د. أميمة منير جادو
من مساءلة العصيان إلى فيض المحبة
تمهيد
تكشف القصائد الأربع التي بين أيدينا للشاعر محمد عصفور عن حضور واضح للمنحى الديني والوجداني في تجربته الشعرية، مع اقتراب ملحوظ من الحس الصوفي الذي يجعل العلاقة بالله ورسوله ﷺ محورًا للتأمل والتعبير. وإذا كانت بعض قصائده تتجه إلى المجال الوطني والاجتماعي، فإن البعد الديني يبدو مكوّنًا أصيلًا في رؤيته، لا موضوعًا عابرًا تفرضه المناسبة. وتتوزع هذه المجموعة بين خطابين متكاملين: خطاب يتجه إلى الإنسان والجماعة، فيحاسبها على ابتعادها عن أمر الله وشرعه، كما في قصيدة «أين أمر الله فينا»، وخطاب وجداني روحاني يحتفي بالنبي ﷺ، ويجعل الصلاة عليه والنور والهداية والمحبة سبلًا للارتقاء الروحي، كما في «صدق»، و«أيا يوم تمنينا تباهى»، و«الصلاة عطاء».
ومن هنا تبدو المجموعة وكأنها تتحرك في مسار دلالي متدرج: من سؤال الغياب إلى استعادة الحضور، ومن مساءلة العصيان إلى التوبة، ومن التوبة إلى المحبة، ومن المحبة إلى التعلق بالنبي ﷺ والرجاء في الشفاعة. ولا ينبغي، في هذا السياق، النظر إلى هذه النصوص بوصفها شعرًا دينيًا وعظيًا فحسب؛ إذ تتداخل فيها عناصر وجدانية وصوفية وإيقاعية وصورية، وإن كانت درجة التوفيق الفني بينها تختلف من قصيدة إلى أخرى.
أولًا: الشعر الديني بين الوعظ والتجربة الوجدانية:
تتميز القصائد الدينية عند محمد عصفور بأنها لا تقف عند حدود تقرير العقيدة أو إيراد المعنى الديني بصورة تعليمية، وإنما تحاول تحويل المعنى إلى حالة شعورية. ففي «أين أمر الله فينا» لا يبدأ الشاعر بحقيقة مقررة، وإنما بسؤال:
«أَيْنَ أَمْرُ اللهِ فِينَا
أَيْنَ شَرْعُ اللهِ مِنَّا؟!»
والاستفهام هنا ليس استفهامًا حقيقيًا ينتظر جوابًا، وإنما هو استفهام إنكاري يحمل معنى المحاسبة والعتاب. إن الشاعر يستشعر غياب أثر الشرع في واقع الإنسان، فيضع الذات والجماعة أمام مرآة أخلاقية قاسية. وهنا تبرز سمة مهمة في تجربة الشاعر، هي أنه لا ينصب نفسه واعظًا يقف خارج الجماعة، بل يدخل معها في دائرة المسؤولية من خلال ضمير الجمع:
«قُلْنَا لِلَّهِ تَعَالَى
لَنْ نُطِيعَ الأَمْرَ خُنَّا»
ثم:
«قَدْ جَحَدْنَا بَلْ كَفَرْنَا»
ثم:
«لَمْ نَتُبْ يَوْمًا وَعُدْنَا
بَلْ عَلَى العِصْيَانِ دُمْنَا»
وهذا الاستخدام الكثيف لضمير الجمع يخفف من سلطة الخطاب الوعظي المباشر؛ فالشاعر لا يقول «أنتم»، وإنما يقول «نحن». وبذلك تتحول القصيدة من إدانة للآخر إلى اعتراف جمعي بالمسؤولية.
ثانيًا: «أين أمر الله فينا»… من سؤال الغياب إلى الرجاء في العودة:
تقوم القصيدة على بنية واضحة تبدأ بالسؤال وتنتهي بالأمل.
