صفحات من تاريخ آل فتلة وزعامة الشيخ عبادي الحسين

محمد سعيد الطريحي (صاحب موسوعة الموسم)

الشيخ عبادي الحسين (1855 ـ 1935) شيخ قبلي وزعيم وطني عراقي كبير، كان هو وعدد آخر من زعماء آل فتلة من أهم الشخصيات الوطنية التي لعبت دوراً خطيراً في ثورة العشرين التحررية (1920) في العراق ضد الاحتلال البريطاني.
أصول آل فتلة
آل فتلة عشيرة قحطانية من أهم عشائر الفرات توطنت منذ أواخر العهد العثماني وتوزعت فروعها في ثلاث مناطق من الفرات، قسم في قضاء الهندية برئاسة آل جلوب وآل موسى وقسم في قضاء الشامية برئاسة آلبوهدله وقسم في قضاء أبو صخير برئاسة آل فرعون.
وكانت قد قدمت الى الفرات من موطنها الاصلي في ديار المنتفك، وبحسب تقارير دائرة الاستخبارات البريطانية التي كتبت منذ أكثر من قرن وجّهت عنايتها للاهتمام بتسجيل أحوال العشائر العراقية لأغراض السيطرة عليها، فإنَّ بني زيد الذين هم من أجواد المنتفك كانوا في الفترة التي كتبت فيها تلك التقارير يقيمون في الدجة والبدعة شمال الناصرية. على أنهم من بقايا هذه الجماعة، ويقال كذلك بأن فروع العزيز وحمادي وآل كيم من آل فتله، الموجودة حالياً على الفرات، متصلة اتصالاً وثيقاً مع بني زيد. وقد زحف القسم الاكبر من آل فتله من منطقة الناصرية وسكنوا الفوَّار جنوب عفك، حيث كانت منطقة خصبة تصلح للزراعة وترويها قناة اليوسفي من شط الحلة. وعندما أخذت مياه الفوَّار بالنقصان والجفاف بعد انخفاض مناسيب المياه في شط الحلة، هاجر كل من ياقوت والد فرعون وجلوب والد شمران وسماوي، ولكن أولاد جلوب لا يزالون يحتلون قسماً من الضفة اليسرى وأولاد عمّهم على الضفة اليمنى. وعندما أضطر فرعون الى ترك الفوَّار انتقل أولاً الى الجنوب نحو السماوة حيث هجَّرت الحكومة التركية قسماً من الظوالم وأعطت أراضيهم الى فرعون. وبقى هناك أربع سنوات، حيث انتقل عبر المشخاب، قبل ما يقرب من خمسين سنة، وحيث تبعه ابنه، الحاج سكر، عندما أصبح الفوَّار صحراء قاحلة. وفى الزمن الذى استقرت آل فتله في المشخاب كان جدول الكوفة حتى الشنافية في أيدى السادة عائلة آلبو زوين في (الجعارة)، ولكن لم يكن بوسعهم السيطرة على العشائر المحلية، وكان آل شبل وآل ابراهيم التي تجهز الايدي العاملة على الأراضي.


الشيخ عبادي الحسين آل فتلة (أرشيف الموسم)

وتضيف التقارير نفسها: الى أن آل فتله كانوا يشتغلون بالزراعة ولا يشتغلون برعاية الاغنام، ولهذا فلا يرحلون ولا ينتقلون في الصحراء. ولكنهم متوطِّنون ومستقرون على ضفاف الانهار. ويثير أمر إرجاع الرى الى أراضي الفوَّار اهتماماً عظيماً بين شيوخ المشخاب، ولكن ادعاءاتهم في المنطقة لا يقرها الجبور والخزاعل. بينما وجد آل فتله في المشخاب الخزاعل منافسين حقيقين، وليس لهم نفوذ يذكر في الهندية بواسطة بني حسن، وتتبع بعض العشائر الصغيرة لطفيل في الهندية آل فتله ــ بينما العشائر الاخرى يتذبذبون في تبعيتهم ــ أما الى آل فتله وأما الى بني حسن تبعا للظروف التي تكون فيها احدى العشيرتين أقوى من الاخرى.. ويتبع الكرد في جدول الشامية آل فتله، بينما العوابد والحميدات يعتبرون من بنى حسن.
أما الأستاذ عباس العزاوي (1890-1971) فيرى أن آل فتله من عشائر الدليم الكبيرة المعروفة تقادم انفصالها وسكنت مواطن كثيرة، جدهم الأعلى جمعة من اخوة سبت وخميس، تجولت كثيراً فأقامت أحياناً في الجوازر من أنحاء البصرة. وذكر أن انهم كانوا يسكنون الغراف ثم انتقلوا الى أراضي الفوَّار في لواء الديوانية. والجوائح والدوافع كثيرة مما يجعل العشيرة تميل إلى مواطن أخرى. ومع هذا بقي من عشائرها في الغراف عشيرة آل عمران، وعشيرة آل جبارة، وعشيرة آلبو شمخي. ولا تزال هذه في مواطنها. وأراد الخزاعل أن يتحكَّموا بهم. وفى معركة فاصلة أوقفوهم عند حدّهم. وذلك أيام شيخ الخزاعل حمد الحمود. كانوا في حماية الخزاعل ثم أظهروا قوتهم. فأذعن الخزاعل لهم. وكان ذلك أيام رئاسة الشيخ موسى علي آل فتلة ولا يزال فرع من آل دليهم يعرف بـ (آل موسى).
وأما الأستاذ الخليلي أول مؤرخ لهذه العشيرة والمعروف بصلاته الوطيدة معها فقد كان يعتبرها من أكثر القبائل حضارة نسبية، وأسرعها التفاتاً للحوادث، وفي هذا يقول مصرِّحاً: “لو جعلت الفتلي بين عشرين فرداً من القبائل المختلفة لدلَّتك عليه سيماؤه وترفه ومنطقه وسرعة التفاته ولميزته ما بين تلك المجموعة كما تميز اللون الأبيض بين سائر الألوان الأخرى”.
