البيشمركة من ذاكرة الجبل إلى دولة المؤسسة توحيد القوات… وفاءٌ للتضحيات واستحقاقٌ لمستقبل كوردستان

أحمد زبير باني

ليست البيشمركة كلمةً عابرة في قاموس السياسة الكوردستانية، ولا عنواناً عسكرياً يمكن اختزاله في عدد من الألوية أو المقاتلين والبنادق.

البيشمركة ذاكرة شعب؛ هي الجبل حين كان الجبل آخر حصون الكرامة، والخندق حين كان خط الدفاع الأخير عن الأرض والإنسان، وهي الأم التي ودّعت ابنها إلى الجبهة، والزوجة التي انتظرت عودته، والطفل الذي كبر وفي ذاكرته صورة أبٍ غاب في طريق الواجب ولم يعد.

البيشمركة، قبل أن تكون مؤسسة، كانت تضحية. وقبل أن تكون وزارة، كانت قضية. وقبل أن يكون لها هيكل إداري وتسلسل عسكري، كانت بندقية رجل آمن بأن كوردستان تستحق أن تُحمى.

ولهذا فإن الحديث عن توحيد قوات البيشمركة تحت مظلة وزارة البيشمركة لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه مجرد إعادة تنظيم عسكري أو إداري، بل باعتباره سؤالاً عن المستقبل: كيف ننتقل من بيشمركة الثورة إلى بيشمركة المؤسسة؟

حين كان الجبل مدرسة

كان الجبل أكثر من تضاريس جغرافية في تاريخ الحركة الكوردستانية؛ كان مدرسة للصبر والتضحية والانضباط والإيمان بالقضية.

في سفوحه ووديانه عاشت أجيال من البيشمركة سنوات قاسية، وتحولت القوة التي نشأت في ظروف المقاومة إلى أحد أهم رموز النضال الكوردي.

لكن تاريخ البيشمركة ليس تاريخ المعارك وحدها؛ إنه أيضاً تاريخ العائلات التي دفعت الثمن، والشهداء الذين تركوا خلفهم أسماءً وذكريات ومسؤولية.

ومن هنا، فإن الانتقال من الثورة إلى المؤسسة لا يعني نسيان الجبل، بل تحويل دروسه وتضحياته إلى مؤسسة قادرة على حماية المستقبل.

مسعود بارزاني… ابن مدرسة الجبل

في قلب هذا التاريخ يبرز اسم الرئيس مسعود بارزاني، الذي ارتبط بالبيشمركة منذ مراحل مبكرة من حياته، ونشأ في بيئة الحركة الكوردستانية التي قادها والده الملا مصطفى بارزاني.

وتشير سيرته الرسمية إلى التحاقه بقوات البيشمركة عام 1962، ثم اضطلاعه بأدوار مختلفة في النضال السياسي والعسكري، ومشاركته في مراحل متعددة من الصراع المسلح. كما توثق سيرته دوره في انتفاضة عام 1991، وإشرافه على قوات البيشمركة في معركة كوري في 7 نيسان/أبريل من العام نفسه.

كانت انتفاضة 1991 نقطة تحول؛ إذ بدأت بعدها مرحلة جديدة من الإدارة وبناء المؤسسات في إقليم كوردستان، وأصبحت البيشمركة أمام مهمة تتجاوز خوض المعارك إلى حماية واقع سياسي ومؤسسات آخذة في التشكل.

وهنا تغير السؤال: لم يعد المطلوب فقط أن نقاتل، بل أن نبني مؤسسة عسكرية قادرة على حماية ما تحقق.

2014… حين اختُبرت البيشمركة

جاء عام 2014 ليضع البيشمركة أمام أحد أخطر الاختبارات في تاريخها الحديث، حين واجهت تنظيم داعش على جبهات واسعة، من شنكال إلى مخمور ومناطق أخرى، وقدمت شهداء وجرحى.

وفي تلك الحرب ظهرت حقيقة أساسية: الشجاعة ضرورية، لكنها لا تكفي وحدها. فالقوة العسكرية الحديثة تحتاج إلى قيادة وسيطرة واستخبارات وتدريب واتصالات وإمداد وتسلسل واضح في اتخاذ القرار.

ولم يكن داعش يتعامل مع المقاتلين وفق انتماءاتهم السياسية؛ كانت البيشمركة تواجهه بوصفها قوة دفاعية على جبهات متعددة.

