بين عملاق الفن يوسف العاني وعملاق الفكر نوري جعفر

نبيل عبد الأمير الربيعي

هناك حكاية تجمع بين عملاق الفن يوسف العاني وعملاق الفكر نوري جعفر؛ حكاية لا تتحدث عن رجلين من الماضي بقدر ما تضع أمام حاضرنا الثقافي مرآةً قاسية. في كتاب الفنان يوسف العاني (شخصيات وذكريات)، يروي قصة وصية العلامة الدكتور نوري جعفر، تلك الوصية التي بدأت بإعجاب عميق بمسرحية (بغداد الأزل بين الجد والهزل)، ثم تحولت إلى مشروع ثقافي اقترح فيه نوري جعفر أن يجعل قاسم محمد من (مقامات الحريري) مادة لمسرح ساخر، يكشف وعاظ السلاطين، ويفضح أخلاق القضاة والولاة، ويضع السلطة أمام مرآة التراث.

لم يكن نوري جعفر يتعامل مع التراث باعتباره مقبرة للنصوص القديمة، بل باعتباره ذخيرة نقدية للحاضر. وهنا تكمن عظمة الرجل. لقد أدرك أن المسرح الحقيقي لا يكتفي بأن يضحك الجمهور، وإنما يجعله يضحك على واقعه، ثم يكتشف بعد انتهاء الضحكة أن المرآة كانت موجهة إليه.
من هنا، لو عاد العلامة نوري جعفر اليوم، وقرأ وصيته القديمة، ثم شاهد المشهد الثقافي العراقي، فربما سيطلب من قاسم محمد أن يعيد كتابة (مقامات الحريري) من جديد. ليس لأن الحريري بالغ في السخرية… بل لأن واقعنا الثقافي تجاوز الخيال الساخر نفسه!
في زمن نوري جعفر، كان المطلوب من المسرح أن يكشف (وعاظ السلاطين)، وأن يسخر من أخلاق القضاة والولاة، وأن يجعل من التراث مرآة يرى فيها المجتمع عيوبه. أما اليوم، فقد تطورت الصناعة كثيراً! لم نعد بحاجة إلى (المقامة الصنعانية) كي نكتشف الواعظ المتبذل؛ فلدينا مقامات يومية تعرض على الهواء مباشرة.
لم نعد بحاجة إلى (الرحبية) كي نرى المسؤول الذي تتغير مواقفه بحسب موقع الجالس أمامه؛ فقد أصبح لدينا قاموس كامل من المقامات الحديثة. أما (الرازية)، التي كان أبو زيد فيها يعظ الوالي وينهاه عن الظلم، فقد تبدو اليوم نصاً شديد الجرأة، وربما تحتاج إلى سلسلة طويلة من الموافقات قبل أن ترى خشبة المسرح!
وإذا كان أبو زيد السروجي قد أوصى ابنه بالگدية لأنها تجمع الجد والهزل والتهكم، فإن بعض مشهدنا الثقافي المعاصر يبدو وكأنه اكتشف الگدية من جديد، ولكن من دون الحاجة إلى أبي زيد.
لدينا اليوم مقامات الجوائز، ومقامات التكريم، ومقامات المهرجانات، ومقامات البيانات، ومقامات الصور الجماعية، ومقامات (الشكر والتقدير)؛ حتى صار السؤال عن مضمون النشاط الثقافي سؤالاً محرجاً، يشبه السؤال عن سبب إقامة النشاط أصلاً!
المؤلم أن نوري جعفر كان يريد من الثقافة أن تقلق السلطة. بينما يبدو أن جزءاً من ثقافتنا اليوم يريد أن يطمئن السلطة إلى أن كل شيء على ما يرام. كان الفنان يغامر بنصه. واليوم قد يغامر المثقف أكثر إذا كتب منشوراً لا يعجب أحد الرعاة أو أصحاب النفوذ. كان المسرح يفتح الستارة لكي يرى الجمهور نفسه في المرآة. أما بعض عروضنا اليوم، فيبدو أنها تفتح الستارة لكي يرى المسؤول نفسه في الصف الأول! كان هناك من يكتب لكي يبقى النص. واليوم هناك من يكتب لكي يبقى اسمه في قائمة المدعوين. كان التكريم في الماضي نتيجة لمسيرة. أما في بعض (المقامات) الحديثة، فقد أصبح التكريم أحياناً هو المسيرة نفسها!
