محمد مراد فتاح
أيّامٌ كثيرة تمرّ علينا من دون أن نجد فيها لحظة واحدة خالية من الهموم. فمنذ سنوات، يعيش الناس وسط سلسلة متواصلة من الأحداث والأزمات السياسية والاقتصادية، حتى أصبح الكثير منهم يشعرون بالتعب والقلق، وكأن الإنسان لم يعد يستطيع أن يضع رأسه على وسادته بهدوء وينام.
هناك آلاف الأحداث والأخبار والذكريات المؤلمة التي تدور في أذهان الناس وتؤرقهم؛ أزمات اقتصادية، وأخرى سياسية، وأحداث أمنية واجتماعية، فضلاً عن المخاوف المتزايدة من المستقبل.
لكن السؤال الذي يستحق التوقف عنده هو: من أين تبدأ أسباب هذا القلق المستمر لدى الناس؟
لا شك أن الواقع السياسي والاقتصادي له تأثير كبير، لكن وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي أصبحت أيضاً جزءاً أساسياً من هذه الحالة النفسية. فأي حدث، مهما كان صغيراً، يقع داخل الإقليم أو خارجه، سرعان ما يتم تصويره ونشره وتداوله، ثم يُعاد عرضه عشرات، بل مئات المرات.
وقد أصبح التنافس بين الصفحات والمواقع على نشر الأخبار سريعاً جداً، فكل صفحة تريد أن تكون الأولى في نشر الخبر، وكل مجموعة تسعى إلى الحصول على أكبر عدد من الإعجابات والتعليقات والمشاهدات.
وفي خضم هذا السباق، قد لا يسأل أحد: كم يمكن لهذا الخبر أن يؤثر في الإنسان؟ وكم من الألم يمكن أن يتركه في نفس شاب أو طفل أو عائلة؟
إن الشباب، على وجه الخصوص، يتعرضون يومياً لكمّ هائل من الأخبار السياسية والاقتصادية والأحداث المؤلمة. ومع تكرار الأخبار السلبية، تصبح النفوس أكثر ثقلاً، ويزداد التشاؤم والخوف من المستقبل، وقد يشعر البعض بالإحباط وفقدان الأمل.
وفي المدن والقرى والعائلات، يمكن أن تنتقل هذه المشاعر من شخص إلى آخر، فتؤثر في الحياة اليومية والعمل والدراسة والعلاقات الاجتماعية، وقد يكون من نتائجها ازدياد البطالة والفراغ والعزلة، حتى يصل الإنسان إلى مرحلة لا يشعر فيها بطعم الحياة كما ينبغي.
ولكي نفهم تأثير الأخبار في الإنسان، يمكن أن نتذكر قصة شعبية بسيطة، لكنها تحمل معنى كبيراً.
يُحكى أن رجلاً في إحدى القرى كان كثير الهموم. وكلما حدث شيء في القرية، كان يقضي الليل يفكر فيه ولا يستطيع النوم.
وفي إحدى الليالي، لم يحدث أي خبر سيئ في القرية، ولم تقع مشكلة أو حادثة تزعج الناس. وعندما حلّ المساء، قال الرجل في نفسه:
«الحمد لله، اليوم لم يحدث أي شيء سيئ، وسأذهب إلى البيت بهدوء، وأتناول عشائي وأنام نوماً عميقاً.»
عاد الرجل إلى منزله، وجلست عائلته لتناول العشاء. وبينما بدأوا بالأكل، فتح ابنه الصغير الباب مسرعاً وقال:
«أبي، لقد حدث أمر سيئ!»
فقال الأب:
«خيراً يا بني، ماذا حدث؟»
قال الطفل:
«بقرة جارنا ولدت عجلاً بلا زيل ،،
فقال الأب للطفل:
«اذهب الآن وكل عشاءك أو اذهب إلى النوم.»
لكن الخبر دخل رأس الرجل، وبدأ يفكر:
«وماذا سيحدث الآن؟ كيف سيعيش هذا العجل بلا زيل . وكيف سيحمي نفسه؟ وكيف سيواجه الحيوانات الأخرى؟»
وظل الرجل يفكر في العجل الصغير، حتى غلبه الصباح ولم يستطع النوم بسبب عجل بلا زيل!
في ذلك الزمن، لم يكن هناك تلفزيون ولا هاتف ولا مواقع تواصل اجتماعي، وكانت أخبار القرية هي المصدر الوحيد الذي يعرفه الناس.
أما اليوم، فما إن تفتح هاتفك أو التلفزيون أو فيسبوك أو تيك توك، حتى تجد أمامك آلاف القصص والأحداث والأخبار، بعضها يشبه قصة ذلك العجل الذي وُلد بلا زيل .
والفرق أن خبر العجل كان يصل إلى رجل واحد في القرية، أما اليوم فإن الخبر ينتقل خلال دقائق إلى آلاف الناس، ثم يُعاد نشره وتكراره والتعليق عليه، حتى يصبح الإنسان محاطاً بالأخبار من كل جانب.
وهنا علينا أن نسأل أنفسنا:
هل كل خبر يستحق أن نحمله معنا إلى فراشنا؟ وهل كل حدث يجب أن نسمح له بأن يحتل عقولنا ويؤثر في حياتنا؟
إن الإنسان يحتاج إلى الأخبار، ويحتاج إلى معرفة ما يجري حوله، لكن كثرة الأخبار السلبية وتكرارها بلا توقف يمكن أن تجعل العقل يعيش في حالة دائمة من التوتر والخوف.
لذلك، ربما نحتاج أحياناً إلى أن نغلق الهاتف، ونبتعد قليلاً عن مواقع التواصل الاجتماعي، ونمنح عقولنا فرصة للراحة، لأن الحياة ليست كلها أخباراً وأزمات ومشكلات.
فكما يحتاج الجسد إلى النوم والراحة، يحتاج العقل أيضاً إلى ساعات لا يسمع فيها إلا الهدوء…..؟