية وبنظام الرياح وهما أمران يحددان بدورهما الهطول المطري. والأمطار فائقة الأهمية عند خط العرض وهما إذن «أزمات مناخية»² محلية كانت تستطيع منذ ذلك الوقت أن تتفرد في هاتين القارتين مختلف المناطق من منظور الرطوبة. وهكذا فقد ظل الشرق الأدنى. من زاغروس حتى شبه الجزيرة العربية. شبه صحراوي حتى نحو 9000 قبل الآن. ليس فقط لأن الخليج العربي وهو خزان طبيعي للرطوبة ظل فيه جافاً لمدة طويلة. بل لأنه افتقد أيضاً الريح الموسمية الصيفية التي تجعل أمطار المحيط الهندي 3. وعلى العكس فإلى الغرب أكثر، أفلت الشرق الأدنى، الأكثر مطراً بفضل رياح المتوسط، من هذا الجفاف. وقد مر بفترة حتى أكثر رطوبة من الفترة الحالية بين 16000 و 13000 سنة قبل الميلاد، وذلك عندما شهدت المناطق الجافة جداً حالياً، مثل سيناء، والنقب والبادية السورية – ازدهار الإعمارات التي لا تحصى للصيادين اللاقاطين من «الكباري الهندسي». وعندما يكشف علماء المناخ بعد ذلك. خلال العصر التطويقي نحو 12500 عام قبل الميلاد، جفافاً في المناخ فإنه إلى حد قريب الجفاف الحالي الباقي في المنطقة.وهكذا، عندما شرع أناس الشرق الأدنى منذ نحو 12000 سنة توليتهم. فقد كانوا يعرفون منذ عدة آلاف من السنين شروطاً طبيعية معتدلة بشكل استثنائي. فقد كانوا بمأمن من التغيرات الشديدة جداً في درجات الحرارة، ومن التعديات البحرية الغامرة التي رافقت في مناطق أخرى ارتفاع مستوى البحر، وذلك لأن السلسلة الجبلية الساحلية في المشرق حمت البلد من الداخل، ومن الجفاف المستمر في الشرق الأدنى. ومع ذلك فإن هذه العناية من الوسط لا تفسر بشيء، التحول الجوهري الذي سوف نصفه. فقد كان ليبر اقتصاد صيد والتقاط مستمر بقدر تيسيره لاستراتيجيات الإنتاج التي سوف تلي. فالتاريخ المناخي يأخذ بعين الإعتبار، مثل قائمة الأنواع المدجنة، أنماطاً معينة للدولة في هذا الجزء من العالم بالأخرى من اعتباره لانطلاقاتها نفسها. وهكذا فإننا نفهم بشكل أفضل بعض التأخر في زاغروس أو في جنوب الرافدين بالنسبة لمناطق واجهة البحر المتوسط: وذلك لأن الهلال الخصيب الحالي تأخر لفترة طويلة في مد تقدمه الشرقي إلى هذه المناطق. إن الأرض الجافة جداً تشكل عائقاً لكن شروطاً مساعدة تلعب دوراً تمهيدياً. فلننظر الآن ما الذي صنعه البشر بها ملخصين هنا أيضاً الآلاف الأخيرة من البليستوسين.

