بيت العلماء في ألفوف

د. نصير الحسيني

زرت مدينة ألفوف عام 2016م والمدينة نقع غرب اوكرانيا، وتعد من المدن الرئيسة في اوكرانيا، فضلاً عن كونها مركزاً ثقافياً، واقتصادياً، ويقدر عدد نفوسها ما يقارب المليون نسمة اغلبهم أوكرانيون وروس، والباقي من الأقليات، ويعود اصل المدينة إلى عام 1200م في فترة الأوكرانية – الروسية، حين انشأها الأمير دانييلو وسماها بأسم ابنه الأمير ليف دانيلوفتش، ويعني بالروسية والاوكرانية – الأسد، ومن ثم أطلقت على المدينة عدة تسميات منها ليمبرغ، ليمبورغ، لفنبورغ، رو هورد، ليتباد، ليتون، ليونا، سيفيناس، ليونتا بليس، ليويسبورغ، ليمبورغ، ليمبارغ أو مدينة الأسد أو الأسود النائمة، المدينة الملكية، لؤلؤة تاج اوربا، متحف المدن، عاصمة غاليسيا، باريس الصغيرة، فينا الصغيرة، وبيدمونت الأوكرانية؛ وإلى غير ذلك من التسميات، غير انها استقرت على اسم لفيف، أو الفوف باللغة الروسية وعلى من العصور كانت مدينة لفيف مسرح صراع بين القوى التي سعت وحاولت احتلال المنطقة، ففي عام 1349م احتلها البولونيون وضموها إلى الامبراطورية البولونية – ليتوانية، ومن ثم في عام 1772م ضمت المدينة إلى الامبراطورية النمساوية المجرية، وبعد سقوط هذه الامبراطورية في فترة الحرب العالمية الأولى، اصبحت لفيف عاصمة جمهورية بولونيا الثانية، وفي عام 1939م، واثناء الحرب العالمية الثانية ضمت المدينة إلى الاتحاد السوفيتي مرة أخرى ضمن الجزاء الأوكراني لمدة عامين.

في عام 1941م احتلها الالمان أثناء الحرب؛ ثم في عام 1944م عادة إلى الاتحاد السوفيتي مرة أخرى بعد تحريرها من الالمان، وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي اصبحت المدينة تابعة للدولة الأوكرانية.
تمثل عمارة مدينة الفوف العصر الكلاسيكي والعمارة الباروكية وهي مشابهة لعمارة اوربا الشرقية، ولعل عديد الاحتلالات قد أثر على عمارتها سواء الروسية والالمانية والمجرية، وحافظت المدينة على عمارتها القديمة وخاصة الابنية ذات الطابع الأثري والتاريخي بالرغم من وجود ابنية كثيرة تأثرت بعمارة الاتحاد السوفيتي والطابع الاشتراكي للعمارة الذي ساد بعد الحرب العالمية الثانية.
ومن بين الأبنية التراثية المهمة في المدينة التي تلفت الانتباه مبنى بيت العلماء في الفوف أو لفيف. شيد المبنى بين عامي (1898 – 1997م) وفقاً للتصميم الذي وضعه اتحاد المهندسين المعماريين في فينا جيرمان جيلمان جيلمر، وفرديناك فيلمر كنادي لمربي الخيول.
شغل المبنى منذ عام 1918م كازينو نبیل أو كازينو جيرهارد، وخلال الحرب العالمية الثانية تحول المبنى إلى مركز لتجنيد الشباب للعمل القصري في المانيا، وقد اطلق على المبنى عدة تسميات منها: النبيل او الفروسية، وذلك لان معظم رواده كانوا اعضاء في نادي النخبة الذين يعملون في تربية الخيول. وما بين الحرب العالمية الأولى والثانية شغل المبنى كازينو ميششان غير أن المبنى تحول بعد الحرب الثانية الى بين العلماء.
وعن تصميم المبنى فهو مثل عمارة العصور في العصر الباروكي في أوربا الوسطى، جمع التصميم بين الفخامة للواجهة والاناقة المتميزة للديكورات الداخلية، وتميز بسلالمة الفريدة والمطلة على الصالة الرئيسة، ويكون المبنى من طابقين وسقف منحدر، وزينت الواجهة بأقواس نصف دائرية عالية مع الدرابزين الباروكية تحت الاقواس فوق النوافذ. وعلى جانبي المبنى يوجد ممرات مقنطرة تنتهي إلى شرفات باروكية ترتكز على تماثيل ضخمة مصنوعة من الزنك وبشكل من حرف وهي من اعمال اساتذة فينا ثيودور ورينهولا فيلكر، واستندت إلى نماذج النحات النمساوي رودولف، تتناغم خريطة بناية مجلس العلماء مع وظيفة المبنى حيث الدهاليز الأمامية والسلالم ذات المحرفة الباروكية الرائعة المنحوتة للسياج وغرف فرهة وغير قياسية، فضلاً عن تصميمات داخلية ومواقد وجدران مزخرفة، والطابقين بينهما خطوط افقية ومنحنية الاضلاع وذات شرفات وابواب وشتى انواع المنحوتات الاطلنطية التي كانت سائدة آنذاك.
تميزت زخارف الطابق الثاني بأقنعة اسود وزخارف نباتيه ومزهريات تشير الى المجد الرفعة، وخاصة أثناء تكريم النخب الفائزة في الألعاب الرياضية والمسابقات الفنية المختلفة، وحاملي الشعلة التي تشير إلى الضوء المؤدى الى المعرفة والى طريقة العلم.
ومن الجدير بالذكر ان تقنيات الاضاءة العلوية كانت أحدث تقنيات ذلك الزمان أثناء تشييد نادي مربي الخيول. زين المبنى من الداخل ببذخ واضح، وكذلك السلالم الخشبية الملتوية ذات الطابع الديناميكي وشتى اشكال النحت على الخشب بواسطة التحات الفييني ساندور ياراي وورشة تشيليا كيف في ألفوف، أما زخارف الاسود وزخارف الزهور والمزهريات والمواقد المرمرية التي عملت من قبل اساندة الفوف ادمون بليشفسكي جوليان هورا وباقي الاعمال الفنية الرائعة التي تم تنفيذها داخل المبنى من قبل فناني ألفوف ستانيسلاف ريحان، تاويوس ريكوفسكي، ستانيسلاف مية وديميتسكي ، ميثال اوم زوزانسكي.
يتوج المبنى سقف مرتفع مع نوافذ سقفية معقدة ومزهريات ومجموعات مميزة من النحت، وللمبنى مدخلان مميزان، باب امامي ذات شرفات ومنحوتات ديناميكية لأسود وزخارف نباتية ومزهريات توجد في واجهات المبنى رفوف النوافذ وخراطيش عليها شعارات النبالة لفولينيا وبوديليا والأراضي الروسية، وبليز والكومنولث والبولوني واللتواني.
استخدم الجزء الداخلي للمبنى للتصوير في عدة افلام سينمائية، مثل فلم D’Artagnan والفرسان الثلاثة، والكوميديا هتلر كابوت. وفي 23 سبتمبر من عام 2008 تم ادراج المبنى ضمن قائمة التراث الثقافي، واعتبر من الابنية غير القابلة للخصخصة.
وعلى أية حال المبنى جميل وحافظ على اناقته وتصاميمه المميزة والفريدة طيلة مئة أكثر من مئه عام، ويعد غموذج للعمارة الباروكية التي سادت في وقتها، ومهما تحدثنا عن جمالية المبنى لا تكتمل الصورة الا بزيارته والتمتع بجمال الصنعة.

قد يعجبك ايضا