د. محمد سعيد الطريحي
الأديب والكاتب الصحفي السياسي الكبير والحقوقي الأستاذ عبد الرزاق (1931-2019) بن جميل (ت 1954) بن عبد الكريم بن محمد أمين جلبي الصافي الشهير المُكنَّى بأبي مخلص، ينتمي إلى عائلة كربلائية نبيلة ترجع بنسبها إلى قبيلة كندة، نزحت إلى مدينة كربلاء المقدسة قادمةً من بغداد في أواخر القرن التاسع عشر، وعُرفت بوجاهتها وشرفها، وبرز من أعلامها عددٌ من رجال الإدارة والتجارة، منهم والد جد المُتَرجَم له محمد أمين جلبي آل صافي، وهو ممن رثاه الشاعر الشيخ محمد حسن أبو المحاسن (1876-1925)، وزير المعارف في حكومة جعفر العسكري، بقصيدة مطلعها:
لِتَبكِ رُبوعُ المجدِ ملءِ جفونِها فقد أصبحت مفجوعةً بأمينِها
ومنهم أيضاً ابن عمه محمد رشيد (ت 1936) بن صادق بن محمد علي جلبي الصافي، رئيس بلدية كربلاء (1918-1920).
وكان للأسرة دارٌ واسعة فيها ديوان يستقبل الناس دورياً من مختلف الخلفيات والتوجّهات، ويجتمع فيه عددٌ من الأدباء والوجهاء، كما تُقام فيه المجالس الحسينية التي يساهم فيها أجلّاء الخطباء كالشيخ محسن أبو الحب (1888-1949) والشيخ محمد علي اليعقوبي (1896-1965).
وقد تركت تلك المجالس لدى أبي مخلص ميلاً مبكراً للأدب وتعاطي الكتابة والخوض في الأحوال التاريخية والاجتماعية والثقافية، وهو ما لا يخلو منه “البرّاني” في كربلاء، كما هو حال أغلب مجالس وقبولات الشخصيات العراقية في الحواضر الكبرى (بغداد والموصل والحلة والنجف والبصرة مثالاً)، ومنها بطبيعة الحال مدينته كربلاء. وقد خرَّجت تلك النوادي كثيراً من الأدباء والمثقفين الذين استفادوا من الأفكار والطروحات والطُرَف والنوادر التي كانت تُطرح وتُناقش فيها (ولي مقال يتناول هذه المنتديات بعنوان: “جولة في نوادي الأدب الكربلائية”، نشر عام 1972 في جريدة المجتمع التي كان يصدرها في كربلاء الأستاذ جاسم كلكاوي).
وأبو مخلص واحد من هؤلاء، إذ نما لديه الوعي منذ نعومة أظفاره، وطفق يقرأ ويثقّف نفسه حتى شبّ عن الطوق. وكان منذ نشأته ميّالاً للأفكار اليسارية، فاعتنقها عن رضاً وقناعة، وواكبته طوال مسيرته الطويلة في الحزب الشيوعي العراقي، ولقي جرّاء ذلك عذابات مستمرة من السجن والنفي والتشريد، وذلك على مدى نحو تسعين عاماً من العمل الفكري والثقافي الدؤوب، إلى أن وافاه الأجل المحتوم في لندن بتاريخ 14 مايو 2019م.
عرفته أولاً عن طريق مساهماته في جريدة (طريق الشعب) التي كنت أحرص على قراءتها مع ما كان يصدر آنذاك من صحف ودوريات قليلة، وربما ساهمت فيها بنشر بعض ما كنت أكتبه في بدايات توجهي للكتابة. وأذكرُ أنني اقتنيت في بدايات السبعينيات من كتبه كتاب (القاموس السياسي) الصادر أصلاً عن أكاديمية العلوم السوفييتية، والذي ترجمه الفقيد الصافي، وكان في حينها من المراجع المهمة في فهم المصطلحات السياسية، وفي المهجر التقيته مرارا وخاصة في دمشق، وأذكر أننا جلسنا وتحدثنا طويلا لدى حضورنا كأعضاء في مؤتمر المعارضة العراقية الذي عُقد في فندق البريستول ببيروت بعد أحداث الانتفاضة العراقية عام 1991م.