التطور الثقافي قبل 12500 سنة قبل الميلاد

لا تبدأ أهمية الشرق الأدنى في ما قبل التاريخ في النيوليتي. فهو مرتبط مع أفريقيا عبر «المضيق العربي»، وكانت البشرية الأولى (الهومو إرکتوسHomo erectus) قد مرت عبره منذ أكثر من مليون سنة باتجاه آسيا وأوروبا انطلاقاً من مهدها الأفريقي. وعبر الشرق الأدنى أيضاً كان قد أمكن لشبيهه الهومو سابيان سابيان Homo sapiens sapiens أن يعبر، وكان مظهره عصرياً منذ ذلك الوقت. وقد جاء هو أيضاً من أفريقيا، وهو مؤرخ بشكل جيد في فلسطين (في مغارة قفزه) بنحو تسعين ألف سنة. وفي مجال تطور التقنيات، فإنما ينسب له أنه اخترع في الشرق الأدنى التقسيب النصلي للصوان وهو مؤرخ منذ 80000 سنة قبل الآن في واحة الكوم السورية. أي في بداية الباليبوليتي الأوسط ويُزود هذا التقسيب بخامات متطاولة، أي بنصال حجرية أكثر انتظاماً من شظايا بسيطة وذلك من أجل تشكيل أدوات معينة.ويبدي الباليوليتي الأعلى. وهو «أورينياسيAurignacien المشرق» بين 45000 و 20000 سنة قبل الآن. صلات وثيقة مع الأورينياسي الأوروبي والذي كان يمكن أن تكون له صلات معه. وبدأت الأدوات والأسلحة من الحجر والعظم بالتنوع والتخصص. ومن الواضح مع ذلك أن «الأدوات الحجرية الدقيقة»، هذا التقدم التقني العالمي الذي يخفف من وزن أسلحة وأدوات الصوان، والتي قلصت إلى عناصر دقيقة جداً تزين بها بشكل مركب أجسام الأدوات التي من مواد أخرى (خشب أو عظم)، قد ظهرت في الشرق الأدنى منذ الأورينياسي أي أبكر بكثير من أي موقع آخر. ولكن في الفترة التالية، وعندما ازدهرت في الغرب الحضارة السولوترية solutréenne وإنجازاتها اللامعة في مجال التقنية الحجرية والإبداع الفني منذ ذلك الحين. كان العصر الكباري Kebarien بعيداً عن تحقيق مثل هذا التفتح. لقد استمر كباري الشرق الأدنى، والذي نصادفه غالباً حتى الآن في المغائر واللجئ الطبيعية من الواجهة المتوسطية للمشرق وللأناضول الجنوبية أكثر منه في المناطق الداخلية، التي أصبحت ربما أقل مضيافة بسبب العصر المناخي البارد والجاف نسبياً، وقد حافظ هذا الكباري وطور موروث الحجارة الدقيقة الذي ورثه: فأدواته كلها تقريباً مشكلة من نصال رقيقة بدأت تأخذ أشكالاً هندسية (مثلثات مختلفة الأضلاع)، وذلك في الخط المستقيم لتطور مستمر وصل بعد ذلك. نحو عام 15000 قبل الميلاد، إلى «الكباري الهندسي»، لكن المجموعات البشرية تظهر محدودة فيه، وإبداعها المادي محدوداً، بصناعة نادرة من العظام وبدون عمل فني. ولم يكن الشرق الأدنى في حينه يدل في شيء على مستوى تطوري متقدم، على الأقل باتباع المعايير التي تجعلنا نقدر عموماً الثقافات البشرية من خلال إنجازاتها التقنية. وقد عمل الكباري الهندسي الذي تلاه بين 15500 و 12500 سنة قبل الميلاد، كما يشير إلى ذلك اسمه، على إعطاء أدواته الحجرية الدقيقة أشكالاً هندسية بشكل مفرط، والتي باتت تُصنع منذ ذلك الحين فساعداً بمعظمها على شكل مستطيلات أو أشباه منحرفة. وقد فتح التحسن المناخي بشكل واسع كما رأينا مجمل الشرق الأدنى على الثقافة، التي نجدها من الفرات حتى سيناء، ومن البحر المتوسط حتى واحات الصحراء، وقد أصبحت إقامته أكثر ندرة في المغائر وكثيرة جداً في الهواء الطلق، حيث تفترض وجود مجموعات أكثر عدداً من قبل وأقل حركة: وهكذا كانت «معسكرات قاعدة» تصل في بعض الأماكن إلى 2000 متر مربع مع تخصصات في المساحات المسكونة تفترض استقرارية نسبية. ونعرف حتى أمثلة كثيرة على بناء «مساكن دائرية» في الحضر، وبخاصة في خزائنه في الأردن وفي سيناء. ولم يكن قد عثر على هذه «البيوت الدائرية» حتى الآن سوى مرة واحدة في الكباري بمعنى الكلمة في عين غيف Ein Guev في فلسطين، وفي مغارة جعيتا في لبنان. ولم تكن كثيرة بعد بدرجة كافية لتشكل قرى، لكنها تصور ما ستكون القرى النطوفية التي ستلي. كذلك فإن أدوات طحن (أجران)، التي اعتبرت لفترة طويلة على أنها جديدة في النطوفي، ظهرت للمرة الأولى في الكباري الهندسي. يشهد ذلك كله على نضج ثقافي تدريجي، حيث يرافق تحسين الأداة التحسين الطبيعي لإطار الحياة. إن ما «يميز» عصراً ما يكون ماثلاً دائماً تقريباً في العصر الذي يسبقه. والتفتح الثقافي لآخر الصيادين القاطفين الذي سيدخل النطوفي هو نتاج هذه الإستمرارية.

واضاف جاك كوڤـان عن القرى الأولى ما قبل الزراعية: النطوفي، التي تتحدث عن نفس المنطقة، التي جزءاْ منها هي التي نقصدها، وهي: ( مناطق سكن الكورد الفيليين حالياً- شرق دجلة-).

– ” لقد امتدت الحضارة النطوفية على المشرق كله تقريباً. من الفرات إلى سيناء، بين 12500 و 10000 سنة ق. م. وقد اعتبر النطوفي منذ فترة طويلة على أنه الفترة الإتمالية التي تحضرت فيها النولتة. وهي الفترة التي تفهم عادة على أنها الصيرورة التي مرت خلالها المجتمعات البشرية من القنص والإلتقاط إلى إنتاج المعينة والمؤن. بل كان ينسب لها خلال الثلاثينات لجوء مباشر ومبكر للزراعة. وقد بين تنقيب ملاحة منذ عام 1955، وهي قرية من وادي الأردن. أن الأمر كان لا يزال متعلقاً بصيادين قاطفين، لكنه أدخل بالمقابل فكرة جديدة لتحضر واستقرار ما قبل زراعي في الشرق الأدنى. وقد أثبتت ذلك خلال فترة لاحقة اكتشافات أخرى في المشرق الجنوبي وعلى الفرات. وكان غياب المعطيات النباتية القديمة حتى هذه السنوات الأخيرة حول النظام الغذائي للنطوفيين يوازن بتركيزهم الظاهر في المنطقة شبه الجافة ذات الزروع البرية. وكان ذلك يدعو مع وجود أهراءات في ملاحة إلى اعتبارهم ليس فقط كأوائل القرويين الحضر في المشرق، بل و«كقاطفي الزروع»، أي كأخصائيين حقبتين كانوا قد حضروا عبر ذلك، بتشكيلهم لهذه النباتات كمصدر رئيسي، لاستخدامها القريب في الزراعة”.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1- هذا ما ورد ضمن المقطع المنقول من متن الكتاب، ونقصد بنشره والتركيز عليه: ان منطقة سكن الكورد الفيليين تقع ضمن هذه المنطقة الجغرافية التي وصفها الكاتب.

2- الأروية: نوع من الماعز. م.

3- الأرخص: ثور بري منقرض. م.

قد يعجبك ايضا