فبعد تشخيص حالة العصيان والجحود، ينتقل الشاعر إلى التمني:
«لَيْتَنَا لِلشَّرْعِ عُدْنَا
لِلْحُدُودِ بِهِ امْتَثَلْنَا»
وهنا يتحول النص من المساءلة إلى التوبة، ومن تسجيل الأزمة إلى البحث عن مخرج منها. وتبلغ القصيدة ذروتها في خاتمتها:
«مَا تَسَيَّدَنَا الأَعَادِي
مَا تَخَلَّى اللهُ عَنَّا»
فالنهاية لا تستسلم لليأس، وإنما تستعيد فكرة الرجاء. وهذا يجعل البناء الدلالي للقصيدة قائمًا على حركة:
عصيان ← إدراك الخطأ ← ندم ← رغبة في العودة ← رجاء. ومن ثم فإن القيمة الأساسية في النص ليست مجرد الدعوة إلى الالتزام، وإنما إعادة فتح باب الأمل بعد الاعتراف بالسقوط. ومع ذلك، فإن القصيدة تميل بوضوح إلى المباشرة والتقرير، وهو ما يجعل قوتها الأساسية في صدق الانفعال ووضوح الرسالة، أكثر من اعتمادها على الرمز أو الصورة المركبة.
ثالثًا: «صدق»… الانتقال من الخطاب الديني إلى المناجاة:
إذا كانت «أين أمر الله فينا» قصيدة ذات بعد اجتماعي وأخلاقي، فإن «صدق» أكثر انفتاحًا على التجربة الروحية. فمنذ المطلع:
«صِدْقٌ إِنْ كُنْتَ لَا تُصَدِّقْ
أَنِّي أَرَاكَ اللهُ حَدِّقْ»
ينفتح النص على خطاب ذاتي تأملي، ثم تتوالى مظاهر القدرة الإلهية:
«فَلَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ
وَلَيْسَ غَيْرُ اللهِ أَصْدَقُ»
ثم يتكرر الفعل الروحي «سَبَّحَ» وما يتصل به في قوله:
«فَسُبْحَانَ مَنْ لِلْمَيِّتِ يُحْيِي
وَسُبْحَانَ مَنْ لِلْحَيِّ يُزْهِقُ»
والتكرار هنا يؤدي وظيفة تتجاوز الإيقاع؛ فهو يستحضر إيقاع الذكر والتسبيح، ويجعل القصيدة أقرب إلى المناجاة منها إلى الخطاب الشعري التقليدي. وتظهر في القصيدة ثنائيات متكررة:
الموت والحياة، النور والغروب، السر والجهر، الجهاد والاعتياد، الوصول والبعد. وهذه الثنائيات تمنح النص بنيته الفكرية، وتكشف عن محاولة الشاعر الانتقال بالإنسان من ظاهر الحياة إلى باطنها.
رابعًا: «أيا يوم تمنينا تباهى» … المولد النبوي بوصفه لحظة كونية:
في هذه القصيدة يتسع المجال الشعري من التجربة الفردية إلى الاحتفال الكوني بالمولد النبوي. يقول الشاعر:
«أَيَا يَوْمَ تَمَنَّيْنَا تَبَاهَى
عَلَى أَرْضٍ تَمَنَّتْهَا سَمَاهَا»
ثم يستدعي الملائكة والنور والمصطفى ﷺ:
«تَنَزَّلَتِ المَلَائِكَةُ الكِرَامُ
لِمَوْلُودٍ تَمَنَّتْهُ رُبَاهَا»
ويتحول ميلاد النبي في المخيال الشعري إلى حدث يتجاوز حدود المكان والزمان، حتى تبدو الطبيعة نفسها مشاركة في الاحتفال:
«وَمَوْجُ البَحْرِ يَسْمَعُهُ فَيَعْلُو
يُكَبِّرُ بِالشَّهَادَةِ إِذْ يَرَاهَا»
ثم:
«وَيَرْكَعُ سَاجِدًا بِالشَّطِّ حَتَّى
بِذَرَّاتِ الرِّمَالِ يَضِجُّ فَاهَا»
وهنا تتجلى إحدى السمات الأبرز في شعر عصفور: تشخيص عناصر الطبيعة وإدخالها في التجربة الروحية. فالبحر يسمع ويكبر، والرمال تضج، والزهور تفوح، والسحب والبرق والرعد تشارك في الفرح. والطبيعة عند الشاعر ليست خلفية للمشهد، وإنما تصبح كائنًا حيًا يتفاعل مع المقدس. وهذه من أكثر التقنيات الشعرية وضوحًا في هذه المجموعة.