ومن إعجابه بقبيلة آل فتلة وبالسلوكيات العامة لشيوخها ورجالها فإنَّه يعدّهم القبيلة الجادَّة في أعمالها، الدائبة على فِلاحتها بالإضافة الى ما وصفها بحسن التدبير، ورزانة التفكير، وسرعة المخاطر، قال: “فإذا ما عُقدت المؤتمرات بين العشائر كان لآل فتلة الكأس المعلَّى والرأي السديد أما في الحرب فهي كسائر العشائر في الفرات معروفة بثباتها ودفاعها، وهي في جميع حروبها وقفت مدافعة أكثر منها مهاجمة لأن أراضيها على الدوام مطمح أنظار جيرانها العشائر ولأن نعمتها حديث أغلب القبائل، وكل هذه الأراضي التي تحت تصرف آل فتلة اليوم كانت لقبائل أخرى في الأزمنة المتقدمة وكانت قد أخذتها هذه القبيلة عنوة بالتدابير العجيبة فكان طبيعياً أن يكون هذا سبب تألب العشائر عليها، وكان من اللازم أن تنظر إليها القبائل نظرة مشوبة بالحقد والحسد، فهي لا تملك الأرض إلا لتجعل منها جنات وبساتين ثم تعمد إلى كل الوسائل لتجعل هذه الأراضي القاحلة صالحة للزراعة صالحة لنموّ النباتات”.
آلبو هدلة في المهناوية وحلفهم مع الكرد

آلبو هدلة حمولة محترمة، كان رأس هذه الحمولة والمؤسس لها الشيخ حسين آل علي الملقب بأبي هدلة من وجهاء عشيرة آل كَيم يسكن هو وجماعة من أفراد آل فتلة في الجعارة بصفته سركالاً عند السيد محمد زوين، وفي سنة 1285هـ التزم هو ومسير بن عمران رئيس الكرد من قائممقام الشامية يحيى بيك الكردي، مقاطعتي عقر والمهناوية الواقعتين على شط الشامية الضفة الشرقية والتابعتين اليوم لناحية الصلاحية، فنزل حسين هو وأتباعه من آل فتلة في المهناوية، ونزل مسير بن عمران في عقر، وكانت عقر يومئذ بيد سلمان بن لطيف رئيس كعب، فرحَّله مسير عنها بالقوة وحلَّ محله فيها، ولم يمهله القدر أكثر من ليلة واحدة حيث أنه توفي في اليوم الثاني من حلوله في الأرض، فقام مقامه فيها أخوه مغير. وفي أول قبل سنة 1293هـ.
الشيخ فرعون آل ياقوت
أخذت الحكومة مقاطعتي المهناوية وعقر من حسين آل علي ومن شريكه في الالتزام مغير بن عمران بسبب عجزهما عن تسديد بدل الالتزام للحكومة، واعطتهما إلى فرعون آل ياقوت بالإضافة إلى أراضي منطقة الجعارة، وفي سنة 1295هـ عجز فرعون نفسه عن تسديد ما بذمته من بدل الالتزام، فنحته الحكومة وأعطت جميع ما كان تحت تصرفه إلى حسين آل علي، وبعد أن انتهت مدة الالتزام، وهي تكون عادة من سنتين إلى ثلاث سنوات، عفت الحكومة عن فرعون وأعادت له الجعارة والمشخاب، وأبقت المهناوية بيد حسين آل علي، وتوفي حسين آل علي في المهناوية في أوائل سنة 1306هـ عن ستة أولاد هم: حاج عبادي وعبد السادة ورياح وطرفة وموسى وعاجل، وكان المقدَّم عليهم حاج عبادي وقد سبق لحاج عبادي أن أعطته الحكومة العثمانية في سنة 1303هـ ربعاً من أراضي آل زياد المعروفة باسم أراضي البحر وذلك عقيب محاربتها لآل زياد وترحيلهم عن أراضيهم، فانتقل إليها وزرعها، وبعد مرور سنتين على توطنه في الأرض مات أبوه حسين، وبهذا ترك في الأرض وكيلاً من قبله وجاء فحلَّ محل أبيه في رئاسة العشيرة.


من مضارب قبيلة آل فتلة (صورة قبل أكثر من مئة سنة ارشيف موسوعة الموسم)

وكان لحسين آل علي أخ اسمه عباس مات عن ولدين حاج شلتاغ وثامر وهما من رؤساء المهناوية وملاكي أرضها، مات الأول منهما قبل مدة، ومات الثاني وهو ثامر في الكاظمية صباح يوم الخميس 3 جمادى الأولى سنة 1374هـ ــ 30 كانون أول 1954 ولكل منهما عقب موجود في المهناوية، أبرزهم: هاتف بن حاج شلتاغ وعلي ومحمد وكاظم أولاد ثامر.
من سيرة الشيخ عبادي الحسين رئيس عموم آل فتلة في المهناوية
الشيخ عبادي الحسين رئيس عموم آل فتلة في المهناوية التابعة إلى الشامية، من أبطال ثورة العشرين التحررية العراقية، والنائب في البرلمان العراقي خلال الحكم الملكي، ولد في الجانب الشرقي من مدينة الهندية وتوفي في المهناوية.
هو الشيخ عبادي بن حسين بن علي، وهم من عشيرة (آل كيم) الفتلاوية، ومن فروع آل معمر ومن فندة آل بلادي، كان شجاعاً مُهاباً على ذكاء فطري وفطنة، ويعتبر حجة في البتّ بأحكام النزاعات القبلية، عُرف بحبَّته للعلم والعلماء، وطالما كان يستمع ويستمتع بسماعه لكتب منتقاة من التراث العربي يقرأه عليه جلَّاسه وضيوفه من الادباء. واهتم بالتعليم العصري بين أفراد اسرته وأوساط عشيرته. وساهم في المبرَّات الخيرية وانشاء المدارس. كما ساعد الكثير من الطلاب على اكمال تعليمهم في بغداد، وأشرف بنفسه على تعليم أولاده وأرسل اثنين من أولاده للدراسة العالية في لندن وهما: أركان العبادي (1915 ــ 1969م) لدراسة الاقتصاد السياسي في جامعة لندن والذي استيزر خلال الحكم الملكي العراقي، وعبد الكاظم العبادي لدراسة الطيران، والذي تولى فيما بعد رئاسة القوة الجوية العراقية. وبقية أولاده فقد استقدم لهم مدرسين خصوصيين لتعليمهم.