وهنا يكمن أحد دروس تلك المرحلة: الخطر الأمني لا يتعامل مع الانقسامات السياسية، ولذلك تظل وحدة القرار العسكري عاملاً أساسياً في بناء قوة دفاع فعالة.

دماء البيشمركة… ذاكرة وطنية واحدة

كل شهيد من شهداء البيشمركة جزء من الذاكرة الوطنية.

وقد شاركت القوى والأحزاب الكوردستانية، في مراحل مختلفة من التاريخ، في مسيرة النضال والدفاع عن كوردستان، وقدمت البيشمركة من مختلف التوجهات والانتماءات تضحيات كبيرة في سبيل الأرض والإنسان.

ولهذا فإن توحيد البيشمركة لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره إلغاءً لذلك التاريخ أو انتقاصاً من دور أي قوة أو حزب، بل باعتباره ثمرة طبيعية لمسيرة طويلة من النضال والتضحيات، وانتقالاً من مرحلة الثورة إلى مرحلة المؤسسة.

فالذين حملوا السلاح في الجبل بالأمس كانوا يدافعون عن قضية، أما مسؤولية الأجيال اليوم فهي أن تحوّل تلك القضية إلى مؤسسات قادرة على حماية ما تحقق وصيانته.

إنها ليست دعوة إلى إلغاء التعددية السياسية، بل إلى ترسيخ الفصل الواضح بين المجال السياسي والمجال العسكري.

فالأحزاب مجالها السياسة، والبرلمان مجاله التشريع والرقابة، والحكومة مجالها الإدارة، أما القوات المسلحة فمجالها المؤسسة والقانون والواجب الوطني.

توحيد البيشمركة… من الهيكل إلى الثقافة

شهدت السنوات الأخيرة خطوات متتابعة في مسار توحيد البيشمركة وإعادة تنظيمها. ففي عام 2023 أُعلن عن تشكيل وحدات وفرَق ضمن عملية الإصلاح، كما جرى نقل ألوية من قوات 70 و80 إلى ملاك وزارة البيشمركة، في إطار مسار يهدف إلى وضع القوات تحت قيادة الوزارة.

وفي 10 أيلول/سبتمبر 2026 أعلنت وزارة البيشمركة رسمياً اكتمال عملية توحيد وإعادة تنظيم قوات 70 و80، ووضع القوات ضمن هيكل موحد للقيادة والسيطرة، يضم مناطق قيادة وألوية وفرقاً عسكرية.

ثم جاء 21 أيلول/سبتمبر 2026 ليمنح هذه العملية لحظتها الرسمية؛ إذ أُقيمت في مقر رئاسة إقليم كوردستان بأربيل مراسم خاصة أُعلن خلالها رسمياً إتمام عملية توحيد وإعادة تنظيم قوات البيشمركة تحت مظلة وزارة البيشمركة.

وجرت المراسم بحضور رئيس إقليم كوردستان نيجيرفان بارزاني، ورئيس حكومة الإقليم مسرور بارزاني، ونائب رئيس الحكومة قوباد طالباني، وعدد من الوزراء والقيادات وكبار المسؤولين، فيما ألقى وزير البيشمركة شورش إسماعيل كلمة خلال المراسم.

وأعلن رئيس حكومة إقليم كوردستان أن قوات البيشمركة أصبحت موحدة ضمن هيكل عسكري حديث يشمل مجالات العمليات والتدريب والقيادة والسيطرة والإعلام والحسابات.

إنها محطة مهمة في مسار طويل من الإصلاح وإعادة التنظيم؛ غير أن اكتمال الإعلان الإداري يفتح في الوقت نفسه مرحلة أخرى، هي مرحلة ترسيخ الوحدة في الأداء والممارسة اليومية.

فالهدف المؤسسي لا يقتصر على توحيد الوحدات، وإنما يمتد إلى بناء ثقافة عسكرية مشتركة: قيادة وسيطرة موحدة، وتسلسل عسكري واضح، ومعايير مهنية مشتركة، وتدريب وتسليح وانضباط، وترقية على أساس الكفاءة، إلى جانب حماية حقوق المقاتلين وعائلات الشهداء والجرحى.

فالمؤسسة لا تُبنى بالقرارات وحدها، وإنما بالممارسة اليومية.

من إرث الأحزاب إلى مؤسسة الوطن

لا يمكن قراءة تاريخ البيشمركة بمعزل عن تاريخ الحركة السياسية الكوردستانية والأحزاب التي حملت راية النضال في مراحل مختلفة.

