سوريا.. “زينة” الخطاب الإعلامي وسؤال اللادولة

زينه عبدي

تمثل العلاقة بين الخطاب الإعلامي والواقع الميداني إحدى أشد الإشكاليات تعقيداً في الدول الخارجة من الصراعات والنزاعات الممتدة لعقود؛ حيث البدء بمرحلة إعادة البناء البنيوي وسط الزحام التفاعلي بين الواقع المعاش والرسائل الإعلامية، وفي المشهد السوري الراهن، تتجلى هذه الديناميكية بوضوح عبر التباين اللافت والملموس بين أطر التعافي والاستقرار التي تحاول وسائل الإعلام الرسمية إبرازها، وبين المؤشرات التنموية والاقتصادية التي تعاني ضغوطاً وتراجعاً عميقاً في الأداء المؤسساتي والخدمي (الأساسي). إن قراءة هذا التناقض، يضع الإعلام الرسمي أمام اختبارات التوازن في خطابه، وكيفية إدارة الطرح بموضوعية وواقعية ضمن حدود المعايير المهنية والأخلاقية للصحافة، ما يتيح كشف قدرته التناولية على الاستجابة للأزمات كما يتطلبه الواقع، وتغطية الشرخ التنموي الناشئ، والوقوف على أبعاده لتحقيق حالة إعلام ذي مصداقية وشفاف قائم على الحقائق والإنصاف.

بين التجميل وحقيقة المشهد

في سياق المشهد السوري المعاصر، تبرز تلك الفجوة الجسيمة بين الواقع على الأرض وسرديات الإعلام الرسمي؛ إذ يتبدى انتقال الإعلام من وسيلة لنقل الواقع إلى وسيلة لتجميل الاستقرار الاجتماعي عبر التركيز على البروتوكولات المظهرية (القشور) كمؤشرات قاطعة على مرحلة التعافي في محاولة لتصدير أطر المعيشة الحقيقية وبلورة استقرار مغاير (افتراضي)، وتأطيرها بالتسويق الشكلي نحو إعادة إنتاج مظهر الدولة العام غير آبهة بعمق الاختلالات البنيوية التي تسببت بانهيار شرياني ومتجذر في الدورة الاقتصادية والخدمية.

وفقا لما يجري في الشارع السوري حاليا، من تصاعد احتجاجات ومظاهرات شعبية متتالية نتيجة تدهور الوضع المعيشي والاقتصادي، يعزز الإعلام الرسمي حضوره بهالة من الانفصال والانفصام الكامل عن احتقان الشارع الضاغط. هنا، يقوم الخطاب الإعلامي التابع للسلطة الانتقالية في دمشق بإرجاع الانكماش الاقتصادي وأزمات المعيشة إلى مبررات جيوسياسية، مع غياب تام للشفافية فيما يخص إدارة الموارد والقطاعات الخدمية التي أزيحت إلى أسوء حالاتها نتيجة القرارات التقشفية التي تعكس مصالح ونفوذ سلطة وفئة معينة على حساب خدمات المواطنين ومصالحهم. يسعى هذا الطرح إلى تقويض فضاءات المحاسبة والمساءلة، ومصادرة الوظيفة الرقابية للإعلام وإفراغها من مضمونها، وبالتالي تقييد قدرته على مساءلة السلطة.

إلى جانب ذلك، صار إعلام السلطة يخدر مطالب الشعب بتحسين الظروف المعيشية عبر ربطها بالوعود المستقبلية التي ترحَّل إلى أجل غير مسمى على الدوام، بدلا من معالجتها بشكل طارئ وملموس كون المقومات الأساسية للحياة لا تحتمل المزيد من التأجيل لا سيما بعد أكثر من عقد من الحرب والصراع المتهالك. هذه المنهجية في التعامل مع مطالب المحتجين والمتظاهرين ليست سوى إبرة بنج مؤقتة لنزع فتيل الاحتجاجات، وإدارة حالة التوتر المجتمعي عوضاً عن التطبيق المباشر للخطط التي تحد من تفاقم الأزمات المعيشية التي أثقلت، ولا تزال، كاهل المواطن السوري الفقير.

في ذات السياق، يتعاطى الخطاب الإعلامي الرسمي مع المطالب المشروعة للمواطنين بمنطق التشكيك والتأطير الأمني؛ إذ تتم مقاربتها، وفق رواياته، ضبطا للشارع، لكن ما يظهر للعلن يخالف؛ حيث تأطيرها ضمن هيكلية النيل من أمن واستقرار البلد وفقا لأهداف خارجية، ما يعني إضفاء الطابعين السياسي والأمني على مطالبهم التي تقتصر على الجوانب الاقتصادية والخدمية والتنموية، ما يزيد من حالة التشرذم المجتمعي نتيجة نزع الصفة الحقوقية عن مطالبهم، الأمر الذي يجرد الإعلام من وظيفته الأساسية كصلة وصل بين السلطات والمجتمع، وبالتالي سحب الثقة من الرسائل الإعلامية الخاطئة التي تحولت إلى أدوات لحماية سياسات السلطة وتبرير خطابها باستمرار.