ساهم مساهمة فعَّالة في ثورة العشرين (1920م) فقاد عدة آلاف من أبناء عشيرته زاحفاً بهم في خيول وعربات نحو جبهات القتال مشتبكاً مع القوات الإنكليزية في منطقة (الرارنجية) بالحلة، وأبلى بلاءاً حسناً في مقاومته ضد الاحتلال، واستشهد الكثير من آل فتلة ودُبّر للشيخ عبادي فتن كادت تودي بحياته فيما بعد واعتقل وسجن في سبيل الوطن والمبدأ الشريف، لكنه بقي مُصرَّاً على مواقفه الشجاعة، المؤيدة للاستقلال والحرية.
قاد عشيرته في معركة الرارنجية المشهورة وأبلى فيها بلاءً حسناً، وعند انتهاء الثورة أخذ يطارده الإنكليز حتى تمكنوا منه وسجنوه في الحلة بعد أن هدموا داره وأحرقوا مضيفه في المهناوية، وكانت له داراً عامرة في النجف فهدموها أيضاً، وفي العهد الأهلي الملكي صار نائباً عن لواء الديوانية أكثر من مرة، وتوفي في شهر آذار 1935م عن عمر تجاوز الثمانين من السنين، وأولاده أربعة عنى الشيخ عبادي بتربيتهم عناية فائقة وهم: الشيخ صكَبان والشيخ صيهود والزعيم عبد الكاظم (درس الطيران، وتولى فيما بعد رئاسة القوة الجوية العراقية) والأستاذ أركان (الذي درس الاقتصاد السياسي في جامعة لندن وتولى فيما بعد منصب وزير الشؤون الاجتماعية في الوزارة الأيوبية الثالثة وكذلك في الوزارة المرجانية التالية لها).
وصارت رئاسة آل فتلة المهناوية من بعد وفاة حاج عبادي مقسومة بين أخيه عبد السادة وولده صكَبان، وعبد السادة من رؤساء ثورة العشرين أيضاً، اشترك مع أخيه عبادي في معركة الرارنجية المقدم ذكرها ولاقى مثل ما لاقى أخوه من الإنكليز بعدها انتخب عضواً في المجلس التأسيسي سنة 1923م ــ 1342هـ خرج بعد ذلك نائباً عن لواء الديوانية أكثر من مرة، وتوفي في شهر رمضان سنة 1376هـ ــ نيسان 1957 عن عدة أولاد أبرزهم الشيخ سوادي.

الكابتن مان في ديار الحاج عبادي الحسين
استلم الكابتن جيمس ساموريز مان (1893 ــ 1920م) ، منصب الحاكم السياسي لمنطقة الشامية التي تشمل: (الشامية، الشافعية، غمَّاس، المشخاب، الشنافية، المهناوية)، مهمته بصورة رسمية في 19 آب (أغسطس) 1919م، وكان مقرّه الرسمي في مدينة الشامية التي كانت تسمَّى في ذلك الوقت (أُم البعرور) وقد كتب في مذكراته اليومية على شكل رسائل كان يبعثها الى والده ووالدته وأصدقائه في إنكلترا، يصف فيها حياته اليومية ومشاكله الإدارية الى جانب آرائه السياسية في الوضع السائد في تلك الأيام التي قضاها في المنطقة المذكورة قبيل اندلاع ثورة العشرين عام 1920م، وكان من عادة القادة الإنكليز أن يزوروا شيوخ العشائر المؤثرين في المجتمع العراقي ليلموا بأحوالهم ويتصرفوا وفق ما يرونه من المعاينة والاستطلاع، فهذه الزيارة وغيرها مفروضة على جميع الشخصيات من قبل القوة الاحتلالية، والشيخ عبادي معروف بعدائه للانكليز، ومعلوم أنه بعد شهور قليلة كان من أوائل الشخصيات الوطنية التي ساهمت في الثورة ضد الإنكليز عام 1920م، وقاد بعض المعارك في الثورة العراقية مع عشائر آل فتلة وبعد انتهاء الثورة قبضت عليه السلطة المحتلة وألقته في سجن الحلة العسكري وأحرقت مضيفه ونسفت قصره في المهناوية ولم يطلق سراحه إلا بعد العفو العام.
ويهمنا في هذه المناسبة أن نوثق الأحداث التي دونها الكابتن مان في رسائله خلال زيارته للشيخ عبادي الحسين في المهناوية، والتي صادف أن كانت متزامنة مع زيارة (المس بيل) الى الشيخ عبادي الحسين أيضاً، وكأن قيادة الإنكليز قد أحسَّت بحركة ما لنشاط القبائل العراقية في الانتقام منهم، وسأبدأ بما كتبه الكابتن مان في رسائله الى أهله حول تلك الزيارة، وألحق بها ما كتبته المس بيل أيضاً في رسائلها والتي وصفت فيها ضيافة الشيخ عبادي
وبعض الخصائص التي تتميَّز بها أراضيه وما لفتَ نظرها من
أحواله:
زيارة الشيخ عبادي في المهناوية

عزم جيمس ساموريز مان الذاهب إلى النجف لقضاء فترة أعياد الميلاد، ولكنه استلم في ٢٢ كانون الأول برقية مفادها إن الرائد نوربري سوف يأتي وينصب مخيماً له عشية عيد الميلاد في منطقته، قال:” سوف نكون خمسة وسنمضي وقتاً ممتعاً وإنني أتطلع لقضاء عطلة قصيرة، ومن المحتمل أنني سأقضي هناك يومين وسنخرج لصيد البط في الأهوار، وقضاء الأوقات الممتعة مع بعض الشيوخ، ولعب البردج والاستمتاع بالراحة والاختلاط بالآخرين”.
وبعد أيام كتب الكابتن جيمس سوماريز مان رسالة إلى والدته من محل إقامته في (أم البعرور) بتاريخ ٢٨ كانون الأول 1920م، جاء فيها:
«لقد عدت من عطلتي التي تمتعت بها خلال عيد الكرسمس فقد ذهبت إلى المهناوية فوصلتها عند الظهر تقريباً من يوم ٢٤ كانون الأول، ووجدت المخيم قد تم إعداده لنا، ولكن لم يصل أحد من الآخرين ونظراً لأنهم لم يحضروا حتى الغسق فقد قبلت دعوة الشيخ عبادي لتناول طعام العشاء عنده في المضيف.
لقد كانت ليلة من ليالي الكرسمس (عيد الميلاد) المبتكرة، حيث قضيتها في المضيف الذي كان يشتمل في وسطه على قطعة كبيرة من الخشب ويتوفر فيه شيء كثير من القهوة، وكميات وافرة من الطعام وغير ذلك.
