ثورة أيلول: من الشرعية التاريخية إلى الشرعية الدستورية – قراءة دستورية

د. إبراهيم الشرفاني
أستاذ مساعد – القانون الدستوري والنظم السياسية

مقدمة

تحتل ثورة أيلول موقعاً مركزياً في التاريخ السياسي الكوردستاني الحديث، ليس باعتبارها تجربة للمقاومة والنضال فحسب، وإنما بوصفها مرحلة أساسية في تكوين الوعي السياسي، وترسيخ الهوية الوطنية، وإنتاج شكل من أشكال الشرعية التاريخية التي ارتبطت بالدفاع عن الحقوق القومية والسياسية للكورد.

وقد ارتبطت هذه المرحلة بالأب الروحي، الملا مصطفى البارزاني، الذي اضطلع بدور قيادي في تنظيم الحركة السياسية والعسكرية، وفي تحويل المطالب الكوردستانية إلى مشروع سياسي يستند إلى التمثيل والإرادة الجماعية. إلا أن أهمية هذه المرحلة لا تكمن في القيادة وحدها، بل في التحول الذي أحدثته في بنية الوعي السياسي؛ من المطالبة بالحقوق إلى بناء القدرة على تمثيلها والدفاع عنها.

وتطرح هذه التجربة، من منظور القانون الدستوري، إشكالية تتجاوز تقييم الثورة ذاتها إلى سؤال أكثر تركيبًا: كيف تتحول الشرعية التي تنتجها حركة سياسية وتاريخية إلى شرعية لممارسة السلطة، ثم إلى شرعية دستورية ومؤسساتية؟

فالثورة تستطيع أن تنتج شرعية تاريخية، لكنها لا تنتج بمفردها نظامًا دستوريًا. والحركة السياسية تستطيع أن تصل إلى السلطة، لكنها لا تجعل ممارسة السلطة دستورية بمجرد حصولها على التفويض الانتخابي. أما الدستور، فلا يكتمل أثره بمجرد الاعتراف القانوني، ما لم يتحول إلى قواعد مؤسسية تضبط السلطة، وتضمن الحقوق، وتحدد الاختصاصات، وتوفر آليات للرقابة والمساءلة.

وفي هذا المسار التاريخي، يبرز دور السيد مسعود البارزاني بوصفه أحد أبرز الشخصيات التي ارتبطت بمرحلة انتقال الحركة السياسية الكوردستانية من تجربة الثورة والمقاومة إلى مرحلة التنظيم السياسي وممارسة الحكم وبناء المؤسسات.

ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة التطور السياسي الكوردستاني بوصفه مسارًا متدرجًا انتقل من الشرعية التاريخية إلى الشرعية السياسية، ثم إلى الاعتراف الدستوري، وصولًا إلى تحدي المأسسة الدستورية الفعالة.

المحور الأول: ثورة أيلول وتكوين الشرعية التاريخية

نشأت ثورة أيلول في سياق اتسم بتعقيد العلاقة بين الدولة العراقية والحركة السياسية الكوردية، وباستمرار الخلاف حول الحقوق القومية والسياسية والإدارية للكورد. وفي هذا السياق، مثلت الثورة تحولًا في طبيعة الفعل السياسي، إذ انتقلت المطالب من نطاق التعبير السياسي المحدود إلى حركة منظمة تمتلك قيادة وأهدافًا وأدوات للتعبئة السياسية والاجتماعية.

وتكمن أهمية هذه المرحلة، من منظور الشرعية السياسية، في أنها أسهمت في تكوين ما يمكن تسميته بالشرعية التاريخية أو التأسيسية.

وفي هذا الإطار، يمثل الأب الروحي للأمة الكوردستانية، الملا مصطفى البارزاني، شخصية مركزية في تكوين هذه الشرعية، ليس فقط بسبب دوره في القيادة العسكرية، وإنما بسبب قدرته على تحويل الحركة من فعل مقاومة إلى إطار سياسي ذي استمرارية وتنظيم، وبناء البنية السياسية التي ربطت القيادة بالحركة الاجتماعية والسياسية الكوردستانية.

ومن هذه الزاوية، لا يمثل انتهاء ثورة أيلول عام 1975 نهاية للمسار الذي بدأته؛ فقد أُعيد تنظيم الحركة السياسية في مرحلة ثورة كولان منذ عام 1976 بقيادة السيد مسعود البارزاني، واستمرت عملية تراكم الخبرة السياسية والتنظيمية التي أسهمت لاحقًا في تشكيل البيئة التي أفضت إلى التحولات الكبرى في بداية التسعينيات.

