محمد سعيد الطريحي (صاحب موسوعة الموسم)
الأصول الاولى
«آل شبر» من البيوتات الشهيرة في العراق، عُرفت فيه منذ قرون عديدة بالسيادة والفضل، “ومن مزايا هذا البيت أنه احتفظ كما احتفظ الكثير من بيوتات السادة العلويين ــ بمزايا عُرف بها العلويون وخُصوا بها حتى انفرد الذين حافظوا منهم على تقاليدهم وعاداتهم بفضائلها بين جميع الأسر العربية وغير العربية وهي مزايا كانوا يرثونها عن طريق البيت والأسرة والنشأة الخاصة فيشبُّ الكثير منهم وهم أباة للضيم صبورون على المحاسن والمكاره، كرماء يجودون بما ملكت أيديهم، ويعفون عند المقدرة ويتمسكون بدينهم وذممهم ولهم من الشجاعة ما يحفظون بها كرامتهم ويترفعون عن الكذب، ما داموا محافظين على تلك التقاليد والعادات والسنن التي تلقوها من آبائهم الأوائل”
وتصل سلسلة نسبها الى الإمام علي بن طالب عليه السلام . وقد نزحت منذ القدم، من موطنها الأصلي «الحجاز» في عصر من عصور الاضطهاد، يقول السمعاني المتوفى سنة «٥٦٢ هـ / ١١٦٦م» في ترجمة أحد أجداد آل شبر الأوائل وهو الشريف حمزة بن العباس العلوي الحسيني ـ وهو من أساتذة السمعاني وشيوخه: «سید حسن السيرة ، ورع ، جميل الأمر ، مشهور في بلده عند الخواص والعوام ، عفيف ، وكان شيخ الصوفية ، ومقدمهم ، عمر العمر الطويل ، وسمع منه الناس ، ورحلوا إليه . »، ثم انتقلت الأسرة إلى العراق وسكنت مدينة الحلة في أواخر الدولة الأسدية المزيدية «قبل سنة ٥٤٥ هـ / ١١٥٠ م»، واحتل آل شبر في هذه المدينة مكانة كبيرة في قلوب أبنائها، وممن أشار إلى وجودها في الحلة وسورا وضواحيها ابن عنبة الحسيني، وعلى أغلب الظن أن ـ سورا – هذه ضمن موقع مدينة القاسم الحالية – قرب الهاشمية – من توابع محافظة بابل) . وتفرَّق بعضهم فيما بعد فمنهم من آثر البقاء في الحلة، ومنهم من سكن «الكاظمية» قرب بغداد. أو نزح إلى النجف الأشرف. أما سبب التسمية بِشُبَّر ((أول من لقب بهذا اللقب (شبر) هو الحسن سبط رسول الله – ص – واعتاد كثير من الناس على تلقيب من اسمه حسن بهذا اللقب تيمناً باسم الحسن السبط – ع -)) ، ومن معاني شبر : الخير والعطاء والجود ) .فهو لقب لجدها الكبير السيد الحسن ابن الشريف محمد بن أبي حمزة (الملقب بُرْطُلَّه بن العباس بن علي بن الحسين بن علي بن عمر بن الحسن الأفطس بن علي بن الإمام الحسين بن الإمام علي بن أبي طالب. وتخرج من هذه الأصول، صفوة من العلماء والأدباء وأهل التقوى والصلاح، ولهم ذكر مبسوط في كثير من الكتب والموسوعات، غير أن «السيد عبد الله شبر» استحوذ ذكره على بقية أعلام الأسرة ورجالاتها ولمع نجمه واشتهر أمره ، وبلغ صيته الآفاق الواسعة، ورزقه الله من العلم والمعرفة الشيء الكثير وما تزال الأجيال ترفد منـه وتنتهل من معينه الثر رغم مضي ما يزيد على قرنين من الزمان على وفاته)). [محمد سعيد الطريحي: «مخطوطات المدرسة الشبرية في النجف الأشرف» موسوعة الموسم 1/178-179 (1989م)].

السيد عباس شبر صورة (أرشيف الموسم) من عام 1943
[أرى من الضروري هنا الاشارة الى أن هناك اسرة هاشمية شريفة أخرى شهيرة بنفس اللقب، يرجع عمود نسبها الى الامام موسى الكاظم عليه السلام ومنها الوجيه السيد شبر موسى آل شبر (ت1970) وأخوه السيد هادي آل شبر والد الدكتور كاظم شبر (صاحب مستشفى ابن سينا) وأما اسرة المُتَرجم له فهي حسينية وليست موسوية كما أشرنا].