أين يكمن سؤال “اللادولة”؟

في ظل المرحلة الانتقالية التي تمر بها سوريا، وفي خضم الاحتجاجات في معظم مدنها نتيجة الواقع السيء خدميا واقتصاديا الذي يتعدى فكرة المعضلة التموينية، المعضلة التي تلامس العمق البنيوي لسؤال “اللادولة”، فتطفو على السطح قضايا سياسية وهيكلية تتخذ معالجة الاختلالات التنموية بوابة رئيسية لإنجاح عملية التحول، وترتبط هذه الإشكالية مباشرة بالخطاب الإعلامي عبر عدة نقاط أبرزها:

إشكالية مشروعية السلطة الانتقالية واختبار الشارع: اليوم، السلطة الانتقالية في دمشق مطالبة كما غيرها بإتاحة ثمرة الاستقرار للشعب السوري، المتمثل بالدرجة الأولى بتأمين الاحتياجات الخدمية الأساسية، التي نال منها التغييب التام من قبل الجهات المسؤولة في السلطة، ما يوضح تراجع رصيد المشروعية وربما فقدانها بشكل كامل؛ حيث لم تعد المطالب مختزلة في توفير الخدمات والتنمية فحسب، بل امتدت لتشمل تغيير المسؤولين عن تدهور هذا القطاع والآليات التي تُعتمد عليها، حيث الشك المطلق وغياب الثقة بين الشارع والسلطة، وهذا ما ينكشف بدقة عندما يحاول الإعلام الرسمي تغطية الواقع المتهالك وتزيينه بسردياته التبريرية وخطابه الملمِّع.

استمرار واقع الشلل في المؤسسات الرسمية، وكذلك الفساد المتجذر في بنيتها بفعل خلايا وبنى مهيمنة استئثارية، يعزز ويكرس مشهد اللادولة على حساب راحة المواطن، ويعيق مسار إعادة البناء وإضعاف جهود العدالة الانتقالية؛ حيث التعتيم الإعلامي وتلميع الصورة لحماية السلطة من أي تشويه، ما يصعد حالة الغضب والسخط الشعبي.

تهديد السلم والاستقرار الأهلي وتفاقم الاحتقان المجتمعي؛ هذه التظاهرات اليومية ما هي إلا ترجمة لمستوى التدهور والعجز، ورقعة السخط المتأزمة التي تعصف بالمجتمع، إلا أنها تقابَل بخطاب إعلامي منفصل عن الواقع، مما يزيد من اشتعال نيران الأزمة بين السلطة والمواطنين وتهديد الاستقرار.

الحوكمة المحلية أو اللامركزية كبديل لرواية السلطات: إذ بات وجودها من الضرورات الإجرائية في المرحلة الحالية بسبب عجز السلطة عن المعالجة وتقديم الحلول البنيوية، لذا لا بد من إعادة النظر في رسم مسارات المسؤوليات والصلاحيات بين دمشق والأطراف سيما بعد انعزال السردية الإعلامية عن الواقع كليا، في محاولة لتلبية احتياجات الشارع وتحقيق الإصلاح الخدمي على أقل تقدير.

تضليل الخطاب الإعلامي وتقويض فرص التعافي: يصور الإعلام الرسمي في خطابه الواقع السوري الحالي خدميا واقتصاديا ضمن إطار وهم الاستقرار، الأمر الذي يناقض المشهد الحقيقي ويجرده من واقعه ومصداقيته أمام الجهات المانحة والمنظمات الدولية؛ حيث تقرأ هذه السياسة الإعلامية كالتفاف على استحقاقات الإصلاح المؤسساتي البنيوية ومتطلباته والتغطية على غيابه، مما يعطل مساعي الدعم الدولية ويجهض فرص التعافي والاستقرار الاقتصادي.

وبناءً على ما سبق، يمكن تحويل التحديات آنفة الذكر إلى مسارات حل عبر التشخيص الدقيق لمطالب المواطنين وتفكيك الإشكاليات المؤسساتية، ما يعني مغادرة خطاب حجب الحقائق نحو تشخيصها بواقعية والاعتراف بها والتعامل معها بجدية من خلال الإدارات المحلية، وتجفبف منابع الفساد الهيكلي، وبتر البنى الموازية المتغذية على الأزمة، وتصحيح مسار إدارة الخدمات.

أخيرا، الشلل المؤسساتي لا يُغطَّى بمساحيق التجميل الإعلامي، وعملية إعادة الاستقرار والبناء تتطلب مغادرة مربع التمرير والتغاضي الإعلامي إلى المصارحة البنيوية الواجبة على السلطة الانتقالية، فهل يستدرك الإعلام الرسمي والسلطة الانتقالية مسألة الانفصال عما يجري والدفع نحو منصة الحلول، أم الإصرار على تجميل العجز حيث العصف بشرعيتها الهشة.

قد يعجبك ايضا