وعليه، فإن القيمة التاريخية لثورة أيلول تكمن في أنها أسهمت في تكوين المجال السياسي الذي أصبح لاحقًا قابلًا للمأسسة. فالشرعية التاريخية وفرت الأساس الرمزي والسياسي، لكن الاختبار الحقيقي كان يتمثل في تحويل هذا الرصيد إلى مؤسسات قادرة على ممارسة السلطة وفق قواعد مستقرة.

المحور الثاني: مأسسة الحكم وبناء الشرعية الدستورية

شكلت انتفاضة عام 1991 نقطة تحول جوهرية في طبيعة التجربة السياسية الكوردستانية. فقد انتقلت الحركة السياسية من موقع المعارضة والمقاومة إلى ممارسة وظائف السلطة العامة، وهو تحول يفرض، من منظور الدولة والقانون الدستوري، شروطًا مختلفة جذريًا عن شروط العمل الثوري.

فالثورة تحتاج إلى التعبئة والقيادة والقدرة على المواجهة، بينما تحتاج الدولة إلى المؤسسات، وتوزيع الاختصاصات، واستمرارية القواعد، والرقابة، والمساءلة، وتسوية النزاعات وفق إجراءات محددة.

وفي هذا السياق، مثلت انتخابات عام 1992 محطة مؤسساتية أساسية؛ لأنها نقلت مصدر الشرعية السياسية من مجال الحركة والنضال إلى مجال التفويض الشعبي والتمثيل الانتخابي، وأسهمت في إنشاء البرلمان والحكومة بوصفهما مؤسستين لممارسة السلطة العامة.

إلا أن الانتقال إلى الانتخابات لا يعني اكتمال التحول الديمقراطي. فهناك تمييز دستوري جوهري بين شرعية الوصول إلى السلطة وشرعية ممارسة السلطة. فالانتخابات تمنح التفويض، لكنها لا تمنح السلطة صلاحية غير محدودة؛ إذ تظل ممارسة السلطة مقيدة بالقانون، وبالاختصاصات المقررة، وبالحقوق والحريات، وبمبدأ الفصل والتوازن بين السلطات.

ومن هذه الزاوية، ارتبطت مرحلة السيد مسعود البارزاني بمحاولة إدارة الانتقال من الرصيد التاريخي للحركة إلى واقع سياسي يقوم على ممارسة الحكم وبناء المؤسسات، في سياق اتسم بتعدد القوى السياسية، والتنافس الداخلي، والتحديات الأمنية والإقليمية.

وتكمن أهمية هذه المرحلة في أنها نقلت مركز الثقل من سؤال الاعتراف بالقضية إلى سؤال إدارة السلطة. وهذا التحول هو جوهر المأسسة السياسية؛ لأن السلطة لا تصبح مؤسساتية بمجرد إنشاء هياكل إدارية، وإنما عندما تصبح ممارسة السلطة محكومة بقواعد تتجاوز الأشخاص والأحزاب.

كما أن التجربة أظهرت أن بناء المؤسسات لا ينفصل عن طبيعة العلاقة بين القوى السياسية. فالمؤسسات العامة تفقد جزءًا من وظيفتها الدستورية عندما تتداخل بصورة غير واضحة مع البنى الحزبية، أو عندما تصبح ممارسة الوظيفة العامة مرتبطة بدرجة الولاء السياسي بدلًا من قواعد الاختصاص والمسؤولية القانونية.

وفي هذا السياق، يمكن فهم التطور الذي شهدته التجربة الكوردستانية بوصفه انتقالًا تدريجيًا من شرعية الحركة إلى شرعية الحكم، ومن القيادة السياسية إلى المؤسسات السياسية، وإن ظل اكتمال هذا الانتقال مرتبطًا بمدى استقلال المؤسسات ووضوح قواعد العلاقة بينها.

المحور الثالث: الاعتراف الدستوري بين تحديات الاستكمال وآفاق المستقبل

شكل دستور جمهورية العراق لعام 2005 نقطة تحول أساسية في الوضع القانوني لإقليم كوردستان. فقد نصت المادة (117/أولًا) على أن «يقر هذا الدستور عند نفاذه إقليم كوردستان وسلطاته القائمة إقليمًا اتحاديًا»، كما أقرت المادة (141) استمرار نفاذ التشريعات الصادرة في الإقليم منذ عام 1992، وفقًا لأحكام الدستور.