خامسًا: «الصلاة عطاء» … حين تتحول الصلاة على النبي إلى طاقة كونية
تبلغ النزعة الوجدانية والصوفية ذروتها في «الصلاة عطاء»، التي يقوم بناؤها على فكرة مركزية هي أن الصلاة على النبي ﷺ ليست مجرد قول باللسان، وإنما عطاء ونور وسعادة وبركة. يبدأ الشاعر:
«إِنَّ الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ عَطَاءُ
يَكْفِيكَ مِنْهَا وَجْهُكَ الوَضَّاءُ»
ثم يجعل أثر الصلاة ممتدًا إلى القلوب والحروف والطبيعة:
«كَمْ مِنْ قُلُوبٍ بِالصَّلَاةِ تَلَأْلَأَتْ
أَنَّى مَضَوْا أَصْحَابُهَا وَأَضَاءُوا»
ثم ينتقل إلى الحروف ذاتها:
«كُلُّ الحُرُوفِ تَوَضَّأَتْ بِمُحَمَّدٍ
حَتَّى الَّتِي لَيْسَتْ بِهَا أَسْمَاءُ»
وهي صورة لافتة؛ إذ يمنح الشاعر الحروف صفات الكائن الحي الذي يتطهر ويتوضأ. ثم تتسع دائرة التشخيص:
«أَنَّى مَشَيْتُ أَضَاءَتْ حَتَّى إِنَّهُ
صَلَّتْ عَلَيْكَ اللَّيْلَةُ الظَّلْمَاءُ»
والليل هنا يتحول من حالة حسية إلى كائن قادر على الصلاة. ثم البحر:
«أَنَّى ذَكَرْتُ البَحْرَ غَنَّى مَوْجُهُ
وَتَهَلَّلَ المَوْجُ سَعَتْ أَنْوَاءُ»
ثم:
«سَجَدَتْ عَلَى الشَّطْآنِ أَمْوَاجٌ لَهُ
شُكْرًا يُصَلِّي بَحْرُهَا المَعْطَاءُ»
وهكذا تصبح الطبيعة كلها في حالة ذكر وصلاة وتسبيح. وهذا التصور هو أقرب المواضع في المجموعة إلى الحس الصوفي؛ إذ لا يعود الإنسان وحده هو العابد، وإنما يتسع المشهد ليشمل البحر والموج والسحاب والمطر والأنهار.
سادسًا: النور… الرمز الأكثر حضورًا
النور هو أحد المفاتيح المهمة لقراءة هذه المجموعة. فهو حاضر صراحة في «صدق»:
«وَسُبْحَانَ مَنْ بِالنُّورِ يَهْدِي
وَبِالنُّورِ لِلْمَأْمُولِ يَلْحَقُ»
ويظهر كذلك في «الصلاة عطاء» من خلال الإضاءة التي تحدثها الصلاة في القلب والطريق والطبيعة. والنور عند الشاعر يتجاوز مدلوله الحسي إلى دلالات: الهداية، الطهارة، المحبة، المعرفة، الرجاء، والقرب. وبذلك يمكن القول إن الشاعر يبني عالمه الديني على معجم نوراني واضح، يقابله في القصائد معجم آخر للظلمة والعصيان والبعد.
