ما لا تقوله الأوتار

دلشا ادم

يا لهذه الروح حين تستحيل في جوف التشيلو إلى نغمة، وحين تبلغ على مهل تلك التخوم القصية التي يتجاوز عندها الوجد والوجع حتى يلتبس احدهما بالآخر .
للتشيلو معرفة غامضة بما تخبئه الأرواح.
لا يعرف الحزن كما نفهمه، بل يستخرج من قاعه شيئاً اكثر عراقة من الأسى، وأبعد من أن تطاله العبارة .
كان صوته آت من دهاليز الذاكرة، من تلك الأمكنة التي نزورها، لكنها تظل مأهولة بنا .
وحين ينحدر القوس على أوتاره، لا يبدو كأنه يصنع موسيقى، بل كأنه يزيح عن الأشياء مسمياتها.
فلا يعود الغياب غياباً، ولا الفقد فقداً، بل تتحول من خلاله الحكايات كلها إلى ظلال شفيفة، تمر في الروح كما تمر الغيوم فوق ماء ساكن .
ثمة أشياء لا تموت، ربما تفقد مهابتها الاولى لكنها تظل تتسرب إلى كينونتنا وتصير نبرة خفية للجمال .
لهذا يبدو التشيلو أقرب الآلات إلى سريرة الإنسان، فهو لا يروي ما حدث، بل ما تركه فينا من أثر .
يهبط صوته إلى تلك الطبقات السحيقة من الروح ويلازمنا كالضوء والذي ربما ينطفئ لهنينة ولكن يبقى طيفه عالقاً في الظلام .
ثم تمضي النغمة بطيئة، مترفة تعبر عباب الروح وكأنها تعرف أن الشجن لا يكتمل إلا بمواصلته وموافاته لعزف الوتر .
وهكذا .. فهو يعزف ذاك الجزء الخفي من الأنسان، الجزء النقي الذي ظل قادراً على الدهشة رغم الانطفاء حاملاً آثار عابريه كما تحمل الأشجار دوائر أعمارها وبوصفه كائناً وجودياً .
وحين تسكت آخر نغمة، يبدأ اكثر مافي الموسيقى غموضاً:يبقى شيء منها حيث لا صوت كان ينقصه فقط .. وتر يمر عليه

قد يعجبك ايضا