نشأته العامة
العلامة الفقيه الكبير، والقاضي المجتهد العادل، والأديب الجامع للفضائل والشاعر المُجيد المبدع الألمعي السيَّد عبَّاس شُبَّر (1905-1971م). ابن السيد محمد (1272-1346هـ/1856-1928م) بن جعفر السيد جعفر بن العلامة الشهير السيد عبد الله شبر(1188هـ 1242 هـ) الحسيني.
وُلد يوم 19 ذي الحجة سنة 1322 الموافق 24 شباط 1905م، في البصرة، ونشأ فيها حيث أخذ مقدمات العلوم عن أبيه، حتى اذا اشتدّ عوده هاجر الى النجف الأشرف، ومكث فيها سنين عدّة عكف فيها على دراسة العلوم العربية والدينية حتى بلغ فيها مكانة محمودة أثنى عليه فيها عدد من علماء ومراجع عصره، وبعد وفاة والده عاد إلى البصرة ؛ وقام بمقام أبيه، فأصبحتْ داره بالبصرة مكاناً لانعقاد النَّدوات العلمية والأدبية، وفيها يجتمع العلماء والأدباء للتباحث في الشُّؤون العلميَّة والأدبيَّة، إضافة الى ما كان يقوم به من مهام الارشاد والدعوة والإصلاح في المجتمع البصري، وبهمتّه ورعايته تأسس (منتدى النشر) في البصرة. ثم تولَّى منصب القاضي الجعفري في المحكمة الجعفريَّةِ في البصرة، فكان مثالاً حيّاً للعدالة والحكمة.
دواوينه ومؤلفاته
1- ديوان (جواهر وصور). وهو القسم المختص بالرباعيات والثنائيات من شعره
2- ديوان (الموشور).
ومما لم يطبع من دواوينه:
1- الأنفاس المحترقة: ويحتوي على شعره الاجتماعي.
2- خوالج النفس: ضم شعره الخاص المتضمن لخواطره وما كان ينظمه من أفكار تصور ما كان يمرّ به في حياته اليومية من الآلام والآمال.
ومن كتبه ونتاجه:
1- كتاب جامع الأنوار وكاشف الأسرار – في الأدعية يقع في جزئين. (مخطوط لدى حفيده الأستاذ السيد بهاء أحمد نور الدين في البصرة).
2- سمط الجوهر في أحوال آل شبر (مخطوط) اطلعني عليه العلامة الشهيد السيد جواد آل شبر عام 1977م.
3- نشرت له امهات المجلات النجفية أدباً كثيرا منها: مجلة الاعتدال والهاتف والغري والبيان وغيرها.
مكتبته
أهدى مكتبته النفيسة الى المدرسة الشبرية في النجف الأشرف، وكان بضمنها مخطوطات نفيسة، وقد قمتُ بفهرسة عموم ما تتضمنه المكتبة من المخطوطات عام 1977 بطلب العلامة السيد الجواد آل شبر، أما ما بقي من الكتب والأوراق والوثائق الخاصة بالسيد عباس آل شبر فقد انتقلت – بعد وفاته – الى مكتبة ولده الشهيد السيِّد عصام شُبَّر، والتي نُهبت وفقدت على اثر مداهمة أفراد الأمن الذين استباحوا داره آنذاك عام 1974 خلال فترة سجنه واستشهاده رضوان الله عليه.