سابعًا: حضور الرسول ﷺ… من المحبة إلى الرجاء في الشفاعة
لا يظهر النبي ﷺ في القصائد بوصفه شخصية تاريخية فحسب، وإنما بوصفه مركزًا وجدانيًا وروحيًا. في «أيا يوم تمنينا تباهى» يقول:
«هُوَ المَحْبُوبُ لِلَّهِ تَعَالَى
إِلَيْهِ الوَحْيُ شَوْقًا قَدْ تَنَاهَى»
وفي «الصلاة عطاء» يصبح ذكر النبي والصلاة عليه طريقًا إلى السعادة:
«إِنَّ الصَّلَاةَ عَلَى الحَبِيبِ سَعَادَةٌ
بِهَا فَازَ كُلُّ المُشْتَاقِينَ وَبَاؤُوا»
ثم ينتقل الشاعر إلى الرجاء الأخروي:
«فَاجْعَلْ صَلَاتَنَا لِلشَّفَاعَةِ قُرْبَةً
إِذْ لَيْسَ غَيْرَ المُصْطَفَى شُفَعَاءُ»
وبذلك يتشكل مثلث واضح في تجربة الشاعر: الله ← الرسول ﷺ ← الإنسان المؤمن. والصلاة على النبي تصبح في هذا السياق جسرًا وجدانيًا بين الإنسان ومصدر الهداية.
ثامنًا: الطبيعة في الشعر الديني عند محمد عصفور
من أبرز الظواهر الفنية في القصائد الثلاث ذات الطابع الروحي كثافة حضور الطبيعة. فالزهور، والبحر، والموج، والرمال، والسحب، والبرق، والرعد، والمطر، والأنهار، تتحول جميعها إلى عناصر مشاركة في التجربة الإيمانية. وفي «الصلاة عطاء» يبلغ هذا التشخيص مداه:
«وَتَجَمَّعَتْ سُحُبُ الغَمَامِ يَزُفُّهَا
بَرْقٌ وَرَعْدٌ تَعْشَقُ الصَّحْرَاءُ»
ثم:
«وَانْسَابَتِ الأَنْهَارُ تَصْدِيقًا لَكَ
بِصَلَاتِهَا تَجْرِي وَعَمَّ رَخَاءُ»
فالمشهد الطبيعي يتحول إلى مسرح كوني للذكر. وهذا من العناصر التي تمنح شعر عصفور خصوصيته؛ لأنه لا يحصر التجربة الدينية في الإنسان، وإنما يسقط أثرها على الكون كله.
تاسعًا: اللغة بين العامية والفصحى
رغم تقديم هذه النصوص في إطار الشعر العامي، فإن اللغة المستخدمة تكشف عن تداخل قوي بين العامية والفصحى. فالقصائد تستند إلى ألفاظ وتراكيب فصيحة واضحة، مثل: «سُبْحَانَ مَنْ» – «لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ» – «المُصْطَفَى» – «الشَّفَاعَة» – «الكَوْثَر» – «المَلَائِكَة» – «الوَحْي» – «الزَّهْر» – «الأَنْهَار».
ولهذا فإن تصنيفها بوصفها «عامية» لا ينبغي أن يحجب طبيعتها اللغوية المركبة. فالشاعر يتحرك في مساحة بين إيقاع الشعر العامي والمفردة الفصيحة ذات الحمولة الدينية والتراثية. وهذا الاختيار مفهوم من ناحية الموضوع؛ فاللغة الفصيحة تمنح التجربة الدينية قدرًا من الجلال، بينما يسمح الإيقاع العامي للشاعر بالاقتراب من المتلقي والحفاظ على سهولة الإنشاد والتلقي.
عاشرًا: الإيقاع والقافية
يعتمد عصفور في هذه النصوص على القافية الموحدة أو شبه الموحدة، مع كثرة التكرار والموازنة بين الأشطر. ومن ذلك:
«أَيْنَ أَمْرُ اللهِ فِينَا
أَيْنَ شَرْعُ اللهِ مِنَّا»
وفي «الصلاة عطاء» تتكرر القافية ذات النهاية الواو والهمزة في عدد كبير من الأبيات، وهو ما يمنح النص تماسكًا إنشاديًا يتناسب مع طبيعة القصيدة الدينية والمدائحية. والإيقاع هنا ليس مجرد عنصر موسيقي؛ فهو جزء من الوظيفة الروحية للنص، إذ يجعل القصائد قابلة للإنشاد الجماعي، وهو ملمح مهم في الشعر الديني والمديح النبوي.
