أ.د.شيرزاد زكريا السليڤاني
في يوم الأربعاء 16 أيلول 2026، تحل الذكرى الـ57 لفاجعة قرية صوريا، تلك القرية التي قتلها الغدر ولم ينصفها الصمت. ففي ذلك اليوم، تحولت قرية آمنة عاش فيها المسيحيون والمسلمون بسلام، إلى شاهد على جريمة استهدفت أهلها الأبرياء، لتبقى صوريا جرحاً حياً في ذاكرة المنطقة.
بعد أن تولى حزب البعث العربي الاشتراكي الحكم في العراق إثر انقلاب 17 تموز 1968، بدأ سياسة معادية للشعب الكوردي، وفي سنة 1969 قاد هجوماً عسكرياً كبيراً بهدف القضاء على الثورة الكوردية، وارتُكبت خلال تلك المرحلة العديد من الانتهاكات والجرائم بحق المدنيين.
في صباح يوم 16 أيلول 1969، كان أهالي قرية صوريا، من المسيحيين والمسلمين، يعيشون حياة هادئة وبسيطة في قريتهم. وفي ذلك اليوم، قدم القس حنا قاشا من مدينة زاخو لزيارة أهالي القرية والاطلاع على أوضاعهم.
وفي أثناء ذلك، حدث انفجار لغم في سيارة تقل مفرزة عسكرية كانت في طريقها من قرية ئاسيهێ، مركز ناحية السليڤاني، إلى قرية پێشابير. وكانت قرية صوريا تبعد نحو أربعة كيلومترات عن مكان انفجار اللغم، ولم يكن لأهالي القرية أي علاقة بالحادث، لا من قريب ولا من بعيد، كما لم يُصب أي عسكري في الانفجار.
لكن ذلك الحادث كان ذريعة لوقوع الفاجعة. فقد وصل الملازم الثاني عبد الكريم الجحيشي برفقة قوة عسكرية كبيرة، وحاصر القرية، ثم جمع أهلها في مكان واحد، وفصل الرجال عن النساء والأطفال. وعلى الرغم من محاولة القس حنا إقناعه بأن أهالي القرية لا علاقة لهم بما حدث، أُطلقت النار على المدنيين من جهات عدة، ما أدى إلى استشهاد 39 شخصاً من المسيحيين والمسلمين، كان من بينهم القس حنا، الذي كان ضيفاً على القرية، فيما جُرح نحو 19 شخصاً.
وهكذا تحولت صوريا، في ذلك اليوم، من قرية آمنة يعيش أهلها بسلام، إلى شاهد على واحدة من أبشع المآسي التي تعرض لها المدنيون في تلك المرحلة.
ولم تمر الجريمة من دون احتجاج، فقد احتج قائد الثورة الكوردية ملا مصطفى البارزاني على هذه المجزرة، من خلال مذكرة بعث بها إلى هيئة الأمم المتحدة في أواسط تشرين الأول 1969، أشار فيها إلى ما ارتكبته الحكومة العراقية بحق المدنيين في قرية صوريا.
إن ذكرى صوريا ليست مجرد مناسبة نستذكر فيها الضحايا، بل هي دعوة إلى استلهام الدروس والعبر من التاريخ، وعدم العودة إلى الوراء، والاتعاظ من مآسي الماضي، حتى لا تتكرر مثل هذه الجرائم بحق الأبرياء.
وفي هذه المناسبة الأليمة، تبرز الحاجة إلى إنصاف أهالي الضحايا، من خلال التعويض المادي والمعنوي، والعمل على إعادة بناء القرية وتحسين الخدمات فيها، ولا سيما الطرق والخدمات الأساسية. كما أن من المهم أن تتحول صوريا إلى مزار ومتحف وموقع للذاكرة، يوثق ما جرى فيها، ويكون شاهداً للأجيال القادمة على ما يمكن أن تتركه سياسات العنف والتعصب من مآسٍ في حياة الشعوب.
المجد والخلود لشهداء صوريا، والرحمة لضحاياها، وكل الاحترام لأهالي القرية الذين حملوا ذاكرتها عبر السنوات، لتبقى صوريا شاهداً على أن ذاكرة الضحايا لا تموت.