شقيقه السيّد عبد الصاحب شبر
كان من الفضلاء الأعلام، والأُدباء الشعراء ومن تصانيفه: كتاب (الفوائد الشبَّريَّة في الأسماء الحسنى والأعمال الروحانيَّة)، ولد في البصرة وتدرّج في الدراسة الحوزوية، فأخذ المُقدِّمات من والده حتى وصل إلى مرتبة الاجتهاد، ثُمَّ اختير للتوجيه والإرشاد وإمامة الجماعة في الزبير والشعيبة وأبي الخصيب. توفي في 17 جمادي الثاني 1368هـ. ومن كتبه المخطوطة التي اطلعتُ عليها: مجموع في الحكايات والأدبيات والنوادر ابتدأ بكتابته في 23 شوال 1366هـ/الموافق 9 سبتمبر 1947م ولم يكمله.(عرَّفتُ بهذا الكتاب في موسوعة الموسم – المجلد الأول (1989) ص 239)، وكان رحمه الله شاعراً ومن شعره (رحمه الله) هذه الرباعيات:
في الكون أعلو بفكري
طوراً وأهبط واد
فكم عثرت وربي
بما أمضَّ فؤادي
يا عالم الأفق إني
أراك لي خير هاد
زججت نحوك روحي
شوقاً بهذا السواد
أبناء السيد عبَّاس شـُبَّر
1-السيّد محمد نعيم الدين: ولد في البصرة في 5 رجب 1348هـ (1928م)، وفيها أكمل دراسته الأكاديميَّة، ثُمَّ توجَّه إلى دراسة العلوم الدينيَّة، فدرس على يدَي والده السيد عبَّاس شُبَّر في البصرة، فأقبل بعد ذلك على دراسة العلوم الشَّرعيَّة إقبالاً عجيباً، حتى اختير لتولِّي الإمامة والإرشاد في منطقة الشِّعيبة في قضاء الزبير وكذلك في قضاء أبي الخصيب. وتوفي إثر مرض عضال بتاريخ 3 /شعبان /1384 هـ، الموافق 18 /4 /1960م. ودفن في الصحن الحيدري الشريف، غرفة رقم (13). رثاه والده بقصيدة عصماء أولها:
رثاؤُكَ أَمْ قَلْبُ يَذُوبُ وَأَدْمعُ
وانْشُودَةٌ أَمْ مُهْجَةٌ تَتَقَطَّعُ
قواف وَمَا بِنْتُ الْهَدِيلِ بِنُوحِها
تُؤدِّي مَعَانِيهـا عَشِيَّةَ تَسْجَعُ
ستبقى عَلى مَرَّ اللَّيالي ثَوَاكلاً
تجاوبها الأَجْبَالُ وَالدَّهْرُ يَسمع
فَفِي كُلِّ بَيْتِ مَأْتَمُ لَيْسَ يَنْتَهِي
وفي كُلِّ مِصْرَاع دموع ومصرع
هُوَ الْمَوْتُ مَا مِنْهُ مَفَرُّ لِهَارِب
وَهَلْ هَرَبِي يَوْماً مِنَ اللَّيْلِ يَنْفَعُ
2- السيِّد عصام شُبَّر: ولد الشَّهيد السيِّد عصام زكي الدين شبر في البصرة سنة (1948م)، ودرس في مدارسها الأكاديميَّة وكان متفوّقاً على أقرانه، فأتمَّ دراسته الثّانوية في إعدادية التَّقدّم، ثُمَّ اختاره والده لدراسة العلوم الدينيَّة بعد وفاة أخيه السيد نعيم الدين، فدرس المُقدِّمات على يدي والده في البصرة، والتحق بعدها بكليَّة الفقه في النجف الأشرف سنة (1966م)، وانتمى إلى المدرسة الشُبَّريَّة في النجف الأشرف، ثُمَّ تخرَّج في كليَّة الفقه بامتياز سنة (1974م)، وانتقل بعدها إلى دراسة البحث الخارج، وبعد سنوات من البحث الخارج عاد إلى البصرة، وصار إمام المسجد المسمّى باسمهِ حالياً في منطقة (السّيمر) في البصرة القديمة، وأخذ يقوم بواجباته الدينيَّة والإرشاديَّة؛ وبسبب تدينه وأخلاقه الكريمة وتواضعه كسب السيد عصام نفوس الشباب وحبَّهم له. اغتاله النظام العراقي في نهاية الثمانينيات.
3-السيد أحمد نور الدين شبر: ولد السيد أحمد نور الدين شُبَّر في البصرة سنة (1935م)، وتدرَّج في التعليم الأكاديمي حتى قُبل في كلية الطب بألمانيا، إلَّا أنَّ والده السيِّد عبَّاس أراده أنْ يكون مُعلِّماً لا طبيباً، فامتثل السيد نور الدين لأمر والده وصار معلماً. وبعد استشهاد السيد عصام شُبَّر أُغلق المسجد، بسبب تعرُّضه لأضرار كبيرة جرَّاء القصف المدفعي في الحرب العراقية الإيرانية، فقام السيد نور الدين بإعادة بناء المسجد وتوسعته، فضلاً عن أعمال أخرى، وأصبح السيد أحمد نور الدين محل ثقة الامام السيد أبو القاسم الخوئي، ووكيل آية الله العظمى السيد عبد الأعلى السبزواري، وآية الله العظمى السيد علي السيستاني.

