د. محمد صديق خوشناو
ليست مشكلة العراق في قلة الشباب أو الخريجين، وإنما في غياب التخطيط الكافي للربط بين التعليم واحتياجات سوق العمل.
أقول ذلك من تجربة امتدت لعقود في التعليم وإدارة الجامعات، ومن تخصصي الأكاديمي في التخطيط التربوي، ثم من تجربتي في مجلس النواب. وفي كل هذه المراحل، كنت أرى أن جزءاً مهماً من مشكلاتنا يبدأ من قرار لا يبدو كبيراً في حينه، لكنه ينتج أزمة بعد سنوات: قبول أعداد من الطلبة في تخصصات لا نعرف حجم الحاجة المستقبلية إليها.
عندما يتخرج الطالب بعد أربع أو خمس سنوات، لا ينبغي أن تكون الدولة أمام مفاجأة جديدة: آلاف الخريجين يبحثون عن وظيفة، والدولة مطالبة باستيعابهم عبر التعيين أو العقود.
إن تثبيت أصحاب العقود، إذا اكتملت إجراءاته، يمثل خطوة مهمة لمن ينتظرون الاستقرار الوظيفي، لكنه لا يعالج أصل المشكلة. فالحل المستدام يبدأ قبل دخول الطالب إلى الجامعة.
نحتاج إلى قاعدة بيانات وطنية دقيقة تحدد احتياجات العراق من التخصصات والمهارات، وربط أعداد القبول الجامعي بهذه الاحتياجات، مع مراجعة سنوية للتخصصات المشبعة والتخصصات المطلوبة.
كما ينبغي قياس نسبة الخريجين الذين يحصلون على عمل خلال ستة أشهر وسنة من تخرجهم، وإشراك القطاع الخاص في تحديد المهارات والمناهج المطلوبة، وإصدار تقرير سنوي واضح عن اتجاهات سوق العمل.
هذه إجراءات قابلة للقياس، ويمكن أن تجعل التخطيط مسؤولية فعلية لا مجرد عنوان في الخطط الحكومية.
رسالتي إلى صنّاع القرار: لا تجعلوا التعيين الحكومي هو الخطة التي نعتمد عليها بعد تخرج أبنائنا، بل اجعلوا التخطيط هو الخطوة التي تسبق قبولهم في الجامعات.
فالعراق لا يحتاج إلى مزيد من الشهادات فقط؛ بل يحتاج إلى خريجين يمتلكون المهارات التي يحتاجها اقتصاد العراق ومستقبل الدولة.