(توثيق لم يسبقك فيه أحد)
بعد سنين طلبت منه كتابة مختصر عن سيرته لتوثيقه ضمن موسوعة خاصة بأعلام العراق أُعدُّ لها منذ عقود، فاستجاب المرحوم الأستاذ عبد الرزاق لذلك، وكتب ترجمة فريدة لحياته، وصفها بقوله وهو يخاطبني: ((اذا نشرتها كلها ستكون حققت توثيقاً لم يسبقك فيه أحد، وسبقاً صحفياً..))، وكنت قد نشرت ترجمته هذه في كتابي (الشيعة والشيوعية) الذي حررته ووثّقته وطبعته بمجلدين عام 2011 ومنه استقى أو استوحى بعض الكتّاب مضمونها ونَشَره (بإشارةٍ للمصدر أو بدونها) عدد من الكتاب، وهذا ما جاء في خاتمة رسالته لي والمتضمنة لسيرته بقلمه وقد أرسلها من لندن بتاريخ 16/9/2000:

عزيزي الأستاذ الطريحي
كُنتُ أُفكّر بكتابة بضعة أسطر كبطاقة شخصية ترفق بالمقابلة التي أرسلتها، وطلبتَ أنت صفحة. الصفحة صارت حوالي الخمس صفحات. يبدو أن يدي ((تنشر)) العنبر العتيق! أقصد تمن العنبر الذي يتعرض للاختفاء الآن في العراق بسبب إجراءات نظام صدام بمنع زراعته لشحة المياه! وعلى أيّة حال الصفحات بين يديك، وهي أوسع ((صحيفة أعمالٍ)) عني. وإذا نشرتها كلها ستكون حققت توثيقاً لم يسبقك فيه أحد، وسبقاً صحفياً لا بأس به.
في هامش الرسالة نفسها كتب الأستاذ الصافي:
بمحض الصدفة. اليوم هو ذكرى مرور 27 سنة على صدور طريق الشعب العلنية عام 1973، فقد صدرت في مثل هذا اليوم. وأُغلقت لمدة شهر في 5 نيسان 1979. ومن ثم نهائياً في (أيار) قبل انتهاء الشهر بذريعة عدم وجود رئيس التحرير ذلك اني اختفيت يوم 2 أيار عن أنظار الشرطة (الأمن) الذين كانوا يراقبونني طيلة أربع ة وعشرين ساعة، ولهذا الأمر قصة أُخرى. مع تحياتي مرَّة أخرى وتمنياتي بالموفقية والنجاح.
16/9/2000 عبد الرزاق الصافي

سيرة عبد الرزاق الصافي بقلمه كما خصَّني بها رحمه الله
وُلد لعائلة من وجهاء كربلاء عام 1350هـ الذي يقابل عامي 1931 ـ 1932م. وقد أرخ ميلاده شاعر صديق للعائلة هو الشيخ عبد الحسين بن عمران الحويزي (1870-1957) ببيتين من الشعر الشطر الأخير فيها بعد (أرّخ) : ((جميل الخلق للرزاق عبدا )).
أكمل دراسته الابتدائية في المدرسة الأولى، والمتوسطة، والثانوية في ثانوية كربلاء. . انغمر في النشاط الوطني منذ كان في الثانوية. وتلقَّى عقوبة انضباطية بسبب مساهمته في مظاهرة ضد توحيد لجنة التحقيق الانكلوأمريكية بتقسيم فلسطين في خريف 1946. وعقوبة أخرى لمساهمته في شجب معاهدة بورتسموت بكلمة في حفل طلابي بعد إعلان التوقيع عليها بالأحرف الأولى في كانون الثاني 1948 قبل الوثبة .
في صيف 1948 سيق إلى المجلس العرفي العسكري في الديوانية مع بضعة عشر شاباً وطنياً من كربلاء بتهمة الشيوعية، دون أن يكون بينهم من له ارتباط تنظيمي بالحزب الشيوعي العراقي .
التحق بكلية الحقوق في بغداد في العام الدراسي 1948 ـ 1949 .
أعتقل عام 1950 لتوزيعه بيان الحزب الشيوعي في الذكرى السنوية الثانية لثورة كانون المجيدة. وسيق أمام محكمة جزاء بغداد الأولى وحكم بالسجن لمدة 11 شهراً مع وقف التنفيذ .
أعتُقل عام 1952 لمساهمته في مظاهرة نظمها الحزب الشيوعي العراقي في الذكرى الرابعة للوثبة يوم 27 كانون الثاني. وفُصل من الكلية جراء ذلك. الأمر الذي أثار إضراباً واسعاً في كل كليات بغداد وعدد من المدارس الثانوية في بغداد ومدن عراقية أخرى .
وسِيق إلى محكمة جزاء بغداد الأولى، مع عدد من المتهمين، وأفرج عنهم لعدم توفر الأدلة. وذلك بفضل قيام بحث معاون العدالة في نقابة المحامين بانتداب مجموعة من المحامين للدفاع عن المتهمين. وألقى الدفاع عنهم الفقيد عامر عبد الله.
وفي نهاية المرافقة في المحكمة ، وبعد إعلان قرار الإفراج عن المتهمين هتف “لتعش ذكرى وثبة كانون المجيدة شوكة في أعين الاستعمار وأذنابه” . الأمر الذي اعتبره الحاكم (القاضي) برهان الدين الكيلاني إهانة للمحكمة وإخلالاً بالالتزام بعدم القيام بأي نشاط “مخل بالأمن” من قبل المحكوم بعقوبة السجن مع وقف التنفيذ لمدة خمس سنوات على الأقل . وكان الكيلاني هو الذي أصدر قرار السجن مع وقف التنفيذ بحق الصافي قبل سنتين .