كما جرى الحديث في أشياء عامة كثيرة على غير المعتاد بفضل وجود صهر الشيخ عبادي، وهو رجل لطيف مثقف وجليس ممتع، وقف في خدمتنا مدة من الزمن.. وقد كان أول رجل صادفته في هذه الجهات له إطلاع على أحوال الحرب وأوربا وشؤون السياسة بوجه عام، وقد حدثتهم عن عاداتنا في أيام عيد الميلاد فسرَّهم الحديث سروراً بالغاً، كما سمعت الكثير عن تصرفات الأتراك، وقد كان الحديث مثيراً ومسلياً. وهذا الصهر المثقف يدعى مجيد، وهو يتكلم العربية الفصحى ويسر المرء أن يستمع إليه وهو يتحدث، عدا كونه أكثر ذكاء من غيره.
وفي صبيحة عيد الميلاد وصل (الميجر نوربري) و(ويغان)، و(هوبكنز) في حوالي الساعة الحادية عشرة قبل الظهر، بعد أن كانت واسطة النقل التي تقلهم أصابها عطب في اليوم السابق.
لقد تناولنا غداء طيباً عند الشيخ عبادي، ثم ركبنا بعد ذلك وتجولنا لاختيار مكان لاصطياد البط وغيره من الطيور. وفي المساء تناولنا عشاء ممتازاً، قام بطبخه طباخ الميجر من دون دجاج الهند، وخاصة حلوى العنجاص والبطاطا التي أكلتها لأول مرة منذ أن نزلنا من الباخرة في البصرة. وبعد العشاء استدعينا الخدم وشاركناهم في مراسم عيد الميلاد وقد قام الطباخ بإلقاء كلمة بالإنكليزية.
وفي اليوم التالي… ذهبت أنا وويغان بزورقي البخاري إلى مسافة
١٥ ميلاً إلى الشمال حيث يتقاطع نهر منطقتي مع طريق الحلة لاستقبال المس بيل، ولم أكن على علم بمجيئها، لقد كان لقاء رائعاً، وقد كنت متشوِّقاً لرؤيتها من جديد. وقد وصلت في حوالي الساعة الثالثة والنصف بسيارة أقلَّتها من الحلة فأخذناها في الزورق مع خادمها وقطتها والعفش، ثم عدنا إلى المخيم في وقت المغيب، وقد كانت ذا شخصية عظيمة، كما كانت تتكلم خلال الوقت كله ولديها معلومات ممتعة وطريفة، لأنها بلا شك على علم بجميع أسرار المنطقة الممتدة من استانبول إلى أفغانستان، ثم إنها كانت قد عادت مؤخراً من سفرتها إلى مصر عن طريق بيروت وحلب ودمشق والموصل، ورأت بأم عينها قيام دولة فيصل العربية والفرنسيين وغير ذلك من الأمور. ولديها معلومات مدهشة عن هذه البلاد، وفي وسعها أن تتحدث عن كل شيخ من شيوخ منطقتي كصديق قديم من أصدقائها وتتذكر أسمائهم وإذا سمعها المرء تتكلم عن القضايا العامة الكبرى في بغداد وغيرها توجهه في آرائه ومشاكله توجيهاً جديداً!.
وفي اليوم التالي… اجتمعنا في مضيف الشيخ عبادي ، وتناولنا وجبة طعام فاخرة، وقد كانت المس بيل تتحدث إلى الناس طيلة الوقت وكان حديثها مثار إعجابهم… وبعد ذلك طلبت من الشيخ عبادي إذا كان يمكنها زيارة حريمه في البيت (زوجاته الست فوافق على ذلك بعد إحجام ومضض، لكن الظاهر إنهن كن في غاية الخجل، فكانت المقابلة جافة.
وقد تناولنا العشاء في مخيمنا وفي صباح هذا اليوم تفرقت المجموعة… وعند عودتي واجهتني رياح جنوبية قوية جعلت النهر الذي يسير فيه زورقي البخاري هائجاً، وكان رذاذ الماء يتطاير فوق المركب، إن ذلك دليل على أن المطر سيهطل، والناس في أمس الحاجة إليه إنه لأمر جيد أن ترى الهدوء يعم المكان، فلا جريمة ولا شكوى، والعمل يجري على ما يرام. كما أن الناس مرتاحون
لوضع السوق، وانخفضت أسعار الطعام بصورة غير اعتيادية. إن
بعض تجار المفرد مستاؤون، ولكني لا أعتقد بأنهم سيعانون من الجوع.
المس بيل في ضيافة عبادي الحسين
ذكرت المس جرترود مرغريت لوثیان بل (1868-1926) في إحدى رسائلها المؤرخة في ٤ كانون الثاني 1920 ما ترجمته: «…. وذهبت بالسيارة إلى الفرع الآخر من الفرات حيث وجدت بانتظاري شابين هما الكابتن مان والكابتن ويغان ومعهما زورق بخاري ليأخذاني به إلى مخيم مضيفي الميجر نوربري حاكم الشامية السياسي….
وكان المخيم قد أقيم بالقرب من القرية مقر شيخ المنطقة الرئيس عبادي الحسين. ولذلك دعانا بعد العشاء إلى مضيفه. ولا يمكنكم أن تتصوروا المضيف ما لم ترونه رأي العين. فهو يصنع من القصب. إذ تفرش الحصر القصبية فوق حزم من القصب تتقوس فتلتقي في أعلاها بحث يكون المضيف بأجمعه نفقا جسيما أصفر اللون منتظم الصنع جدا. مشيداً بصورة جذابة طوله خمسون ياردة.
وفي وسطه موقد للقهوة تشتعل فيه خشبات كبيرة من الصفصاف وكان هناك في كل من جهتي المضيف صف من الوسائد المغطاة بأغطية مطرزة المسندة إلى الجدر القصبية. لنجلس عليها ومن حولنا العرب وبين أيدينا صانع القهوة مكبَّاً على دِلاله وكانت تضيء المضيف كله نار الموقد مع زوجين من المصابيح الصغيرة كما كانت نهاية المضيف تتضاءل بعيداً في عتمة ذهبية. وقضينا اليوم الثاني في المخيم… إن هذه البلاد هي بلاد الرز، وقد حصد أصحابه هذه السنة حاصلا وفيرا منه. وكانت قرى الخصاص الصفراء تجثم متوسعة رخية في شمس الشتاء محاطة بتبن الرز وقشوره ولم تكن بيادر الشلب الذهبية مخزونة كلها أو محملة إلى الخارج وإنما كانت مكومة في مساطح الحصاد وركبنا حينما وصلنا إلى الهور في (ساجات صغيرة)، وجذفنا خلال الممرات المائية بين البردي حتى وصلنا إلى الماء في العراء. وكانت هناك ألوف مؤلفة من البط والحذف والطيور المائية الأخرى. وتفرخ الحدأة هنا أيضاً. وكان الماء مغطَّى بأوراق زنبق الماء الذابلة. وكان يرعى فيها الجاموس بهدوء وهو يقف إلى بطنه في الهور. ومن بين جميع أنواع العلف غير الصالحة للجاموس يعد زنبق الماء بكل تأكيد أسوأها غداء».
