محمد علي محيي الدين
حين يُذكر تاريخ المسرح العراقي الحديث، تبرز أسماء قليلةاستطاعت أن تتحول من ممثلين إلى علامات ثقافية راسخة فيالذاكرة الوطنية، ومن بين هذه الأسماء تتألق الفنانة آزادوهيصاموئيل بوصفها واحدة من أبرز رائدات المسرح العراقي وأكثرهنعطاءً وتأثيراً. فقد عاشت حياتها على خشبة المسرح، وأفنت عمرهافي خدمة الفن، حتى غدت جزءاً من تاريخه الحي، واستحقت عنجدارة اللقب الذي أطلقه عليها محبوها والنقاد: «قديسة المسرحالعراقي».
وُلدت آزادوهي صاموئيل في بغداد في الخامس والعشرين منحزيران سنة 1942، وسط أسرة عراقية أرمنية مسيحية عُرفت بحبهاللثقافة والفنون. وكانت بغداد في ذلك الزمن مدينة تتنفس التنوعالحضاري والثقافي، فشبّت الفتاة الصغيرة في بيئة منفتحة أغنتوجدانها الإنساني ورسخت فيها حب الجمال والفن.
لم تدخل عالم المسرح عبر تخطيط مسبق، بل جاءت بدايتها أقربإلى المصادفة التي تصنع الأقدار الكبيرة. ففي منتصف خمسينياتالقرن العشرين، وبينما كانت لا تزال طالبة يافعة، اقترحت عليهاشقيقة الفنان الكبير سامي عبد الحميد الانضمام إلى فرقة المسرحالفني الحديث، تلك الفرقة التي كانت تمثل آنذاك مختبراً حقيقياًلولادة المسرح العراقي الحديث. وبموافقة أسرتها خطت خطواتهاالأولى نحو الخشبة، وأسند إليها دور صغير في مسرحية «ستدراهم» من تأليف الرائد يوسف العاني، غير أن ذلك الدور الصغيركان بداية رحلة فنية امتدت قرابة سبعة عقود.
سرعان ما كشفت عن موهبة استثنائية وحضور آسر، لتصبح أولفتاة تلتحق بمعهد الفنون الجميلة في قسم الفنون المسرحية، فيخطوة كانت جريئة بكل المقاييس الاجتماعية والثقافية في ذلكالعصر. ولم يكن دخولها المعهد حدثاً شخصياً فحسب، بل كانمنعطفاً مهماً في مسيرة المرأة العراقية داخل الحركة المسرحية، إذفتحت الباب أمام أجيال لاحقة من الفنانات اللواتي وجدن فيتجربتها نموذجاً للإبداع والمثابرة.

تخرجت في المعهد عام 1962، وبدأت حياتها المهنية معلمة فيمدارس بغداد، غير أن التحولات السياسية التي أعقبت انقلابشباط 1963 تركت أثرها العميق في مسار حياتها؛ فقد تعرضتللاعتقال وأُبعدت عن مهنة التعليم، لتدخل مرحلة قاسية من حياتهااضطرتها إلى العمل في صالون نسائي بين عامي 1963 و1965. لكن تلك المحنة لم تكسر إرادتها، بل زادتها صلابة وإيماناً بأن الفنالحقيقي يولد أحياناً من رحم المعاناة.
وفي تلك السنوات وما تلاها، واصلت رحلتها المسرحية بإصرارنادر، لتتحول إلى واحدة من أكثر الفنانات العراقيات حضوراًوغزارة في تاريخ المسرح. عملت مع كبار المخرجين الذين صنعواهوية المسرح العراقي الحديث، ومنهم إبراهيم جلال، وسامي عبدالحميد، وبهنام ميخائيل، وجعفر السعدي، وجعفر علي، وبدريحسون فريد، وقاسم محمد، ومحسن العزاوي، وسعدون العبيديوغيرهم من أعلام الإخراج المسرحي.