وكان ممثل الادعاء العام في هذه الدعوى الأستاذ عبد الأمير الكيلاني ، الذي لم يجد في الهتاف إهانة للمحكمة لأنه لم تعد هناك محكمة بعد إصدار قرارها بالدعوى المنظورة .
وقد اكتفى النائب الوطني عبد الرزاق الشيخلي الذي تولى الدفاع عن الصافي في هذه الدعوى بما قاله ممثل الادعاء العام. ورغم ذلك أصدر الكيلاني قراره بتنفيذ عقوبة السجن. وسيق إلى سجن بغداد المركزي .

وعند استئناف الحكم أمام محكمة الاستئناف في بغداد، وكان رئيسها يعرف ذلك القاضي القدير المرحوم عبد الجليل برتو، جرى نقض قرار حاكم جزاء بغداد الأول وأفرج عن الصافي من السجن. غير أن ممثلي دائرة التحقيقات الجنائية ميّزوا القرار أمام محكمة تمييز العراق ، التي كان في هيئتها شهاب الدين الكيلاني أخ برهان الدين، أيدت قرار هذا الأخير . فأُعيد الصافي للسجن ليقضي محكوميته التي انتهت في شباط 1953. وهكذا حرم من إكمال دراسته في كلية الحقوق إذ كان من الصف المنتهي ولم يبقى للامتحان سوى شهرين .
حوكم وهو سجين مرة أخرى، هو وبقية المتهمين الذي أفرج عنهم سابقاً، أمام المجلس العرفي العسكري في بغداد والذي أقيم بعد قمع انتفاضة تشرين الثاني 1952، خلافاً للمبدأ القانوني بعدم جواز محاكمة المتهم عن نفس التهمة مرتين . وتولى الدفاع عن جميع المتهمين الذي معه، لعدم وجود محامي دفاع، وجرى الإفراج عن المتهمين كلهم عن هذه التهمة.
عاد إلى الكلية بعد جهود مضنية، هو وعدد من المفصولين الآخرين ، الذين خرجوا من السجون في العام الدراسي 1953ـ1954 . وتخرج فيها بدرجة جيد . غير أن عمادة الكلية حجبت عنه شهادة التخرج تحت ضغط دوائر الأمن . ولم يحصل على شهادة التخرج إلا بعد ثورة 14 تموز 1958. إذ انتمى في تلك السنة إلى نقابة المحامين .
أعتُقل عام 1955 في البصرة، حيث كان مختفياً عن أنظار الشرطة لمواصلة نشاطه السياسي. وسيق أمام محكمة جزاء بغداد الأولى ، وأمام نفس الحاكم (القاضي) الكيلاني بتهمة “التشرد” ! و”عدم وجود وسيلة جلية للتعيّش” ! رغم أن الاعتقال جرى أثناء عمله في حسابات “شركة الإعمار والتجارة” في البصرة . ولذا اضطرت المحكمة على الإفراج عنه . بدل إطلاق سراحه من الاعتقال في مديرية التحقيقات الجنائية، سيق إلى الدورة العسكرية للضباط الاحتياط التي حجرت فيها سلطات الحكم الملكي المئات من الطلبة والمدرسين وأساتذة الجامعة المفصولين . وكان الصافي من المدعوين للالتحاق بها في وجبتها الأولى عام 1954 ، ولم يلتحق بها طوعاً، واختص عن أنظار الشرطة لمواصلة نشاطه السياسي كما سبق ذكره.
أكمل الدورة العسكرية في صيف 1956. وعمل كادراً قيادياً في منظمة بغداد للحزب الشيوعي العراقي قبل ثورة 14 تموز 1958 في المجال الطلابي: الحزبي والديمقراطي (اتحاد الطلبة العام) واستمر عمله في هذا المجال بعد الثورة لفترة وجيزة . وعمل بعدها في قيادة منظمة بغداد، وفي مجال التنظيم العسكري في الفرقة الثانية ، ومقرها الديوانية، والرطبة ثم في بغداد حتى تشرين الأول 1960 .
أرسله الحزب إلى بلغاريا للالتحاق بالمدرسة الحزبية العليا في صوفيا (التي تحولت فيما بعد إلى أكاديمية للعلوم الاجتماعية) وتخرج فيها بامتياز عام 1963 . وعمل في حزيران 1963 حتى تموز 1968 في إذاعة صوت الشعب العراقي التي كانت تبث برامجها من صوفيا. أي منذ بدء البث حتى نهايته .
وفي 12 تموز 1968 عاد إلى الوطن سراً، والتحق بالعمل الحزبي فور عودته في مجال العلاقات الوطنية وتحرير “طريق الشعب” السرية. ثم تفرغ للعمل في مجال الإعلام : “الثقافة الجديدة”، “الفكر الجديد”. عند صدور “طريق الشعب” علنية في 16/9/1973 كان رئيساً لتحريرها.