والمفارقة أن يوسف العاني، وهو الفنان الكبير، لم يكن يوثق نوري جعفر من باب المجاملة، وإنما كان يعرف قيمة رجل يرى في الثقافة مسؤولية، وفي الفن موقفاً، وفي التراث قدرة على مساءلة الحاضر. وهنا يتجلى الفرق بين ثقافة تصنع الوعي وثقافة تصنع المناسبة. الأولى تترك أثراً في العقل، والثانية تترك صورةً في الهاتف! الأولى تنتصر للنص، والثانية تنتصر لمن يقف إلى جانب صاحب الدعوة في الصورة! من (بغداد الأزل بين الجد والهزل) إلى (طال حزني وسروري في مقامات الحريري)، قطع المسرح العراقي مسافةً مهمة في تحويل التراث إلى سؤال عن الحاضر.
لكن السؤال الذي بقي معلقاً هو: متى نكتب (مقامات الثقافة العراقية) عن الثقافة العراقية نفسها؟ مقامة عن المثقف الذي يمدح الحرية في الندوة، ثم يخفض صوته عندما يقترب صاحب النفوذ. ومقامة عن الناقد الذي يكتب عن الاستقلال الثقافي، ثم ينتظر مكالمة تحدد له أين يجلس. ومقامة عن المهرجان الذي يحتاج إلى صور الافتتاح أكثر مما يحتاج إلى عرض جيد. ومقامة عن الجائزة التي يصبح الفوز بها أحياناً أهم من الكتاب الذي منحت من أجله. ومقامة عن (النخبة) التي تختلف على الكراسي أكثر مما تختلف على الأفكار. ومقامة أخيرة عن المثقف الذي يطالب الناس بأن يقرأوا، بينما هو لم يقرأ منذ زمن إلا قائمة المدعوين!
ولعل أكثر ما يؤلم في المقارنة أن العراق الذي أنجب نوري جعفر ويوسف العاني وقاسم محمد، كان يمتلك ثقافةً لا تخشى أن تقول للسلطة: أنت مخطئة.
أما اليوم، فقد نجد من الثقافة ما يقول للسلطة، بلغة أكثر أناقة: أنت دائماً على حق، ونحن فقط جئنا لنصفق لهذا الحق! رحم الله نوري جعفر. ورحم الله يوسف العاني، ذلك الفنان الذي لم يكن الفن عنده زينةً للحياة، بل طريقةً لفهمها ومقاومتها. ورحم الله قاسم محمد الذي فهم الوصية وحولها إلى خشبة تتكلم.
لقد كان نوري جعفر يريد ثقافةً تستخدم التراث لكي تفضح الحاضر. أما نحن، فيبدو أننا نحتاج اليوم إلى ثقافةٍ تستخدم الحاضر لكي تفضح الثقافة نفسها. ولعل هذه هي المقامة التي لم يكتبها الحريري، ولم يكملها قاسم محمد، وما زالت تنتظر كاتباً لا يخشى أن يكون هو نفسه إحدى شخصياتها.
فالمشكلة ليست أن لدينا (مقامات) كثيرة؛ المشكلة أن بعضنا يعيش داخل المقامة، ثم يصر على تسميتها ثقافة. وفي النهاية، تبقى وصية نوري جعفر أكثر حضوراً من كثير من أصوات اليوم، لأن الرجل لم يطلب من الفن أن يرضي أحداً؛ طلب منه أن يرى، وأن يكشف، وأن يسخر، وأن يقول الحقيقة.
وهذا بالضبط ما يجعل يوسف العاني عملاقاً في الفن، ونوري جعفر عملاقاً في الفكر؛ كلاهما كان يعرف أن الثقافة التي لا تزعج السائد، ولا تحرج السلطة، ولا تضع الإنسان أمام أسئلته الكبرى، ليست سوى احتفال طويل بلا روح.

قد يعجبك ايضا