وقدمت أعمالاً خالدة استند بعضها إلى روائع الأدب العالمي،فشاركت في مسرحية «المثري النبيل» لموليير، و«عطيل» لشكسبير،و«أوديب ملكاً» لسوفوكليس، و«فيما وراء الأفق» ليوجين أونيل،مؤكدة قدرة الفنان العراقي على استيعاب التراث المسرحي العالميوإعادة تقديمه بروح محلية أصيلة.
كما تركت بصمتها الواضحة في المسرح العراقي من خلال أعمالأصبحت جزءاً من ذاكرة الجمهور، مثل «آني أمك يا شاكر»،و«أهلاً بالحياة»، و«فوانيس»، و«صورة جديدة»، و«مسألةشرف»، و«المفتاح»، و«تموز يقرع الناقوس»، و«النخلة والجيران»،و«الخرابة»، و«جزيرة أفروديت»، و«ابن ماجد»، و«لغة الأمهات»،و«الروح الطيبة»، و«ثورة الموتى»، و«المزيفون»، و«العاصفة»،وصولاً إلى مسرحية «نساء في العاصفة» عام 2006، التي أثبتتفيها أن الشغف بالمسرح لا يعرف عمراً.
وفي بداياتها الفنية حملت اسماً فنياً هو «زاهدة سامي»،واستمرت في استخدامه خلال سنوات عديدة، حتى بعد ثورة الرابععشر من تموز 1958، قبل أن تعود إلى اسمها الحقيقي الذي ارتبطلاحقاً بتاريخ المسرح العراقي.

ولم يقتصر حضورها على المسرح وحده، بل امتد إلى السينماوالتلفزيون، فشاركت في أفلام منها «الجزاء»، و«وجهان فيالصورة»، و«كرنتينا»، كما أطلت على الجمهور عبر أعمال تلفزيونيةبارزة مثل «الحنان له أشرعة»، و«عالم الست وهيبة»، و«القضية283». غير أن المسرح ظل بيتها الأول والأخير، والمساحة التيتجلت فيها موهبتها بأبهى صورها.
واشتهرت الفنانة آزادوهي صاموئيل بتجسيد شخصية الأمالعراقية، إذ منحها صوتها الدافئ وملامحها الهادئة قدرة استثنائيةعلى أداء الأدوار الإنسانية المؤثرة، فبدت على الخشبة والشاشةرمزاً للأمومة والحكمة والحنان. ولم تكن تؤدي الشخصية فحسب، بلكانت تعيشها بصدق جعل الجمهور يرى فيها صورة للأم العراقيةبكل ما تحمله من صبر ومحبة وتضحية.
وخلال مسيرتها الطويلة نالت العديد من الجوائز وشهادات التقديرداخل العراق وخارجه، وكان من أبرزها جائزة العنقاء للإبداع فيالأردن عام 2013، تقديراً لعطائها الفني الممتد لعقود.
كما خُلداسمها في كتاب «آزادوهي صاموئيل.. قديسة المسرح العراقي»الذي أصدره الكاتب عبد الجبار العتابي سنة 2023، وهو عنوانيلخص المكانة الرفيعة التي احتلتها في وجدان الوسط الثقافيالعراقي.
وفي الرابع والعشرين من شباط/فبراير سنة 2023، رحلت آزادوهيصاموئيل عن عمر ناهز الحادية والثمانين بعد صراع طويل معالمرض، لكن رحيل الجسد لم يكن غياباً للفن أو للذكرى. فقد بقيتصورتها حاضرة في ذاكرة المسرح العراقي، وبقي صوتها يتردد فيفضاءات الخشبة التي أحبتها وأخلصت لها حتى آخر العمر.
لقد كانت آزادوهي صاموئيل أكثر من ممثلة؛ كانت ذاكرة فنيةكاملة، وجسراً بين أجيال المسرح العراقي، وشاهدة على تحولاتالثقافة العراقية الحديثة. وسيظل اسمها مضيئاً في سجل الفنالعراقي بوصفها إحدى الرائدات اللواتي منحْن المسرح أعمارهن،فبادلتهن الخلود.