وفي المؤتمر الوطني الثاني (آب ـ أيلول 1970) انتخب عضواً في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي، وبعدها انتدبه الحزب لتمثيله في قيادة منظمة الأنصار التي شكلها الأحزاب الشيوعيين في بلدان المشرق العربي للإسهام في المقاومة الفلسطينية ضد الاحتلال الإسرائيلي وتولى خلال ما يقرب منه سنة (منذ أواخر 1970) إلى تشرين الأول 1971 تزويد الصحافة في لبنان بتقارير ومقالات تفضح الإرهاب الذي كانت سلطة البعث الحاكم في العراق تسلطه على الحزب الشيوعي وسائر القوى الوطنية.
ساهم في أعمال الكتب السياسي للجنة المركزية للحزب باعتباره عضواً مرشحاً في عام 1974. وصار عضواً أصيلاً فيه في أعقاب المؤتمر الوطني الثالث 1976. وشغل هذا الوقع الحزبي حتى المؤتمر الوطني السادس عام 1997.
عاش وعمل في كوردستان في قوات الأنصار التي شكلها الحزب الشيوعي عنه انتقاله للمعارضة عام 1979، ومن تموز 1982 حتى آذار 1987.
وعمل قبل ذلك (79ـ82) وبعده (87ـ92) في بيروت ودمشق بصفته عضواً في المكتب السياسي في مجالات الإعلام والعلاقات الوطنية القومية والأممية .
وعمل في قيادة الحزب في كوردستان منذ بداية 1992 حتى صيف 1997 إذ غادر كوردستان إلى دمشق في حزيران 1997 . في تموز 1997 أُصيب بذبحة صدرية حادة جداً اضطرته لملازمة الفراش طيلة أربعة أشهر حرمته من المشاركة في أعمال المؤتمر الوطني السادس الذي انعقد في نفس الشهر، وكان قد ساهم قبل مغادرته كردستان بالتحضير للمؤتمر.
غادر دمشق إلى لندن في 18/تشرين الثاني/1997. وبقي في لندن بسبب وضعه الصحي. وواصل نشاطه في الكتابة في الصحافة العراقية المعارضة والصحافة العربية دفاعاً عن سياسة الحزب وتاريخه وتاريخ الحركة الوطنية وفضح التنويهات والتخرصات المعادية للحزب .
ساهم في أعمال المجلس الوطني الرابع عام 1995 والخامس عام 1997.
نشط في مجال الكتابة والترجمة من اللغة البلغارية. ومن جملة نشاطه في هذا المجال ما يلي: ترأس لجنة حزبية لإعداد وبحث عن دور الحزب الشيوعي العراقي في فضح الصهيونية وخطرها على حركة التحرر الوطني العربية وكل الحركة الديمقراطية العالمية. وصدر البحث تحت عنوان “كفاحنا ضد الصهيونية”، بعد تقديمه إلى ندوة علمية عالمية عقدت في بغداد في أواسط السبعينيات. ونشر البحث في كراس في بغداد، كما تولت منظمة التحرير الفلسطينية بطبعه ثانية في بيروت في بداية الثمانينات.
كتبه ومؤلفاته
– ترجم كتاب “النفط يستعبد إيران” الذي ألفه : الباحث الإيراني حميد صفري. وكان قد صدر بالبلغارية بعنوان “النفط واقتصاد إيران المعاصرة” .
– القاموس السياسي ـ إعداد لجنة من الباحثين في أكاديمية العلوم السوفيتية .
– أسس الفلسفة الماركسية (للكاتب السوفيتي إيفان أيفانوف) .
– الشيوعية العلمية (للكاتب السوفيتي إيفان أيفانوف) .
– رجل غريب الأطوار، مسرحية للشاعر التركي ناظم حكمت .
– إستراحة في ابركو ايويس، مسرحية للأديب البلغاري يمتر ديموف .
– نفوس هالكة مسرحية لنفس الكاتب معدة عن رواية له بنفس العنوان والمسرحيتان تتحدثان عن الحرب الأهلية في اسبانيا في الثلاثينيات والمسرحية الثانية ترجمتها شيوعية عراقية أخذت اسم زينب الوكيل وراجعها الصافي .
– الحريق، مسرحية للأديب البلغاري، عن محاكمة ديمتروف في لايبزك عام 1933 ، تعكس موقفه البطولي في فضح وخسة النازيين.