وفي رسالتها الثانية بنفس اليوم كتبت: إن الشامية هي حديقة العراق، أو قُلْ إذا شئت مربع أنسها، وقد كدت أنسى قبل مجيئي. هي جميلة في الشتاء. إذ يرفل الصفصاف فيها وغرب الفرات اللذان تكتسي بهما ضفاف النهر والجداول بحلل من اللون الذهبي والأخضر المائل إلى لون الذهب. وتكون من ورائها غابات النخيل خلفية بديعة، ولا يزيد عمرها كلها على خمسة عشر عاماً. أي تكون في أجمل أيام عمرها قبل أن تصبح نحيلة هشة.
وبعد أن جذفنا بالساجات في طرق الهور المائية تناولنا غداءنا في اليوم الأول عند شيخ المنطقة الأكبر. الشيخ عبادي الحسين لقد كنا جياعاً لكننا لم نستطع أن نأكل كثيرا من تل الطعام المقدم لنا. لابد من أن تكون القبيلة كلها قد أطعمت في ذلك اليوم ما بقي منه. وقد سمح لي بأن أتناول طعامي بالملعقة، بينما أكل الباقون بأيديهم».
حلف عبادي الحسين وزعماء الشامية ضد الاستعمار
أشار المؤرخ الفراتي الشيخ ودَّاي العطية 1889 ــ 1983الى عدة حوادث ورد فيها ذكر الشيخ عبادي الحسين وعشيرته آل فتلة، ومن بينها استهداف الانجليز له ولأمثاله من الزعماء الوطنيين، وإثارة الفتن والنزاعات فيما بينهم لإشغالهم بها في قضايا التزام الأراضي، وهي نفس السياسة التي قام بها الاتراك الذين لم يتورَّعوا عن سفك الدماء البريئة وسلب الأموال والممتلكات وإهانة وتقتيل الاهلين والتدخل في مشيخات القبائل وما الى ذلك.ومن بين ما استفدناه من الوقائع التي وردت في الكتاب المذكور، هذا المختصر:
في ١ تشرين الثاني عام 1921 م كان (جميل العزاوي) قائمقاماً في قضاء الهندية وفي ٢٣ ايلول من عام 1922م نقل الى قضاء الحي ثم نقل إلى قضاء الشامية خلال عام 1923 و بقي الى عام ١٩٢٤ ثم صدر أمر نقله للأسباب التالية: تشكلت الدولة العراقية الوطنية وتشكل معها النزاع والتطاحن من قبل الانكليز على الانتداب والمعاهدات والامتيازات ولما كان زعماء الشامية أكبر عثرة في سبيل تحقيق مطامع الانكليز أوعزت السلطة في (لواء الديوانية) الذي كان يديره (المستر كجن) مستشار الديوانية حسب رغباته الى قائمقام الشامية جميل العزاوي بالضغط على الرؤساء والزعماء لينشغلوا بأنفسهم عن التدخل بالسياسة، وقد أسرع الموما اليه الى تنفيذ ما أمر به وشدد الضغط على الرؤساء وقد تحسس الرؤساء وعرفوا انهم المقصودون بالأذى من قبل السلطة وخاصة السلطة المحلية الذي يرأسها القائمقام جميل فلذا اجتمعوا في دار الحاج حسن آل حاج حسون في الشامية وتحالفوا بعد أن أقسموا اليمين بالقرآن المجيد على أن يكونوا يداً واحدة ضد المستعمرين وأذنابهم واليك أسمائهم:
1 ــ​علوان آل حاج سعدون رئيس بني حسن في هور الدخن (العباسية).
٢ ــ​الحاج مرزوك العواد رئيس العوابد في قضاء الشامية.
3 ــ​السيد محسن بن السيد حسن أبو طبيخ وأخوه السيد جعفر في (ناحية (غماس) من فضاء الشامية.
4 ــ​الحاج رايح آل عطية رئيس الحميدات فى الشامية.
5 ــ​عبادي آل حسين رئيس آل فتلة وأخوه عبد السادة في المهناوية من قضاء الشامية.
وكان هذا الاجتماع والحلف بمحضر من مأمور مركز الشامية أحمد جدوع الذي كان يتظاهر بأنه يرى رأيهم إلا أن خبر الاجتماع والحلف المذكورين قد وصلا الى القائمقام ودائرة الاستخبارات (ثم أخذ الرؤساء المذكورون يقدمون المضابط ويبرقون البرقيات الى الوزارة والى عاهل البلاد المغفور له الملك فيصل الأول) مقدِّمين شكواهم وتذمرهم من معاملة القائمقام القاسية وأخذه الرشوة من عامة سكان الفضاء علناً ثم بعد ذلك توجهوا جميعاً إلى بغداد لمقابلة سيد البلاد ورجال الوزارة شارحين لهم أحوال القائمقام وقد أقسموا أمام جلالة الملك بالقرآن المجيد على أن القائمقام أجبر كل واحد منهم على اعطائه الرشوة، فلما سمع جلالة الملك مقالة الرؤساء وقسمهم أوعز بنقل القائمقام من قضاء الشامية فنُقل خلال عام ١٩٢٤ م إلا ان هذا النقل جاء ضربة قاصمة لمستشار اللواء (المستر كجن).
ولما كانت سنة ١٩٢٥ نقل المتصرف عبد الله بك الدليمي، من لواء الديوانية وجاء خلفاً له جميل العزاوي (الذي أغرق الشامية من قبل بالفتن والمشاكل) وما جاء به الانجليز للديوانية الا انتقاماً للوطنيين والشيوخ المجاهدين الذين قاوموا الاحتلال من قبل..
