لا تكن متاحاً للجميع.. عندما تُصبح الوفرة زهداً والاستنزاف مهارة

د. أزاد صالح نادر آغا رواندزى

في زمن الاتصال اللامحدود، والتواجد الرقمي المستمر، والإنصات المفرط لكل هاتف يرن أو تنبيه يلمع، أصبحت “الإتاحة المفرطة” واحدة من أشد العادات التي تستنزف الطاقة النفسية والفكرية للإنسان. لقد تحولت فكرة الاستجابة السريعة للجميع، الحضور في كل مناسبة، وخوض كل نقاش إلى سلوك متوقع يُربك توازننا الداخلي ويُقلل من قيمتنا مع الوقت.

إن مبدأ “ألا تكون متاحاً للجميع” ليس خياراً نابعاً من الغرور أو الانعزالية المذمومة، بل هو أسلوب إدارة استراتيجي وإنساني واعي للوقت والجهد النفسي. في علم الإدارة والاقتصاد، تنخفض قيمة الأشياء كلما زادت وفرتها وباتت متاحة بلا سقف؛ والأمر ذاته ينطبق تماماً على الطاقة البشرية، والتواجد الشخصي، والعطاء الذهني.

عندما تنفق وقتك بالكامل في التجاوب مع كل فضول اجتماعي، أو في معالجة طلبات طارئة لآخرين لا يعطون لوقتك بالاً، تفقد بالضرورة قدرتك على التركيز في الأهداف الكبرى: تطوير الذات، صقل المهارات، وإعطاء الأولوية للدوائر الأهم والأجدر بالاهتمام حقيقةً.

الإتاحة الدائمة تعطي إشارة غير مباشرة للآخرين بأن وقتك ليس له حدود محددة، وأن حضورك تحصيل حاصل. هذا لا يعكس طيبة القلب بقدر ما يعكس غياب الحدود الشخصية الصحيحة (Personal Boundaries). الحدود ليست جدراناً تتصلب خلفها، بل هي مساحات أمان تحمي رؤيتك الشخصية والمهنية وتجعلك قادراً على منح الآخرين القيمة الحقيقية والفعالة عندما تقرر الحضور.

إن أثمن ما يمتلكه الإنسان هو قدرته على توجيه انتباهه (Attention Management). حماية هذه الطاقة الذهنية تعني أن تملك الجرأة لتقول “لا” للفضول، وللاستنزاف، وللاجتماعات غير المنتجة، وللحوارات العابرة التي لا تضيف لوعيك شيئاً.

ألا تكون متاحاً للجميع يعني ببساطة أن تستعيد ملكية يومك، وأن تجعل حضورك في الأماكن ومع الأشخاص ذا معنى وقيمة؛ فالاستثناء دائماً ما يُصنع في المساحات الهادئة البعيدة عن الضجيج.

قد يعجبك ايضا