حوار مع الأستاذ الصافي حول موقف الشيوعية من الدين
سؤال 1ـ أخ عبد الرزاق هناك من يقول ان الحزب الشيوعي العراقي جرى زرعه في العراق من قبل أجانب، وعلى أساس فكر مستورد، غير نابع من تربة الوطن . فهل لكم أن تحدثونا عن نشأة الحزب الشيوعي ؟
– الحديث عن “الفكر المستورد”، والذي يتعارض مع ما تعارف عليه مجتمع ما، أو يتعارض مع الفكر الذي تروّجه وتستند إليه طبقة اجتماعية ، أو فئة معينة لادامة حكمها واستغلالها للآخرين والتمتع بالامتيازات ، رغم كونها أقلية وعلى حساب الأكثرية، ليس بالأمر الجديد ، ولا هو خاص بالحركة الشيوعية في العراق. فحتى الأديان السماوية جُوبهت بالرفض عند ظهورها، على اعتبار انها بدع تناقض ” ما جاء به آباؤنا واجدادنا ” كما كان يقول معارضوها ، ومضطهدوا دعاتها الأوائل وانصارهم المخلصين ، الذين كانوا يبشرون بالفكر الجديد .
وقد اضطهد رائد العقلنة في الفكر الاسلامي ابن رشد وجرى حرق كتبه لأنه كان من انصار التوفيق بين المعقول والمنقول . وتأويل المنقول اذا ما تعارض مع المعقول . وأهتم بفلسفة ارسطو وفكره الذي اعتبر ” فكراً مستورداً ” وكتب الغزالي ضده كتاب ” تهافت الفلاسفة ” الذي رد عليه ابن رشد بكتابه الشهير ” تهافت التهافت ” .
وهكذا هو الأمر مع فكرة الاشتراكية التي هي تجسيد للطموح نحو العدالة الاجتماعية التي دعت إليها الأديان . ألم تقل الآية القرانية الكريمة ” ونريد ان نمنّ على الذين استضعفوا في الأرض ؟ ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ” ؟ فمن هم المستضعفون ؟ أليسوا هم الكادحين ، المنتجين للخبرات المادية والعاملين لخير المجتمع من عمال وفلاحين وكسبة وحرفيين وكل شغيلة اليد والفكر ؟
ألم يقل الامام علي بن أبي طالب عليه السلام ” ما اغتنى غني إلا بفقر فقير ” ؟ مجسداً بمقولته هذه وجود الاستغلال . وألم يقل ” كاد الفقر أن يكون كفراً ” ؟ مما يعني وجوب مكافحة الفقر والغائه من حياة البشر ـ كل البشر ـ وتحقيق العدالة الاجتماعية .
وماذا تمثل فكرة ” المهدي المنتظر ” الموجودة في كل الديانات تقريباً بتسميات أخرى ؟ هذا الذي ” سيملأ الأرض عدلاً وخيراً ، بعد أن ملئت ظلماً وجوراً ” ، ان لم تكن تمثل طموح البشرية الى مجتمع العدالة الاجتماعية الذي لا استغلال فيه ، ولا فقر ، ولا تمييز طبقي أو عرقي أو ديني او طائفي .
ان كل ما فعله الفكر الاشتراكي الحديث الذي صاغه ماركس وانجلز في القرن التاسع عشر هو بتبيان امكانية تحقيق هذا الحلم النبيل للانسانية ، منذ أقدم عصورها ، في عصرنا الراهن ، استناداً الى ما توصل اليه البشر من امكانيات علمية وتكنولوجية .
هذا الفكر الذي نشأ في اوربا ، باعتبارها القارة الأكثر تطوراً ، وطاقات علمية ، لم يعد ملك منتجين فقط ، بل صار ملكاً لكل من يقبله ، ويسعى لنشره ، ومستعد لتقديم الجهد والتضحيات التي يتطلبها ذلك .
ووجد في العراق من المثقفين من تأثّر بهذا الفكر، وكان في طليعة هؤلاء المتأثرين بالفكر الماركسي: حسين الرحال ومحمود احمد السيد وعبد الله جدوع وآخرون . وأقدم هؤلاء على اصدار مجلة شهرية في العام 1924 سموها ” الصحيفة “. وكان اول مقال افتتاحي فيها يجسد جوهر فكرهم اذ كان بعنوان ” التطور ناموس عام ” . ودعت ” الصحيفة ” الى تحقيق التطور في العراق بالاستفادة من منجزات العلوم للحاق بالعالم المتقدم . وذلك في ظل الاستقلال والديمقراطية .
غير ان الحكومة الملكية الخاضعة لتوجيهات سلطات الانتداب البريطاني عطلت الصحيفة ” . وقام هؤلاء ـ محررو الصحيفة ـ بتأسيس نادي يستهدف نفس الاغراض ، غير ان الحكومة سرعان ما اغلقته ومنعتهم من مواصلة العمل .
كان الصراع بين القوى الوطنية وسلطات الانتداب شديداً. وكان الحزب الوطني برئاسة الزعيم الوطني جعفر ابو التمن يتصدر هذه القوى . وضم الحزب الوطني عدداً من الشبان الوطنيين المخلصين الذين اصبحوا فيما بعد شيوعيين. ومن هؤلاء يوسف سلمان فهد الباني الحقيقي للحزب الشيوعي، وعاصم فليح اول سكرتير للجنة المركزية للحزب، وعبد القادر السياب وغيرهم .