جاء جميل ذلك الرجل الموتور من قبل رؤساء الشامية، وبعد أن تسلم مهام وظيفته عمد أولا الى رئيس بني حسن علوان الحاج سعدون فعزله عن رئاسة بني حسن الساكنين في ناحية هور الدخن (العباسية) بحجة ان علوان ليست له أراض في الناحية المذكورة غير ملتفت الى ان رئاسته عامة على عموم القبيلة ثم أسندها ــ أي الرئاسة ــ الى الرئيس الثاني حسن آل شمخي، وأخذ من علوان تعهد تحريري بمغادرة الناحية وعدم التدخل بشؤون أهلها وإن تأخر يوماً واحداً فعليه غرامة عشرة آلاف روبية زاعماً ان وجوده بين الأهلين بولد مفاسد ومشاكل الادارة المحلية، ولم يكتف بذلك بل صدر أمره بفسخ القرار الصادر من سلفه المتصرف عبد الله بك الدليمي، القاضي بأحقية علوان في الدعوى المقامة بينه من جهة وبين بيت الكليدار وبدت مناحيم اليهودي من الجهة الاخرى على الاراضي المعروفة زنكة الجفيرة، المحاددة الى أراضي المويهي، وقد انتزع تلك الأراضي من يد علوان وأعطاها إلى خصومه بعد أن استغلها علوان سنة كاملة،. هذا ما كان مع علوان، وأما ما كان مع عبادي آل حسين وأخيه عبد السادة رؤساء آل فتلة في المهناوية فإنه أصدر أمراً بسد بزايز (ذنايب) نهر المهناوية العائد لهما حتى لا يتقدم إلى أراضي آلبور الواقعة أمامه تم أوعز إلى حسن آل شمخي بإقامة الدعوى عليها ــ أي على تلك الاراضي الواقعة في بزايز المهناوية المذكورة فأقامها وقد صدر قرار المراء بتحويله استغلال تلك الأراضي التي تقدر بألفى مشارة (دونم)، ثم وجه سهامه المسمومة للتفريق بين السيد محسن أبو طبيخ وأخيه السيد جعفر ونجح في مسعاه إذ اشتبك الاخوان في نزاع مستمر على قسمة الأراضي حتى انحطَّا اقتصادياً ومعنوياً، ثم وجه ضربته نحو مزهر إذ حرض أولاده وهم (سرتيب وفريق ومشير) على أن يشتكوا على أبيهم لأنه كان قد حرمهم من الأراضي فتمكن بهذه الوسيلة من أخذ القسم الأعظم من أراضي مزهر وإعطائها إلى أولاده المذكورين وكان نتيجة هذا العمل ان أقدم عبد العباس بن مزهر الذي هو من أم أخرى على قتل أخيه سرتيب واختفى سنين عديدة عن الأنظار لأن الطائرات والجواسيس كانت تتبع أثره.
ثم أمر القائمقام الخائن العميل بحبس الرجل الاهلي مجيد نصيف و كاتب تحرير القضاء داود السلمان ومدير المال محمد صالح بحجة انهم يخوضون في حديث رؤساء الشامية ويحرضونهم والحقيقة انهم لم يقوموا بشيء من ذلك إلا ان الأخيرين كانا يجالسان مجيد نصيف الذي كان هذا يشترك مع الرؤساء في الحديث وقد عمَّهما شره. و من أعماله السيئة سد الدغفلية وقد قدّرت دائرة الري للمصاريف بأربعين الف روبية غير انه أجاب الدائرة بإمكانه انجاز السد بستة عشر الف روبية وقد أخذ العمل على عائقه فساق عامة أهالي القضاء لإنجاز العمل بطريق السخرة (العمل الاجباري) بلا عوض وكلف قسماً منهم بجمع المؤونة كالقصب والحطب والبردى وآلبواري. حين اكمل السدّم 1926م سرعان ما انهدم بعد أن اجتاحته موجة عالية من أعالي الفرات.
حكاية من أيام التنافس القبلي
روي أنه في حوالي سنة 1293 (1876) ورد خبر التزام الشيخ حسين العلي (والد الشيخ عبادي) لأراضي المشخاب، واختلافه وتصالحه مع الشيخ فرعون (حول الأراضي) وذلك نقلاً عن المرحوم الحاج وداي العطية من رؤساء الحميدات في الشامية، قال: “أخبرني بقوله إن الورقة التي كتبت بين فرعون وحسين آل علي موجودة عندي استحصلتها من صكبان آل عبادي رئيس آل فتلة في المهناوية وحفيد حسين آل علي”. ملخصها: أنه عندما عجز حسين العلي رئيس آل فتلة من (المهناوية) في قضاء الشامية، عن دفع قيمة الالتزام لأراضي المهناوية، فأعلنت الحكومة التزام الأرض بالمزايدة فتقدم فرعون وضم على الأرض والتزمها، وقد جعل الالتزام باسم ولده شنته الذي كان معه في (أبي شريش) فانتقل شنتة إلى المهناوية وبقي ثلاث سنوات. وأما حسين العلي فقد سكن مع عائلته في (الرمل) بأراضي السادة آلبو زوين الجعارة، وأخذ ينتقل من بغداد إلى الحلة) ” ​كانت الحلة في ذلك الوقت مركز اللواء لهذه المناطق ” إلى (الرمل) بعد أن قضى أكثر من سنة في السجن بسبب ما تبقى عليه من الأموال إلى الحكومة. ثم أخذ يتصل بفرعون في المشخاب ويطلب منه إعادة الأرض له وفرعون يعتذر منه بحجة أن التزام الأرض باسم شنتة، وبقي حسين العلي على هذه الحال حتى انتهى التزام المشخاب، وأعلنت الحكومة للالتزام مرةً ثانية، فبادر وأزاد على الأرض والتزمها، وكان أحد التجار المدعو (شبادة) من آل (حاجي راضي) رؤساء الشمرت من أهل النجف، قد مدّه بالمال اللازم كما تعهد بباقي قيمة الالتزام، فأعطيت له (شرط نامه) التزام أراضي المشخاب، ونزل بعدها مع عائلته بأراضي المشخاب، وانتقل فرعون منها ونزل على (المويرد) قرب أم (البعرور) مركز قضاء الشامية سابقاً وبقي في أراضي المويرد مدة سنة، وقد آلمه ارتباك الوضع وذهاب أراضيه فضاقت الدنيا عليه وأظلمت في عينيه فلم يرَ ملجأ إلا ولده حاج سكر الذي لا يزال في أراضي (الفوار). وكان الحاج سكر ذكياً ورعاً فطناً يتمتع بهيبة واحترام من الجميع ولإصابة رأيه وحسن تدبيره للأمور يسمونه داهية.