السيد عباس شبر وابن عمه السيد الشهيد جواد شبر
صفاته ومزاياه
وصفه العلامة السيد جواد شبر وكان من أعرف الناس به: ((الفقيه الاديب السيد عباس شبر حسنة من حسنات الدهر ونابغة من نوابغ العصر ووجه ناصع من وجوه الكمال، لازمته بحكم صلة القرابة وامتزجت به روحياً وكان يعظم في عيني كلما ازددت ويسخر من هذه الحياة التي يتطاحن الناس على زبارجها وزخارفها ويبتعد كل الابتعاد عن المطامع والتصنع ويندد بالمرائين والمدلِّسين وكان البعض يحسبه مترفعا غير مبال بالكرامات، وانما كان يرى لنفسها قيمتها ويحفظ لها كرامتها فما عرف عنه الا الاباء والعزة، عانى من شظف العيش ومرارة الحياة وآلام المجتمع شيئا كثيرا وهو صلب الارادة قوي العزيمة تتمثل فيه صفة المؤمن الكامل وحتى لو اقتسم الناس الدنيا لما التفت اليهم))
توليه القضاء
تولَّى منصب القضاء الشرعي بعد إلحاح كثير من عارفيه ومقدِّري فضله وحتى ألزمه المرجع الديني الاعلى السيد ابو الحسن الاصفهاني فتولى القضاء في العمارة أولا ثم في البصرة فبغداد فكان المثال الرائع للنزاهة فلم ينتقض له حكم قط طيلة اثنتي عشرة سنة ولم يغير المنصب منه شيئا، ملتزما بأوامر الشرع الشريف متثبتا كل التثبت مراعيا أحكام الله والشريعة وعُرف عنه انه يحرص كل الحرص على حلِّ الخصومات صلحية اكثر منها تنفيذية لقد ألزم نفسه ان لا يجلس للقضاء بين الناس الا وهو على وضوء داعياً ربه أن يهديه للصواب.
كرم منقطع النظير
كان من أبرز صفاته، وكرم النفس الذي قلَّ من تحلى به أمثاله في مثل هذه الأيام، جربته في البصرة والعمارة غير مرة فلم أجد ما يشجع على استجابة دعوته لما كان يكلف نفسه من إعداد وسائل الراحة ويبالغ في دعوة الأدباء والأصدقاء تكريماً لضيفه، ويسخو سخاء جنونياً في سعة مائدته وألوانها، ولكنني كنت مضطراً لانتهاز بعض الفرص من الأعياد بصحبة أهل بيتي الذين صار لهم بأهل بيته اتصال روحي عميق لقضاء بعض الأيام مأنوسين بهم على رغم برمنا بما كانوا يكلفون أنفسهم من مشقة، وينفقون من مجهود في سبيل راحتنا.
شعره وشاعريته
يعد الغالب من شعر العلامة السيد عباس شبّر (رحمه الله) من الطبقة الأولى قياساً بالنتاج الشعري المواكب للفحول من شعراء النجف المجلّين المرموقين، ومن المؤكد أن لنشأته النجفية وتحصيله العلمي في حوزتها المجيدة، الأثر البالغ في نبوغه ثم أنه تفرّد بكونه الشعري الخاص به، والذي ملئه بصور وخيالات ملهَمة وفلسفات مُوحية وإبداعات مبتكرة، وكان محل إعجاب الشاعر المهجري إيليا أبو ماضي، كما يكفي أن نعدّ من تلامذته وحضّار مجلسه الأدبي في البصرة الشاعر بدر شاكر السياب الذي كان يرمق أستاذ الشبَّري بعين الاعجاب والتجلَّة وهو مَن أطلق عليه لقب (شاعر الإنسانية).
حرص العلامة الخطيب السيد جواد شبر على نشر تراثه الشعري بتحقيقه لديوانين من شعر السيد عباس شبر وهما: جواهر وصور، والموشور. وقد قدّم لكليهما الأستاذ جعفر الخليلي، (والأستاذ الخليلي والسيد جواد شبر هما أهم كاتبان وأديبان اهتما بنتاج شاعرنا ولولاهما لضاعت علينا معظم أخباره وأكثر شعره وعليهما وعلى أرشيفه المجموع لدينا اعتمدت أكثر ما اعتمدت في ترجمته).

