محمد علي محيي الدين
مازن عبد الحميد كاظم السامرائي (1942–2015)، عالم ومهندس وأكاديمي عراقي، جمع في شخصيته بين الصرامة العلمية والاهتمام الأدبي والثقافي، وترك أثراً واضحاً في مسيرة التعليم الهندسي في العراق، ولا سيما في مجال الهندسة الكهربائية والإلكترونية وهندسة المعلومات. ولد في بغداد، في الأعظمية، سنة 1942، ونشأ في بيت عُرف بالعلم والثقافة؛ فهو الابن الأكبر للدكتور عبد الحميد كاظم السامرائي، الذي تولى وزارة المعارف في العهد الملكي، ووالدته التربوية أسماء الآلوسي، حفيدة العلامة أبي الثناء الآلوسي. وينتمي إلى أسرة سامرائية الأصل، حسينية النسب، الأمر الذي وفر له منذ طفولته بيئة تجمع بين المعرفة الأكاديمية والموروث الثقافي.
تخرج مازن السامرائي بتفوق من ثانوية الأعظمية سنة 1959، فكان تفوقه بوابته إلى البعثة الدراسية في بريطانيا، حيث اختار الهندسة الكهربائية مجالاً لتكوينه العلمي. وهناك بدأ رحلة أكاديمية متدرجة، حصل خلالها على البكالوريوس في الهندسة الكهربائية من جامعة لندن سنة 1967، ثم الماجستير سنة 1969 من جامعة أستن، والدكتوراه في الهندسة الإلكترونية من جامعة نوتنغهام سنة 1971. ولم تكن الشهادات بالنسبة إليه غاية نهائية، بل أدوات لبناء مشروع علمي أراد أن يعود به إلى العراق، وهو ما حدث فعلاً سنة 1972.
عاد إلى بغداد محملاً بخبرة علمية اكتسبها في بيئة جامعية متقدمة، فانخرط في التدريس والعمل الأكاديمي، وسرعان ما برزت قدرته في الجمع بين البحث والإدارة. عُين رئيساً لقسم الهندسة الكهربائية في كلية الهندسة بجامعة بغداد، ثم انتقل إلى الجامعة التكنولوجية، حيث تولى رئاسة قسم الهندسة الكهربائية بدرجة عميد خلال السنوات 1975–1988. وفي هذه المرحلة أسهم في تطوير الدراسات الهندسية وفي دفع التعليم الكهربائي نحو مزيد من التخصص والتطبيق، في وقت كان العراق يتطلع إلى بناء قاعدة علمية وصناعية حديثة تحتاج إلى كوادر هندسية قادرة على مواكبة التطور العالمي.
ثم اتسعت مسؤولياته الأكاديمية، فاختير عميداً لكلية الهندسة في جامعة الطلبة المتميزين، التي أصبحت لاحقاً جامعة النهرين، واستمر في هذا الموقع بين عامي 1988 و2002. ولم يكن دوره مقتصراً على إدارة كلية قائمة، فقد أوكلت إليه لاحقاً مهمة تأسيس كلية هندسة المعلومات، وهي تجربة تكشف عن نظرته المبكرة إلى التحول الذي كانت تشهده العلوم الهندسية والتقنية. فتولى عمادتها بين عامي 2002 و2004، وأسهم في تأسيس تخصص كان يمثل آنذاك اتجاهاً جديداً في التعليم الهندسي العراقي، قبل أن يتقاعد وظيفياً سنة 2005 بناءً على طلبه.
وكانت خبرته العلمية موضع ثقة خارج الجامعة أيضاً، إذ عمل مستشاراً علمياً في وزارة الدفاع العراقية منذ سنة 1985. كما شارك في أعمال العشرات من الجمعيات واللجان العلمية، وأشرف على رسائل ماجستير وأطاريح دكتوراه، وأسهم في المؤتمرات العلمية داخل العراق وخارجه. وتذكر المصادر مشاركته في مؤتمرات وفعاليات علمية في الصين والولايات المتحدة وأستراليا وألمانيا وفرنسا، بما يعكس اتساع دائرة اهتمامه وحرصه على أن يبقى العلم العراقي على صلة بالتطورات العالمية.