وقد أنشدت بنت (تويلي) زوجة فرعون ووالدة كل من مزهر ومبدر ومجبل أولاد فرعون بعض الأبيات على طريقة (النواعي ــ الحسكة) تستنهض بها حاج سكر وتحثه بالمسارعة لانتشال أبيه فرعون من هذه المحنة تقول:
يا سكر يا بْني شبَّة الباب
يعكازتي والكاع جيجاب
يطرادِتي والماي خنياب
يا حلتي بسنين الأصعاب
العادة ياخو موزه العادة
بحدودكم نازل شباده
بقال ما يطّي الزواده
أو معرض الجرشه على أفواده
فردَّت عليها عطشه زوجة حسين آل علي بقولها:
ولج لا تردين ابشباده
جلاد ما يرجف افاده
ابسنة الغلة مبذول زاده
جرّت صوانيّه اركَاده
اليصل المربيته الحماده
اليسطر وبو اعبادي استاده

وبعد أن انتهت مدة الالتزام وهي تكون عادة من سنتين إلى ثلاث سنوات، عفت الحكومة عن فرعون وأعادت له الجعارة والمشخاب وأبقت المهناوية بيد حسين آل علي، وبهذا التاريخ ثبت كل منهما في منطقته.
فحضر الحاج سكر عند أبيه فرعون واستطاع بحنكته وسداد رأيه أن يصلح بين أبيه وبين حسين آل علي ويزيل كل ما كان يباعد بينهما. ثم كتبا اتفاقا بينهما ومضمونه أن يعود كل منهما إلى أراضيه ولا يتعرض أحد منهما إلى أراضي الآخر، فعاد حسين آل علي إلى المهناوية، وعاد فرعون إلى المشخاب، وقد حدث هذا سنة ١٣٠٠هـ، وفي هذه السنة سُجلت أراضي المشخاب والجعارة باسم السلطان عبد الحميد وأصبحت تسمى (أراضي السنية).
وعاد فرعون إلى المشخاب كما ذكرت وطلب من الحاج سكر أن ينتقل إليها ليعاونه على مثل هذه الأمور، سيما وأنه محاط بالأعداء من كل جانب، كما وأن أراضي الفوار يتهددها الخراب وآلبوار لجفاف نهرها، فانتقل الحاج سكر من الفوار إلى المشخاب وحلّ مع أخيه شنتة في أراضي (راك الحصوة) الجانب الأيسر من نهر المشخاب في الدار التي يسكنها الحاج عبد الواحد وولده راهي، بعد أن اتفق مع أبيه فرعون أن يكون له القسم الشرقي في أراضي المشخاب، والقسم الغربي يبقي بيد فرعون والحد الفاصل بينهما نهر المشخاب، ولكن فرعون جعل يوجه مجرى النهر باتجاه صوب الحاج سكر محاولا توسيع حصته على حساب حصة ولده، ثم أخذ الحاج سكر يعمل على تشتيت أعداء أبيه وتفريقهم، فقد عقد تحالفاً مع آل شبل ورئيسهم عليوي الرخيص وفرق الغزالات وجعل كل منهم ينافس الآخر، وحالف رؤساء آل زياد وأخذ يتصل بأهل المنطقة ويتودد إليهم ويشاورهم ويتبادل الرأي معهم..
وفاة الشيخ عبادي وتأبينه
نشرت جريدة الراعي النجفية خبر وفاته ودفنه على الوصف التالي: (( كان المرحوم الحاج عبادي جالساً يستمع قراءة ولده الشيخ صكَبان في كتاب (عصر المأمون) ولم يظهر عليه أي أثر للتوعّك والانحراف وبقي كذلك إلى الساعة الثانية بعد نصف الليل حيث قام إلى فراشه لينام وبعد دقائق كان يستغرق خلفه الشيخ صكبان في نومه إذا بهم ينادونه إلى إجابة طلب والده فحضره ولم يمكث عند رأسه إلا بضع دقائق حتى أسلم الروح إلى بارئه، وفي تلك الساعة انتشر الخبر فعمَّ الأسى جميع العشائر والقبائل وباتت في فزع عظيم وحزن لا يوصف، وفي الصباح استخبرت مدينة النجف والكوفة بالحادث وهاج الخبر جميع السكان فأخذ الناس يخرجون جماعات جماعات إلى الكوفة وإلى شعبة هور الدخن لاستقبال النعش، وتحرك جمهور المشيعين من المهناوية وكلما سار النعش خطوة أوقفته عشيرة من العشائر باستعراض عظيم من (الهوسات) حتى اجتاز حدود آل فتلة ودخل حدود بني حسن وهناك بدأ العرض من قبل جميع بني حسن وجاءت وفود العشائر من نواحي الكفل وأطراف هور الدخن فأخذت الجنازة وحملتها ولم تقبل أن تسلمها لقبيلة أخرى وأوشكت الشمس أن تغيب والجنازة لم تصل الكوفة، وقد خرج أهالي الكوفة برجالهم ونسائهم وأطفالهم وقد أخذوا الجنازة من بني حسن ولم يقبلوا أن يتولى أحد حملها غيرهم. وكان النجفيون بجميع طبقاتها ينتظرون وصول النعش من الساعة التاسعة عربية نهاراً إلى الساعة الثانية ليلاً وبمجرد وصول الجنازة نادى منادي النجفيين أن لا يحملها أحد غيرهم فأخذوها إلى المغتسل ومن هناك وضعت في جامع الميدان إلى الصباح.
وفي تلك الليلة اكتضت مدينة النجف بجموع القبائل والوفود التي وصلت النجف من المشخاب والغماس والشامية وازدحمت الأسواق والدور بالمشيعين، وعند الصباح اهتزت النجف بالهوسات وجاء النجفيون (معرضين) بهوساتهم أيضاً واجتمع العلماء ورجال الدين في الجامع وتقدمت شبيبة النجف بكل تجلة إلى النعش فلفَّته بالعلم العربي وحملته على أطراف الأصابع وأنشدت حوله نشيداً محزناً بينما كانت الهوسات تتقدم النعش وسار العلماء والأعيان والسادة والأفاضل بكل تجلة وخشوع وراء الجنازة إلى الصحن الشريف حيث صلى عليها حجة الإسلام الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء وألقى عليها الأديب الفاضل السيد محمد صالح بحر العلوم خطبة رائعة وأبَّن الفقيد بقصيدة بليغة أبكت جميع الحاضرين وحملت الجنازة إلى مقرها الأخير حيث دُفنت في رواق الحرم الشريف ووُدعت بالدموع الحارة من قبل الجميع.