السيد عباس شبر مع عدد من المسؤولين وأعيان مدينة البصرة في احدى المناسبات
فما كتبه السيد جواد شبر في وصف شعره بقوله : ((حزمة من عواطف ثائرة وتجارب قيمة، تكشف عن روح. حساسة وعقلية خبرت معالم الحياة وأشبعتها درساً ومعرفة ، حتى استخلصت من بينها هذه الاضمامة الفواحة من الحكم والتجارب الحية. واذا صح أن الشعر مرآة تعكس نفسية صاحبه بما فيها من رفعة وسمو، او خسة ودناءة فإن شعر صاحبنا أصدق مرآة لنفسيته بما وهبت من عبقرية فذة، وخلق رفيع بالإضافة الى ما عكسته من أوضاع بيئته ومجتمعه. لقد قرأنا منذ نيِّف وعشرين عاماً في أمهات الصحف والمجلات (للعلامة شبر) رباعيات ونتفاً، كنا نتلقاها بشيء كثير من الاعجاب ، كما قرأنا له الكثير من الموشحات والقصائد الطوال الرائعة ، وكم كنا نود أن نراها مجموعة في ديوان، وكلما كررنا عليه الطلب بنشرها قابلنا ببسمة نقرأ من ورائها قول الفقيه عمارة الشافعي اليماني المشهور:
فليفتخر بالشعر غيري إنه حسب لمثلي ليس بالمحسوب)).
الآثار الفلسفية في شعره
ويشير الخليلي الى أن الكثير من شعره يغلب عليه التأثر بالفلسفات التي أخذها عن اليونانية والعربية مما ترك الكندي وأبي حامد الغزالي وابن رشد وغيرهم إلى جانب إلمامه بالفلسفة الحديثة على حتى يكاد لا يخلو الكثير من قصيده في الطبيعة أو الأدب من دليل، أو إشارة، أو تلميح لأثر من آثار الفلسفة العقلية ممزوجة بعاطفة شعرية مزجاً قوياً جاء على نسق شعر الفحول من الشعراء الحكماء المتقدمين كأبي العلاء المعري وأضرابه ومن هذا اللون من الشعر قوله:
كيمياء الوجود كم فيك فكرنا
وحارت عقولنا استغرابا
فتراب قد استحال عظاماً
وعظام قد استحالت ترابا
من لقوم تضاربوا في خبايا
ضرب الله دونهن حجابا
ردّه على نزار قباني
حين ألقى نزار قباني قصيدته في مؤتمر الأدباء ببغداد عام 1969 ورد فيها البيت التالي الذي أغضب السيد عباس فاعتبر القباني مستهيناً بجراح الحسين التي لم تبلغ نظيرها جراح في التاريخ:
تعارض بالجراح سليل طه
وشتَّان المقاصد والدماء
جراحك يا (نزار) على الغواني
محبّسة وتلعنها السماء
وللإصلاح والدين المفدى
جراحات الحسين وكربلاء
من وحي العزلة
من وحي العزلة عنوان أرجوزة في نحو ثلثمئة بيت نشرتها جريدة الهاتف في أحد أعدادها القصصية التي كان يصدرها الخليلي كل عام، وقد علّق يومذاك بهذه الكلمة في بداية الارجوزة، فقال: «هذه درةٌ لامعة في تاج الشعر، وقصة من أروع القصص الأدبية تنسجها قريحة عالم فقيه، وأديب كبير هو العلامة المعروف السيد عباس شبر، فتصور نفسية شاعر يطلّق الشعر ويهجره ثلاث سنوات ثم يعاوده الشوق والحنين إلى الحياة الأدبية، فإذا بالخواطر تتزاحم في صدره، وإذا بالمعاني تتسابق في ذهنه، وإذا به يندفع إلى الشعر بأرجوزة أقل ما يقال عنها أنها خير حجة لتنفيذ رأي من يزعم الفناء للشعر العراقي، وأقل ما ينتظر لها هو أن يستظهرها الجميع حفظاً، ويحتفظ بها رواة الشعر جيداً احتفاظاً ــ وهذا ما وقع بالفعل وتناقلها الكثير، وأُنشدت غير مرة في مجلس السيد علي بحر العلوم في النجف، وهو مجلس يغصُّ على الدوام بأهل العلم والأدب، كما أُنشدت في مجلس الشيخ قاسم محي الدين عدة مرات ــ فهي قصة أدب لم يسمعنا أدباء الرجز نظيرها منذ قرون بعيدة، نقول ذلك ــ على قول الهاتف ــ ونحن واثقون كل الوثوق بأن هناك من الأدباء من سيقول فيها أكثر مما قلنا ــ وقد قال فيها الأدباء ذلك فعلاً، ونشرت بعض أقوالهم وتعليقاتهم في الهاتف يومذاك ــ وحسبها على كبرها واتساع دائرتها: أنك لا تجد فيها بيتاً نابياً، ولا معنى مبتذلاً، ولا كلمة واهية، وهي أولى قصة واقعية من أدب القصص الحديث ».