ويحمل هذا الاعتراف أهمية تتجاوز الاعتراف السياسي؛ لأنه أدخل وضع الإقليم ضمن البناء الدستوري الاتحادي للدولة العراقية، ونقل وجوده من مستوى الواقع السياسي والمؤسساتي إلى مستوى الحماية والاعتراف الدستوري.

غير أن الاعتراف الدستوري بالإقليم لا يعني بالضرورة اكتمال نظامه الدستوري الداخلي. فثمة تمييز بين الاعتراف الدستوري بالوحدة الاتحادية وبين اكتمال البناء الدستوري الداخلي للإقليم. فالأول يتعلق بمركز الإقليم داخل الدولة الاتحادية، بينما يتعلق الثاني بتنظيم السلطات الإقليمية، وتحديد اختصاصاتها، وضمان الحقوق والحريات، ووضع قواعد واضحة للعلاقة بين المؤسسات، وتوفير آليات فعالة للرقابة الدستورية.

ومن هنا ينتقل التحدي من سؤال الاعتراف إلى سؤال الفاعلية الدستورية.

فالقاعدة الدستورية لا تؤدي وظيفتها بمجرد وجودها في نص قانوني، وإنما بقدرتها على تنظيم ممارسة السلطة. ولذلك، فإن المأسسة الدستورية تتطلب وجود مؤسسات قادرة على تطبيق القواعد الدستورية ومراقبة احترامها، إلى جانب قضاء مستقل وآليات فعالة للمساءلة وحماية الحقوق.

وفي هذا السياق، اكتسبت العلاقات الخارجية للإقليم أهمية متزايدة، ولا سيما في مرحلة السيد نيجيرفان البارزاني، التي ارتبطت بتطوير أدوات الحوار والشراكة والعلاقات الإقليمية والدولية، بما ساعد على توسيع المجال السياسي والدبلوماسي للإقليم وتعزيز قدرته على إدارة علاقاته ضمن البيئة العراقية والإقليمية.

أما مرحلة السيد مسرور البارزاني، فقد جاءت في سياق تفرض فيه طبيعة الحكم الحديث تحديات تتصل بفاعلية المؤسسات، والإدارة العامة، والتنمية الاقتصادية، والاستقرار المالي والأمني، والإصلاح الإداري.

غير أن اختلاف السياقات القيادية لا يلغي وحدة التحدي الدستوري؛ إذ يبقى السؤال المركزي هو: هل تستطيع المؤسسات أن تمارس اختصاصاتها وفق قواعد مستقرة، بصرف النظر عن الأشخاص الذين يتولون قيادتها؟

وهنا تبرز مجموعة من المتطلبات الأساسية لاستكمال المأسسة الدستورية، في مقدمتها:

1. استكمال البناء الدستوري الداخلي للإقليم بما يحدد طبيعة النظام السياسي وتوزيع الاختصاصات بين السلطات.
2. تعزيز الفصل والتوازن بين السلطات ومنع تركيز السلطة خارج الأطر المؤسسية.
3. تطوير الرقابة على دستورية القوانين وتوفير آليات فعالة لحسم المنازعات الدستورية.
4. تعزيز استقلال القضاء والمؤسسات الانتخابية بما يضمن حيادها في ممارسة اختصاصاتها.
5. الفصل بين المجال الحزبي والمؤسسات العامة، بحيث لا تتحول البنية الحزبية إلى بديل عن الدولة.
6. حماية الحقوق والحريات الأساسية باعتبارها حدودًا دستورية على ممارسة الأغلبية والسلطة التنفيذية والتشريعية.
7. ترسيخ مبدأ المساءلة وتداول السلطة بوصفهما من متطلبات الديمقراطية الدستورية.

وتكتسب هذه المتطلبات أهميتها من التمييز بين الديمقراطية الإجرائية والديمقراطية الدستورية. فالديمقراطية الإجرائية تركز على كيفية إنتاج السلطة، ولا سيما من خلال الانتخابات، بينما تضيف الديمقراطية الدستورية سؤالًا آخر يتعلق بكيفية تقييد السلطة بعد إنتاجها.

فالانتخابات تمنح التفويض، لكنها لا تلغي الدستور؛ والأغلبية تمنح القرار السياسي مشروعيته الانتخابية، لكنها لا تملك، من حيث المبدأ، صلاحية تجاوز الحقوق والحريات أو تعطيل القواعد الدستورية.