وكان السامرائي من الأكاديميين الذين لم يروا في التخصص العلمي حدوداً تمنع الانفتاح على مجالات المعرفة الأخرى. فقد عُرف بثقافته الواسعة واهتمامه بالأدب والشعر إلى جانب تخصصه الهندسي، ولذلك لم يكن مستغرباً أن يُختار سنة 1996 عضواً عاملاً في المجمع العلمي العراقي. وكان هذا الاختيار تكريماً لمكانته العلمية والثقافية معاً، وتعبيراً عن شخصية استطاعت أن تجمع بين العقل الهندسي والفضاء الأدبي، وبين الدقة في البحث والانشغال بالأسئلة الأوسع التي تتصل بالإنسان والمستقبل.
وتبدو فكرة الابتكار حاضرة في جوهر تجربته؛ فقد كان يؤمن، كما تشير المادة الواردة في موسوعة المطبعي، بأن العقل العلمي هو الطريق إلى لحظة الابتكار، وأن مهمة الباحث لا تنتهي عند تفسير ما هو موجود، بل تمتد إلى استشراف ما يمكن أن يكون. ولهذا اتسم حضوره في اللجان والبحوث بالمناقشة والتمحيص وعدم التسليم السريع بالنتائج، وهي خصائص تنسجم مع تكوينه العلمي الذي جعله ينظر إلى المعرفة بوصفها مجالاً مفتوحاً للسؤال والاكتشاف.
ولم يقتصر إنتاجه على البحوث الأكاديمية، فقد ألّف ونشر كتباً ودراسات في الهندسة الكهربائية والإلكترونيات، واهتم بموضوعات ترتبط بالمبادئ العلمية والتطبيقات التقنية. وكان صوته العلمي حاضراً في مؤلفات وبحوث نشرت محلياً وعالمياً، إلى جانب إشرافه على الباحثين وتكوينه لأجيال من المهندسين والأكاديميين. ومن خلال ذلك يمكن فهم أثره الحقيقي لا في ما كتبه وحده، وإنما في ما تركه من طلاب وباحثين ومؤسسات كان له دور في تأسيسها وتطويرها.
ويقدم كتاب مجيد ملوك السامرائي، «السيد الشريف عبد العظيم الحسيني»، المنشور عن دار اليازوري العلمية في عمّان سنة 2022، صفحات توثق جانباً من سيرته العائلية والعلمية، بينما يتناول خالد عبد الحميد الخطيب في عمله المنشور سنة 2020 تجربة السامرائي بوصفه مؤسس كلية هندسة المعلومات في جامعة النهرين. وتتكامل هذه المصادر في رسم صورة أكاديمي لم يكن نجاحه منفصلاً عن مشروع أوسع تمثل في تطوير التعليم الهندسي وفتح مسارات جديدة أمام التخصصات العلمية الحديثة.
وبعد تقاعده من العمل الوظيفي في العراق، واصل مسيرته الأكاديمية في الأردن، فعمل أستاذاً للهندسة الكهربائية في الجامعة الأردنية بين عامي 2006 و2015. وظل بذلك قريباً من التدريس والبحث حتى سنواته الأخيرة، وكأن مغادرة الوظيفة لم تكن بالنسبة إليه مغادرة للعلم، لأن الأستاذ الحقيقي لا يتقاعد من المعرفة ما دام قادراً على السؤال والتعليم والإضافة.
توفي مازن عبد الحميد كاظم السامرائي في مدينة عمّان سنة 2015، ودُفن في مقبرة سحاب في الأردن، بعد حياة امتدت أكثر من سبعة عقود، كان معظمها في خدمة العلم والتعليم والهندسة. وبرحيله فقد العراق واحداً من الأكاديميين الذين أسهموا في بناء جيل هندسي وفي تأسيس مؤسسات وتخصصات احتاج إليها التعليم العالي العراقي في مراحل مختلفة.
لقد كان مازن السامرائي نموذجاً للعالم الذي لم يحصر نفسه في حدود مهنته؛ فالهندسة عنده لم تكن مجموعة معادلات وتقنيات، وإنما وسيلة لصناعة المستقبل، والجامعة لم تكن مكاناً للتدريس فقط، بل ورشة لبناء الإنسان والعقل. ولذلك فإن أهم ما يبقى من سيرته ليس كثرة المناصب التي شغلها، ولا عدد الشهادات التي حصل عليها، وإنما ذلك الأثر المتصل الذي تركه في التعليم الهندسي، وفي تلاميذه، وفي المؤسسات التي أسهم في بنائها، وفي فكرة ظل يؤمن بها طوال حياته: أن نهضة العراق لا يمكن أن تقوم من دون عقل علمي قادر على الابتكار، وشخصية مثقفة تعرف أن العلم والثقافة وجهان لحضارة واحدة.