ومنذ أواخر العشرينيات وأوائل الثلاثينيات اثبت العمال العراقيون وجودهم في المعارك الوطنية التي خاضها شعبنا من أجل الاستقلال الناجز ، والاضرابات التي قام بها ضد شركة الكهرباء وضد الاجراءات التعسفية التي قامت بها الوزارات العميلة لسلطات الانتداب ، وما اعدته من قيود لتكبيل وطننا وشعبنا ، وتأمين مصالح الاستعمار البريطاني ، وفي مقدمة هذه القيود واثقلها معاهدة 1930 .
وفي النضالات التي خاضها الشعب تحقق اللقاء بين المثقفين الثوريين الذين يتبنون الفكر الماركسي وحركة العمال النقابية العراقية الوليدة ـ وتشكلت حلقات ماركسية سرية في بغداد والناصرية والبصرة . ونشر فهد اول بيان سري بتوقيع ” عامل شيوعي” . في بداية الثلاثينيات . وجرى تقديمه للمحاكمة بسببه . وعندما خلت الساحة السياسة من التنظيمات الوطنية العلنية المجازة من قبل الحكومة اثر تعطيل الحزب الوطني بقيادة جعفر ابو التمن لاعماله عام 1933 ، جرت مداولات بين الحلقات الماركسية لتوحيد نشاطها . وكانت حصيلة هذة المداولات تشكيل منظمة باسم ” لجنة مكافحة الاستعمار والاستثمار ” في 30 اذار (مارس) 1934، التي تحولت بعد عام من انشائها الى “الحزب الشيوعي العراقي ” .
ولعل اسم المنظمة وحده يكفي لإبراز الطابع الوطني لهذا التنظيم . اذ جعل مهمة مكافحة الاستعمار وتحقيق الاستقلال الناجز في مقدمة أهدافه . وطالب بالغاء القواعد العسكرية البريطانية “وقلع سن الذبان ” حيث كانت احدى القواعد العسكرية البريطانية فيه، والغاء معاهدة 1930 ، واطلاق الحريات الديمقراطية ، وتطبيق الدستور ، واعطاء الشعب الكوردي في العراق حقوقه القومية ، وتشريع قانون لأنصاف العمال الذين كانوا يعملون من مطلع الشمس حتى مغيبها ، قانون يقضي بتحديد ساعات العمل بثماني ساعات . ومكافحة الاقطاع وتوزيع الاراضي الاميرية على الفلاحين ، اذ كانت هذه الاراضي تشكل 90% من الأراضي الزراعية . وكان من جملة الاهداف ايضاً نشر التعليم والاهتمام بصحة الشعب وغير ذلك من المطالب الشعبية .
وهكذا يظهر من هذا العرض السريع، غير الكامل، ان الحزب الشيوعي العراقي انبثق من صميم الحركة الوطنية العراقية ليجسد مطامح الغالبية الساحقة من ابناء الشعب ، من عمال وفلاحين وكسبة وحرفيين بصرف النظر عن انتماءاتهم القومية والدينية والطائفية .
وبهذا المعنى كان الحزب، ولا يزال ، هو الحزب الوحيد الذي يمثل وحدة الشعب العراقي بكل مكوناته القومية والدينية والطائفية . فهو ليس حزباً قومياً للعرب وحدهم او الأكراد أو التركمان أو الآشوريين والكلدان . وهو ليس حزباً دينياً للمسلمين او المسيحيين وليس حزباً يخص طائفة معينة..
وكان من أول نشاطات الحزب دعمه لانتفاضة فلاحية قمعت من قبل الحكومة . وكان وزير الداخلية يومذاك رشيد عالي الكيلاني . وقد جاء الى مقره في الوزارة بعد قمع الانتفاضة ليجد على منضدته بياناً صادراً عن الحزب قيّمه رشيد عالي بشكل صائب قائلاً : ” ان هذا البيان اخطر من الانتفاضة ” .
ولذا كرست الحكومة الملكية، ودوائر منها ” التحقيقات الجنائية ” التي كان يدبرها الضباط الانجليز ، كل جهودها للقضاء على هذا التنظيم الجديد الذي رأت فيه خطراً كبيراً على الحكم الملكي الرجعي والمصالح الاستعمارية في العراق .
وشنت اجهزة القمع حملات شديدة أفلحت في توجيه ضربات موجعة للحزب الوليد ، اذ كبست المطبعة التي كانت تطبع جريدته الأولى ” كفاح الشعب ” . وهي اول جريدة سرية في العراق. وألقت القبض على كادرها وعدد ليس بالقليل من كوادر الحزب وقياديين وزجّت بهم في السجون. مما اضعف عمل الحزب لسنوات..
