دلزار اسماعيل رسول
الجزء التاسع و الاربعون
وهج في الظلام…
بين جمرِ قلبي المتوهّج وسكونِ المساءِ الخالي، كانت الليلة تسكبُ برودتَها على كلّ شيء، إلا على طيفِكِ الذي يزداد اشتعالاً في خاطري… أغلقتُ دونَ العالمِ بابي، وتركتُ الكتبَ تغفو على أرفّتِها، فلم يعد في مقدورِ صفحةٍ أو حديثٍ أن يسرقني من حديثي الصامتِ معكِ؛ كانت غرفتي دافئةً بذكراكِ، وكلّ لفتةٍ في العتمةِ تصوغُ رسمَكِ البهي…
حين سألني الصحبُ عن سِرّ هذا الشرودِ المحبوكِ في عينيّ، وعن سرّ هذا الذهولِ الذي يغمرُ ملامحي، ابتسمتُ؛ فقد غدى السرُّ أشفَّ من أن يُخفى، وأسمى من أن يُدارى… ليس في العشقِ ما يُخجل، بل إنّ احتياجي لدفءِ قربِكِ هو اليقينُ الوحيدُ الذي ألوذُ به من شتاتِ الأيام… لقد أورقَ الحنينُ في قلبي كموجةٍ من النور، تجلو عن الروحِ كدرَها وتمنحُ العمرَ سكينتَه…
ومع تباشيرِ الفجرِ الأولى، حين يتهادى الضياءُ كهمسٍ ناعمٍ يمسحُ غبارَ الليل، كنتُ أسمعُ في أعماق الروحِ صدى صوتِكِ العذب؛ ذلك الصوتِ الذي لو ناداني لاهتزّت له الجوارحُ حُباً، ولذابت أمامه كلُّ تمنع و تردد و تحفظ … إنني لم أعد أداري ضعفي الشفيفَ أمامَ جمالِكِ، بل أسلّمتُ لنبضِكِ قيادي، لأشهدَ أنكِ لستِ مجردَ أمنية، بل أنتِ الحياةُ حين تُبتكرُ من جديد…
اني اعترف….إنني لم أعد ذلك الذي يتصنع القسوة أو التماسك أمام طوفان مشاعره، بل أصبحتُ أشهد أن عذوبة ندائكِ هي التي تهز الجوارح، وتزرع في العمر أحلاماً لا تنتهي، وتجعل كل لحظةٍ بقربكِ بعثاً جديداً للحياة…