فالأحزاب لم تكن خارج تاريخ البيشمركة؛ بل كانت جزءاً من مراحل تكوينها ونضالها، وقدمت مناضلين وشهداء وقادة ومقاتلين في ظروف تاريخية بالغة الصعوبة.

لكن التاريخ لا يتوقف.

وكما انتقلت الحركة الكوردستانية في مراحل مختلفة من ظروف الثورة والجبل إلى بناء مؤسسات الإدارة والحكم، فإن البيشمركة أيضاً تنتقل اليوم إلى مرحلة جديدة: من قوة ارتبطت بظروف النضال إلى مؤسسة عسكرية وطنية تعمل ضمن إطار قانوني ومؤسساتي واضح.

وهذا الانتقال لا يلغي فضل الماضي، بل يحفظه.

فأفضل طريقة لتكريم تاريخ البيشمركة ليست إبقاءها أسيرة ظروف الماضي، وإنما تطويرها بما ينسجم مع حاجات الحاضر ومتطلبات المستقبل.

المؤسسة فوق الأشخاص

كوردستان بحاجة إلى مؤسسات تستطيع الاستمرار حتى عندما تتغير القيادات.

ومن هنا فإن توحيد البيشمركة يجب ألا يتوقف عند توحيد الوحدات، بل يجب أن يشمل توحيد النظام: نظام القيادة، والتدريب، والترقيات، والرواتب والتقاعد، والمحاسبة، والمعلومات، والتسليح والعمليات، والعلاقة بين المؤسسة العسكرية والسلطة السياسية المدنية.

قد تبدو هذه التفاصيل أقل شاعرية من الحديث عن الجبل والشهادة، لكنها في النهاية هي التي تجعل المؤسسة قادرة على الاستمرار.

فالدول لا تُبنى بالشعارات وحدها؛ بل بالقانون والمؤسسات والتفاصيل.

الوفاء للشهيد فعلٌ لا احتفال

يمكن أن نبني للشهيد تمثالاً، وأن نطلق اسمه على شارع، وأن نحيي ذكراه كل عام.

لكن الوفاء الأكبر هو أن نحافظ على القضية التي مات من أجلها.

إذا استشهد البيشمركة دفاعاً عن كوردستان، فإن من أسمى صور تكريمه بناء مؤسسة دفاع وطنية تحمي كوردستان.

وإذا ترك الشهيد عائلة خلفه، فإن الوفاء يبدأ من ضمان حقوقها وكرامتها.

وإذا أصيب المقاتل في سبيل الواجب، فإن حقه في الرعاية ليس منّة، بل مسؤولية.

هنا يتحول الوفاء من مناسبة إلى مسؤولية دولة.

الخاتمة: حين يصبح الحلم مؤسسة

بعد عقود من الجبل والانتفاضات والمعارك والحروب، تقف البيشمركة أمام مرحلة جديدة من تاريخها.

لم يعد التحدي فقط أن تكون شجاعة في المعركة، بل أن تكون قوية في المؤسسة. ولم يعد المطلوب فقط حماية الأرض، بل حماية الإنسان والمؤسسات والقانون.

إن توحيد البيشمركة تحت مظلة وزارة البيشمركة يمثل انتقالاً من عصر إلى عصر:

من بيشمركة الثورة إلى بيشمركة المؤسسة،
ومن تعدد التشكيلات إلى وحدة المؤسسة،
ومن ذاكرة النضال إلى مسؤولية الدولة.

وإذا كان الجبل قد حفظ البيشمركة في أصعب الأيام، فإن مسؤولية المؤسسة اليوم أن تحفظ إرث الجبل من خلال تطويره، لا من خلال البقاء أسيرة له.

وإذا كانت الأجيال السابقة قد تركت لنا إرثاً من التضحية، فإن واجب جيلنا أن يترك للأجيال القادمة إرثاً من المؤسسات.

فليكن المعنى الأعمق لتوحيد البيشمركة أن تصبح القوة العسكرية مؤسسة وطنية، والقرار العسكري منظماً بالقانون، والبيشمركة عنواناً جامعاً لكل من حمل راية الدفاع عن كوردستان.

وعندما يقف مقاتل البيشمركة على تخوم الوطن، لا ينبغي أن يكون السؤال عن الخلفية السياسية التي جاء منها، بل عن المهمة التي يحملها والواجب الذي يؤديه.

والجواب الذي يجمع الجميع:
كوردستان.

قد يعجبك ايضا
∧