ومنذ أواخر الثلاثينيات وبداية الاربعينيات كرس الرفيق يوسف سلمان فهد طاقاته الفكرية والتنظيمية والسياسية لاعادة بناء الحزب . واستطاع بالتعاون مع رفاقه الوطنيين الثوريين من ترشيح اسس الحزب وتشكيل تنظيماته في مختلف انحاء العراق ، وصياغة ” ميثاقها الوطني ” الذي أقره المجلس الوطني الأول للحزب (الكونغرس) عام 1944 مجسداً الأهداف الآنية المسلحة لنضال الحزب والحركة الوطنية ككل ، ووضع نظامه الداخلي الذي أقره المؤتمر الوطني الأول للحزب عام 1945 .
وانطلق الحزب يخوض المعارك الوطنية والقومية من أجل الحريات الديمقراطية وفي مقدمتها الحريات النقابية والحزبية، وتحول الى حزب جماهيري رغم كونه ظل يعمل سراً بسبب الملاحقات البوليسية واقتناع السلطان الملكية عن اجازة اي تنظيم حزبي تراه قريباً من الحزب الشيوعي. ( كما حصل مع حزب التحرر الوطني الذي حجبت السلطات اجازته لأن هيئته المؤسسة تضم عدداً من الشيوعيين. بينما اجازت خمسة احزاب وطنية عام 1946 ) .
سؤال 2 ـ يتهمكم خصومكم بانكم ضد الدين، وتدعون الى الالحاد. فما هي حقيقة موقفكم من الدين ؟ وهل انكم تدعون للإلحاد حقاً ؟
– حسناً فعلتم بتسمية من يوجهون هذه الاتهامات بالخصوم. واسمحوا لي بأن أضيف لهؤلاء الخصوم صفة المغرضين . فليس كل الخصوم يوجهون مثل هذه الاتهامات ولذا اخفت صفة المغرضين. ” والغرض مرض ” كما قالت العرب .
انا اعمل في صفوف الحزب الشيوعي العراقي ما يزيد على الخمسين عاماً . واعمل في اجهزة اعلامه ونشرياته ما يزيد على الخمسة وثلاثين عاماً . واستطيع ان اقول بثقة نابعة من يقيني بان الحزب لم يضع بين اهدافه ، لا في السابق ولا حالياً ، مهمة محاربة الدين . انطلاقاً من ان يعتبر هذا الأمر ، اي الدين ، شأناً شخصياً ، يخص الانسان . ولم يضع الحزب لشروط العضوية فيه غير اقرار طالب العضوية لبرنامج الحزب ، والعمل في احدى منظماته ودفع بدل الاشتراك الحالي .
وليس في برنامجنا ما هو ضد الدين او ضد ممارسة العضو الحزبي للشعائر الدينية . كما تخلو أدبيات حزبنا ، على كثرتها ، طيلة ما يزيد على الـ 65 عاماً من اية مادة ضد الدين . وبسبب من هذا كان لحزبنا وما يزال نفوذ بين اوساط المتدينين الذين لا يجدون اي تعارض بين معتقداتهم الدينية ، وبين العمل في صفوف الحزب الشيوعي .
وبسبب من هذا ايضاً كسبنا صداقة رجال الدين مرموقين اذكر بعضهم على سبيل المثال لا الحصر كالمرحوم الشيخ عبد الكريم الماشطة رجل العلم المعروف ، وقارئ المنبر الحسيني الشهير المرحوم الشيخ محمد الشبيبي . كما ان عدداً من ائمة الجوامع والملالي في كردستان كانوا أعضاء في الحزب وساهموا بنشاط في دعم نضالاته وقيادته لانتفاضات الفلاحين الاكراد ضد الاغوات الاقطاعيين ، لأن رجال الدين هؤلاء كانوا يرون مدى الظلم الواقع على الفلاحين ويتحسسون ويتأثرون بما يسببه من آلام وعذابات يأباها الدين الحنيف .
وأراد حكام العهد الملكي الممالئ للاستعمار والاقطاع استخدام هذه الورقة ضد حزبنا فطلبوا من آية الله العظمى السيد ابو الحسن الاصفهاني ( طاب ثراه ) وهو من أكبر المجتهدين المقلََّدين من ابناء الطائفة الشيعية في النصف الأول من القرن العشرين ، طلبوا منه فتوى ضد الشيوعية فرفض تلبية الطلب لأنه أحسّ بعدم نزاهة طالبيه وكونهم يريدون زجَّه فيما لا قناعة له به ، ولا أساس له في واقع نشاط الشيوعيين – العراقيين . وكذلك فعل آية الله السيد حسين الحمامي ( طاب ثراه ) .