حادي عشر: بين قوة التجربة ومآخذها الفنية
من الإنصاف النقدي ألا نكتفي برصد القيم الدينية والوجدانية، بل ينبغي الفصل بين قوة الفكرة ودرجة تحققها شعريًا. وأبرز ما يميز النصوص هو صدق الانفعال، ووضوح الرؤية، وحرارة المحبة، وكثافة المعجم الديني، والقدرة على تحويل الطبيعة إلى شريك في التجربة الروحية. لكن في المقابل، تضعف بعض المواضع بسبب الميل إلى المباشرة، أو ضغط المعنى داخل القافية، فتبدو بعض التراكيب أقل إحكامًا من غيرها. كما أن بعض الصور تتجاور دون أن تتطور دائمًا إلى بناء شعري مركب.
وهذا لا ينتقص من التجربة الدينية نفسها، وإنما يفرق بين جمال المعنى الإيماني وبين درجة نجاح الصياغة الشعرية في حمل هذا المعنى. ولعل هذا هو الفارق الأبرز بين القصائد الأربع: فـ«أين أمر الله فينا» أقوى في الخطاب والمساءلة الاجتماعية، بينما «صدق» أعمق في التأمل الروحي، و«أيا يوم تمنينا تباهى» أكثر احتفاءً بـالمشهد الكوني للمولد النبوي، في حين تبدو «الصلاة عطاء» أكثرها اكتمالًا في بناء عالم يجعل الصلاة على النبي محورًا لتفاعل الإنسان والطبيعة والكون.
خاتمة
تكشف هذه المجموعة عن شاعر يستند في تجربته الدينية إلى رؤية واضحة تقوم على الإيمان والمحبة والتوبة والهداية والرجاء، ويتخذ من الرسول ﷺ مركزًا وجدانيًا تتصل به معاني النور والبركة والشفاعة. وإذا كانت «أين أمر الله فينا» تبدأ بالسؤال: «أَيْنَ أَمْرُ اللهِ فِينَا؟» فإن بقية القصائد تقدم، بصورة أو بأخرى، الإجابة التي يبحث عنها هذا السؤال: العودة إلى الله، والتعلق برسوله ﷺ، والصلاة عليه، واستعادة النور.
ومن هنا يمكن قراءة المجموعة كلها بوصفها حركة روحية تبدأ من الإحساس بالابتعاد، ثم تمر عبر المحاسبة والتوبة، لتصل إلى المحبة والرجاء. وهذه الحركة هي التي تمنح شعر محمد عصفور الديني خصوصيته الأساسية؛ فهو لا يتعامل مع الدين بوصفه مجموعة أحكام مجردة، وإنما بوصفه حالة وجدانية شاملة تتسع للإنسان والطبيعة والكون.
ولذلك فإن أبرز ما يلفت في هذه التجربة هو أن الشاعر لا يجعل الطبيعة صامتة أمام المقدس؛ فالبحر عنده يكبّر، والموج يتهلل، والرمال تضج، والليل يصلي، والأنهار تجري وهي تحمل معنى الصلاة. وهنا تقترب التجربة من الحس الصوفي الذي يرى في الكون كله علامة على القدرة الإلهية ومجالًا للتسبيح.
ومن ثم يمكن القول إن محمد عصفور يكتب في هذه النصوص شعرًا دينيًا وجدانيًا تتخلله ملامح صوفية واضحة، ويتراوح فنيًا بين المباشرة الوعظية من ناحية، والتصوير الرمزي وتشخيص الطبيعة من ناحية أخرى؛ وبينما تحتاج بعض المواضع إلى مزيد من الصقل اللغوي والإحكام الفني، فإن وحدة التجربة وصدق الانفعال يمنحان هذه القصائد ملمحًا خاصًا داخل تجربته الشعرية.