مفاضلة بينه وبين المعري
يقول الشاعر السيد محمود الحبوبي «ما قرأت شيئاً من الأدب وذكرت مثلاً من الأمثال، أو قضية من التاريخ العربي والإسلامي إلا وكان السيد عباس شبر يستظهر ذلك ويضيف إليه وينقل لك أصله وفصله وبنصوصه الكاملة».
تعقيباً على قول الحبوبي ينقل الأستاذ جعفر الخليلي كلمة لأحد الكتاب عن الشاعر المعري يقول فيها : «ما أعرف أن العرب نطقت بكلمة ولم يعرفها المعري» يضيف الخليلي ((وأنا لا أقول هذا القول في السيد عباس شبر ولكني أستطيع أن أقول ما يشبههه ولو لحدٍّ ما وأرى الكثير مما قاله المعري عن نفسه حين قال: «ما سمعت شيئاً إلا وحفظته وما حفظت شيئاً فنسيته» ينطبق الكثير منه على السيد عباس شبر.
فلا غرابة اذا كان مثل شعره الجلي الواضح يكون كالموشور من أين نظرت إليه برزت أمامك الفكرة بحقيقتها دون أي التباس أو تعقيد فتحسُّ وأنت تقرأ شعره بأنك أمام شاعر ليس من خصائصه الوضوح وحده وإنما تلمس فيه الشاعر المبدع في نسيج الفكرة المبتكرة والمصور البارع الذي لا يفوته شيء من الخطوط والألوان مهما دقَّت وخفيت وهو بعد ذلك صادق كل الصدق في الإعراب عن مكنونات صدره وأحاسيسه في تركيب يحكي جانباً من الشعر العباسي في رقته، وجانباً من الشعر الصوفي في حكمته وجانباً من الشعر العصري في انسجامه ووحدة موضوعه.
وشاعراً كالسيد عباس الذي جُبل على صفاء النفس، وخالص النية، وأوتي من القدرة في سبك أسمى المعاني والأفكار في قصيدة لأحق بأن يحكي بيئته ومحيطه ويحكي واقعه وإن خرج هذا الواقع على مألوف البيئة وطبيعتها))
جواهر وصور
يقول الأستاذ شاكر علي التكريتي: ( أن “جواهر وصور” الأستاذ عباس شبر كانت بحراً طاغياً أتهيب الخوض فيه، وأنا الذي أجيد السباحة على سواحل الأدب والنقد!
وهكذا كان شعر الأستاذ عباس شبر، معروفاً وجوداً، ونقداً وتحليلاً، ومثلاً وحكمة، وسموَّا بلغ الذروة التي صور فيها الحياة أروع تصوير، فكان المصور الماهر، وكان المعبر المعجز، وكان الحكيم اللبيب)..
ووصف الأستاذ محمد حسين المحتصر شعره بسعة الخيال، وعمق التفكير، ودقة الحس، وسلامة الذوق، وجزالة اللفظ، إن شعره ليس كلاماً مرصوفاً فحسب. إنه قطع من قلبه النابض، ودفقة من دمه الفوار. إنه فلسفة عميقة في أسرار هذا الكون. إنه نفحة قدسية معطرة بأريج الجنات. إنه صرخة الإنسانية المعذبة في وجه الظالم العسوف. إنه صورة طبق الأصل لمآسي وأحلام هذه الحياة.
شاعرية نجفية أو بصرية؟
بعد ان اشتهرت شاعرية السيد عباس شبر وذاعت قصائده في محافل الأدب تنازع المعجبون بشاعريته فمنهم من نسبها إلى معين النجف الشعري الثر؛ ومنهم من اقتصرها على مدينة البصرة، وسواء نُسبت إلى البصرة أو النجف أو إلى غيرهما من المدن فهذه دلالة على تأثيرها في نفوس المتلقين من محبّي شعره.