ولقد بلغ التشييع من الفخامة والعظمة مبلغاً لم يشهد تأريخ عظماء الفرات نظيراً له فالحماس العظيم الذي تجلَّى في تشييع العشائر وخروج الكوفة وقيام النجف بعلمائها وأعيانها وزعمائها وطلاب مدارسها تجاه الفقيد كان هذا كافياً ليبرهن على منزلته)).
من مرثيات الشيخ عبادي الحسين
رثاه جمع من الشعراء، ومنهم: محمد رضا آل السيد هاشم الخطيب، وهذا نص قصيدته التي أرسلها الى ولده الشيخ صكبان آل عبادي:
أيا من بساحته المجد حلْ
تعزَّ فرزئك في الناس جلْ
مضى عقد تاج المعالي ومن
به عُقد الدهر كانت تحلْ
ومن في المحافل كان العميد
ومن في الجحافل كان البطلْ
سلام يغاديه من راحلٍ
نرى الصبر في إثره قد رحلْ
دوى في الفراتين صوت النعي
فأسمع مَن بأقاصي الجبلْ
وإنك حيٌ برغم العدى
ألا ما تشاء العدا فلتقلْ
وكيف قضى من بإخلاصه
ليوم القيامة ضرب المثلْ
أجل فالزعامة محفوظة
وذا عرشها راسخ لم يثلْ
(بواحدها) العلم المترجى
وموئلها والهزبر الفحلْ
عليه يعوّل وادي الفرات
ويعقد حقاً عليه الأملْ
فأقواله وبأفعاله
شفاء الغليل وبرء العللْ
سل الرستمية عن فعله
ويوم الرميثة إن شئت سلْ
وسائل ببغداد دار العميد
بها وبساكنها ما فعلْ
ومن زلزل الأرض زلزالها
على الإنجليز وأذكى الشعلْ

الأستاذ أركان آل عبادي
انتخب نائباً عن لواء الديوانية في مجلس النواب العراقي منذ عام 1947 وحتى عام 1958، وقد انتخب أيضا نائباً لرئيس مجلس النواب، ثم أصبح عضوا في المجلس الاتحادي الهاشمي الذي تأسس بعد اعلان الاتحاد بين العراق والأردن 1958. وكان من أنصار نوري السعيد وعضواً في حزبه «حزب الاتحاد الدستوري».
شغل منصب وزير بلا وزارة في وزارة محمد فاضل الجمالي الأولى
8 مارس 1954 ــ 19 أبريل 1954 ثم عين بمنصب وزيراً للشؤون الاجتماعية في وزارته الثانية وشغل هذا المنصب الوزاري كذلك في وزارتي علي جودت الأيوبي الثالثة وعبد الوهاب مرجان 20 يونيو 1957 ــ 2 مارس 1958.
تزوج الاستاذ أركان العبادي من شقيقة رئيس الوزراء الاسبق الراحل جميل المدفعي، وله ولدان: ١ــ الفريق نصير أركان العبادي، الذي كان يشغل موقعاً متقدماً في هيئة الاركان والطيران العراقية.
٢ ــ المهندس المعماري الاستاذ نصير أركان العبادي. من مقالاته: (مشاهدات في إنكلترا) نشرته في مقدمتي لكتاب (آل فتلة كما عرفتهم) للأستاذ جعفر الخليلي، الذي أعدت تنقيحه ونشره حديثاً.
إليكم بني فتلى تشد الركائب
في موسوعتي في سير الأعلام الكثير من تراجم أعلام القبيلة وفيها مجموعة من أماديحها ومنها هذه القصيدة للسيد صادق الفحام الحلي النجفي “المولود في قرية الحصين بالحلة سنة 1124هـ والمتوفى سنة 1204هـ” يمدح بها آل فتلة، والسيد الفحام عالم وشاعر مُجيد ولعلَّ أول من نوَّه بذكره بشئٍ من التفصيل، هو “الشيخ عبد المولى الطريحي “الذي تربطه علاقة مصاهرة مع اسرته”، في مقال كتبه بعنوان (السيد صادق الفحام الأعرجي) ونشرته [مجلة العرفان (لبنان) بتاريخ 1 أبريل 1928 ــ رقم العدد 8.] وترجم له الشيخ محمد علي اليعقوبي في كتابه (البابليات) ج 1 ص 177 ــ 187، طبعة 1951. “وقد صدر ديوانه أخيراً محققاً عام 2011م بتحقيق الأستاذ الدكتور السيد مضر السيد سليمان الحلي”:
إليكم بني فتلى تشد الركائب
وتُطوى الفيافي بالسرى والسباسب
وأنتم بدور الأرض تزهو بنوركم
مشارقها بين الورى والمغارب
وأنتم بحور في العطاء زواخر
صفت لبني الآمال منها المشارب
وأنتم سيوف مرهفات على العدى
وأنتم أسود في اللقاء غوالب
وقائعكم مشهورة في عدوكم
كما اشتهرت منكم لدينا المناقب
مفاخركم مثل النجوم زواهر
وآراؤكم مثل الرجوم ثواقب
فما منكم إلا كريم مهذب
إلى المجد سبّاق وللمجد طالب
سبقتم إلى نيل المكارم والعلى
فليس لكم في فضلكم من يقارب
لكم رتب فوق النجوم محلها
لكم همم من دونهن الكواكب
أتاني عنكم أن عتبي ساءَكم
فما منكم إلا على العتب عاتب
عتبت عليكم بالذي كان منكم
فلا تعذلوني فالكريم يعاتب
ولو لم أجد للوم والعتب موضعاً
لديكم لما الفيتموني أعاتب
فإن كان تقصير فعذري وسيلة
وإن قبول العذر في الناس واجب
وسنتناول في حلقات أخرى تراجم الشيخ مبدر الفرعون وأسد الفرات الشيخ عبد الواحد آل سكر والشيخ عبد السادة الحسين والشيخ صكبان العبادي. والشيخ فريق المزهر وغيرهم.

قد يعجبك ايضا