ومن ثم، فإن الاختبار الحقيقي للمأسسة الدستورية لا يتمثل في قدرة النظام على إنتاج سلطة منتخبة فقط، وإنما في قدرته على إخضاع هذه السلطة للقواعد التي أنتجها النظام الدستوري نفسه.

وهنا يتبلور السؤال المركزي للتجربة الكوردستانية المعاصرة:

هل يمكن أن تكتمل الديمقراطية الدستورية بأدوات تنتج السلطة، من دون مؤسسات قادرة على تقييدها ومساءلتها ومراجعة قراراتها؟

إن الإجابة، من منظور دستوري، تكمن في أن الشرعية الديمقراطية لا تكتمل بمجرد مصدر السلطة، وإنما تتطلب أيضًا قواعد تحدد نطاقها، ومؤسسات تراقب ممارستها، وضمانات تحمي الحقوق من تعسف الأغلبية أو السلطة التنفيذية.

خاتمة

تكشف دراسة المسار الممتد من ثورة أيلول إلى الاعتراف الدستوري بإقليم كوردستان عن تحول تاريخي متدرّج في طبيعة الشرعية السياسية ومصادرها وأدوات ممارستها.

فقد أرست ثورة أيلول أساساً مهماً للشرعية التاريخية، بما راكمته من نضال وتضحيات وتمثيل للإرادة القومية الكوردستانية، ثم انتقلت الحركة السياسية، ولا سيما بعد عام 1991، من منطق الثورة والمقاومة إلى ممارسة السلطة العامة، وبناء المؤسسات، وإدارة شؤون المجتمع، والاحتكام بصورة متزايدة إلى التفويض الانتخابي. وتوّج هذا المسار بالاعتراف الدستوري الاتحادي بإقليم كوردستان في دستور جمهورية العراق لعام 2005.

وفي سياق هذا التحول التاريخي، تكاملت أدوار قيادية متعددة، أسهم كل منها في مرحلة من مراحل بناء التجربة السياسية والمؤسساتية. فقد ارتبط الملا مصطفى البارزاني بمرحلة تأسيس الشرعية التاريخية وترسيخ مشروع النضال الكوردستاني، فيما أسهم السيد مسعود البارزاني في إدارة الانتقال من مرحلة الثورة إلى مرحلة الممارسة السياسية وبناء المؤسسات وترسيخ الموقع السياسي للإقليم. وفي مرحلة السيد نيجيرفان البارزاني تطور البعد الدبلوماسي والانفتاح على الشراكات الإقليمية والدولية، بينما تتركز في عهد السيد مسرور البارزاني تحديات الإدارة والتنمية وتعزيز فاعلية مؤسسات الحكم وتحويل الشرعية السياسية إلى أداء حكومي أكثر كفاءة.

ومع ذلك، فإن الاعتراف الدستوري، مهما بلغت أهميته، لا يمثل نهاية المسار، بل يشكل أساسًا لمرحلة جديدة من البناء الدستوري والمؤسساتي. فاكتمال التجربة لا يقاس فقط بوجود الشرعية التاريخية أو الانتخابية أو الاعتراف الدستوري، وإنما بمدى قدرة المؤسسات على تحويل هذه الشرعيات إلى نظام دستوري مستدام يقوم على سيادة القانون، والفصل والتوازن بين السلطات، واستقلال القضاء، وحماية الحقوق والحريات، وفاعلية الرقابة والمساءلة، وضمان التداول السلمي للسلطة.

ومن ثم، فإن التحدي المعاصر أمام إقليم كوردستان لا يتمثل في إعادة إنتاج الشرعية التاريخية، ولا في الاكتفاء بالشرعية الانتخابية أو الاعتراف الدستوري، وإنما في الانتقال من شرعية التأسيس إلى شرعية المؤسسات، ومن شرعية الأشخاص والحركات إلى شرعية القواعد الدستورية، ومن الاعتراف بالمبدأ إلى فاعلية الممارسة.

وبذلك، يمكن النظر إلى المسار الكوردستاني بوصفه انتقالًا تاريخيًا من شرعية الثورة إلى شرعية الممارسة، ومن شرعية الممارسة إلى الشرعية الدستورية، ومن الشرعية الدستورية إلى ضرورة ترسيخ دولة المؤسسات.

فمن شرعية الثورة بدأ التاريخ، وبالمؤسسات تستمر الشرعية، وبالدستور تكتمل المأسسة، وبسيادة القانون تستدام الدولة.

قد يعجبك ايضا
∧