من شعره
العمائم المستعارة
ومما أنشده عام 1959
إطرحوها عمائماً مستعارهْ
تُبطنُ الكفرَ والهوى والدعارهْ
إطرحوها فما العمائم إلاَّ
شارةُ الدين والتُّقى والطهاره
إطرحوها ما أنتمُ من ذويها
أينَ من طُهرها رؤوس القذاره
عرفَ الناسُ كلَّ ما قد خبأته
تحتها مِنْ عقيدةٍ منهاره
اطرحوها بيضاً وسوداً وإلاَّ
فاصبغوها حمراء كالجلّناره
ليلوحَ الدمُ البريء عليها
وهو يُومي للأنفس الأمّاره
كم أكلتم بها تراثَ اليتامى
وبرعتم في الاحتيال مهاره
كم خدعتم بها عقولَ المسا
كين وسدتم فيهم بغير جداره
إطرحوها فليس تقبل طهراً
ما لكفرٍ عن فطرةٍ كفّاره
نلتُمُ العزّ باسم ربّ البرايا
وجحدتم في خلقه آثاره
فاطرحوها واستبدلوا ما تشا ؤون،
فصوفُ النفاق أبدى احمراره
حظكم من عمائمٍ نصفها الأول
فاستوضحوا دقيق الإشاره
المسبحة
أصبح الدين عندنا اليوم كالسبــ
ــحة يرتاده هواة التشهّي
هي للذكر أُنشئت ونراها
تقتنى عند بعضنا للتلهّي
أليس غريباً
أليس غريباً أن أجاور زمرة
غريباً بأفكاري وروحي وإحساسي
أخو العقل والعرفان فيها مضيع
ويعبد رباً من أُصيب بوسواس
من رباعياته
ستشرق الشمسُ غداً للورى
والجيل قد غاب عن الشمس
تعاقب الأجيال فوق الثرى
وملتقى الأجيال في الرمس
يا جازعاً يبكي على ما جرى
تعزّ باليوم عن الأمس
ولا تعد من يأسك القهقرى
فقد يَرى العميان باللمس
رسالة الشعر
انا ما استخدمت شعري
في مديح أو خلاعة
لا ولا لوَّثت بالاطماع
سربال القناعة
أبعد الله أديبا
تخذ الشعر بضاعة
الغراب والطاووس
وإذا أعوزتك بسطة علم
فسيُغني مكانها التدليس
قد نصحت الطاووس أن يتعرّى
إذ تساوى الغراب والطاووس
شط العرب
(الاسم للعرب والخير لغيرهم):
أرى الشط شط العرب مرآة أهله
فما فيه فيهم من هدوء ومن بشر
يصارف منه الرافدان بعسجدٍ
لجينا ولكن المحصل للبحر
الصديق الخائن
يا صديقاً محضته كل ودّي
خدعتني ظواهر من صفاتك
خنت عهدي وكم حفظتك جهدي
حسبك الفرق بين ذاتي وذاتك
حسناتي والله عندك كثر
ولدي الكثير من سيّئاتك
ولعمري لتخسرن صديقا
لست تحظى بمثله في حياتك !!
زهده
كان رحمه الله من أزهد الزاهدين كتب الله عليه الرضا والقناعة حتى أنه قضى معظم عمره في منزلٍ قديم كان يهدده بسقوط السقوف والانهيار كلما أمطرت السماء على منزله القديم المتداعي، وهو منزل – على قول الأستاذ الخليلي منزل وقفه أبوه على الذرية وليس بالإمكان إصلاحه وقد أُتيح إن أنزل عليه أنا وأهلي ضيفاً في البصرة فقد جاءني بسيارة ونقلني مكرهاً من أوتيل شط العرب إلى هذا البيت ولا أحد يعرف كيف يكره السيد عباس الصديق على الرضوخ إلا من يعرف السيد عباس عن كثب ولكن خوف زوجتي بصورة خاصة دعانا أن نهرب بعد أن قضينا في هذا البيت ليلتين، أما هو فكان قانعاً بهذا البيت مسلِّماً أمره وأمر أهل بيته إلى الله مسرور لأنه لم يستمن أحداً ولم يستعن بجهة في إصلاح هذا البيت على أنه والله كان قادراً على ذلك لو طاوعته نفسه، ووجه مثل هذا الطلب إلى المرجع الديني الأكبر وكان يومها السيد أبا الحسن الأصفهاني وكان أكرم من السحاب.
وفي هذا البيت يقول السيد عباس شبر:
ترفعت عن معروف حي وميت
فكل حطامي منزل لأبي «وقف»
فكم ليلة للغيث بت مسهداً
أُحاذر أن يهوي على صبيتي السقف
العلامة شبر ينعى نفسه
لاقى العلامة السيد عباس شبر الكثير من عقوق أبناء مجتمعه وكان بحسه الإنساني وشعوره المرهف قد بلغ به حدَّا من البَرَم والضيق من تجاهل مكانته الكبيرة وهو مَن هو في علمه الواسع وأدبه الرفيع وأخلاقه العالية وخدماته المجتمعية الكبيرة، وهذا ما تُشعر به هذه الأبيات التي نطق بها قبيل وفاته (رحمة الله عليه):
يا خليليَّ كفناني بشعري
واعصرا للغسيل منه دموعي
واعرضاني للبدر فهو رفيقي
كي يصلي عليَّ عند الهزيع
وارقباه فسوف يبدو عليه
عارض من كآبة وخشوع
وامنعا أهل موطني حمل نعشي
فحرام عليهم تشييعي
بالرغم من ذلك بقي العلامة شبر على مزاياه العظيمة التي وصفها به صديقه الأستاذ الخليلي من التقى والتقوى وطلب رضا الله في الصلاح والإصلاح قال: (وكان مثلاً رائعاً للزهد، كريم النفس، حلو الحديث، ما فارقت الابتسامة شفتيه، ولا عرف التجهّم وجهه، ولا انطلقت الكلمة النابية من فمه حتى في أشد الأوقات حراجة، وكان وقد جنّب نفسه الكثير من لذائذ الدنيا إلا ما حلل الله تقرباً إلى ربّه، وطلباً لمرضاته، وقد صفت نفسه، وطهرت روحه، فلم يعرف الحقد والحسد وسوء الظن وما يشين النفوس ويعلق بها من الأدران).
وفاته وذريته
توفي ليلة الجمعة 8 شوال 1391هـ الموافق ليوم 27 تشرين الثاني 1971م وشُيّع الى النجف من البصرة بموكب جنائزي مهيب مروراً بمُدن العمارة والكاظميّة وكربلاء والنجف، ودُفن الصحن الحيدري في غرفة تجاور باب القِبلة على يمين الداخل للباب.
خلّف العلامة السيد عباس شبر عدة أولاد من زوجتين، فمن الأُولى أنجب أربعة أولاد وثلاثة بنات، والأولاد الذكر هم السادة: 1- محمد نعيم الدين، 2- محمود شريف الدين، 3- علي نظام الدين، 4- عدنان مجد الدين.
وخلَّف من الزوجة الثانية أربعة أولاد ذكور وهم السادة: 5- أحمد نور الدين، (وابنه السيد بهاء شبر يقيم اليوم إماماُ في جامع آل شبر مأذوناً بوكالة والده المرحوم المبرور عن المرجع الأعلى السيد علي السيستاني، 6- عبد المحسن، 7- حسن معز الدين، 8- عصام زكي الدين. والحي الوحيد اليوم من أولاده: الحقوقي الأستاذ السيد حسن معزّ الدين، وهو متزوج من العلوية هيفاء كبرى بنات العلامة السيد جواد شبر.
وبعد: فهذا غيض من فيض لسيرة وضاءة لرجلٍ من مفاخر العراق في الفقه والشريعة والقضاء وعلوم العربية وآدابها ومن أبرع شعرائنا المجيدين في القرن العشرين، ويقيناً أنه لم يُنصف كما ينبغي، وهذه دعوة للبصريين خاصة من الغيورين على تراث مدينتهم العريقة للاحتفال بمنجزات السيد عباس شبر العلمية ونشر كتبه ودواوينه، وردّ الاعتبار لشخصية استثنائية في عبقريتها وخدماتها التي تستحق كل تقدير وتبجيل.
لمزيد من الاطلاع على تفاصيل سيرة المُتَرْجَم له (ينظر موسوعة الموسم – المجلد 229 القسم التاسع عشر من السيرة الخليلية من ص 447 الى ص 562)