وعلى اشتداد الصراع السياسي بعد ثورة 14 تموز 1958 التي وجهت ضربة موجعة للاقطاع ، التفت جماهير الفلاحين الغفيرة حول الحزب الشيوعي لأنه وقف بحزم الى جانب حقهم في الأرض ، ودعم انتفاضاتهم من الاقطاع في العهد الملكي. وكان من أشهر أنصار قانون الاصلاح الزراعي الذي سنته الثورة ، في ذلك الوقت لجأ خصوم الحزب من جديد الى هذا السلاح ـ سلاح تكفير الشيوعية والشيوعيين ـ وراحوا يلفقون تهم حرف القرآن على ايدي الشيوعيين، وسوقهم الى المحاكم العرفية التي يترأسها اعداء الدين ليس للشيوعية فحسب ، بل ولكل فكر تقدمي ديمقراطي ، ليحكموهم بالاحكام الثقيلة .
وقد فضح الاستاذ حسن العلوي ـ وهو البعثي المعروف ـ هذا الأمر في كتاب له مشهور وبيّن كيف كان البعثيون من انصار عفلق يشهدون زوراً ، بعد أدائهم القسم المزيف بالقرآن أمام المجلس العرفي العسكري بان الشيوعيين أحرقوا القرآن او مزقوه او أهانوه ” والعياذ بالله ” .
ولعل أحسن ما يدل على احترامنا، نحن الشيوعيين ، للمشاعر الدينية والشعائر ممارسة رفاقنا في كربلاء في تنظيم موكب حسيني كبير في العشرة الأولى من شهر محرم هو ” عزاء العباسية ” في السبعينيات . وتكريس ” ردَّاته ” الشعرية للمطالب الشعبية وفضح النشاطات الاستعمارية ، ودعم نضال الشعب الفلسطيني واسناد المقاومة الفلسطينية وغيرها من الأمور التي تصب في استلهام مأثرة الامام الحسين عليه السلام وصحبة الكرام ، في النضال ضد الظلم ومن اجل مصالح الشعب . وحبذا لو بادر الاخوة الذين يحفظون شيئاً من هذه ” الردَّات ” ـ الاهازيج ـ الى تسجيلها ونشرها توثيقاً للوقائع وتعميماً للفائدة .
ولا بأس في ان اكرر هنا ما سبق وقلته رداً على الاتهامات التي ذكرتموها في سؤالكم ، من واقع ان رفاقاً لنا ، يعملون في مقر اللجنة المركزية للحزب حالياً في مدينة شقلاوة في كردستان العراق، يحرصون على اداء شعائرهم الدينية من صوم وصلاة . ولا تتأخر إدارة المقر عن تلبية متطلبات اعداد الفطور والسحور لهم في رمضان احتراماً منها لهذه الشعائر ولرفاقنا الذين يمارسونها .
3 سؤال ـ بعد هذا العرض لموقفكم من الدين، كيف تنظرون الى علاقاتكم بالتنظيمات والاحزاب الاسلامية سابقاً والآن وفي المستقبل ؟
– لا بد من الإقرار بأن العلاقات بيننا وبين الاخوة في التنظيمات الاسلامية شابها شئ من الكدر والالتباسات في السابق. غير ان إدراك الجميع ، هم ونحن، بعظم المأساة التي حاقت بشعبنا ووطننا على ايدي النظام الدكتاتوري القائم جعلتنا جميعاً امام مهمة توحيد نشاط قوى المعارضة بمختلف تياراتها وانتماءاتها الايديولوجية. وأوجبت علينا إعادة النظر في موقفنا من بعضنا البعض انطلاقاً من الشعور بضرورة تعاون الجميع لتخليص شعبنا من المحنة ووطنا من الدمار.
ولهذا استقبل حزبنا بشكل ايجابي ، وترحاب واضح ” بيان التفاهم الذي اصدره حزب الدعوة الاسلامية في العام 1980، والذي توجّه فيه بالدعوة للتفاهم مع الشيوعيين، والقوى السياسية الاخرى .
غير ان البيان لم تعقبه خطوات اخرى لتحقيق التفاهم المنشود مع الأسف . ومرت سنوات عديدة استغرقت كل عقد الثمانينيات تقريباً، دون القيام بشئ جدي على هذا الطريق لسنا الآن. وفي نهاية الثمانينيات جرت لقاءات جدية استغرقت عدة اشهر لصياغة مواقف مشتركة بين الأخوة في التنظيمات الاسلامية واطراف الحركة السياسية الأخرى من شيوعيين وديمقراطيين وقوميين عرب وأكراد كادت تحقق اتفاقاً على صيغة برنامج مشترك جرى التوصل اليه بجهد جماعي لولا ان طرفاً اسلامياً تخلف عن اقراره واعتذر عن اقرار ما أقره ممثلوه المخولون فتأخر البحث في الائتلاف والتلاقي بضعة اشهر .
وعندما حدث غزو الكويت المشؤومة في 2 آب (اوغسطس) 1990 بادر الأخوة الاسلاميون لطلب اللقاء لاتخاذ موقف موحد من الغزو ، واصدار بيان بهذا الشأن . وكان من رأي الآخرين من القوميين العرب والكورد والديمقراطيين والشيوعيين ان الأمر يستحق اكثر من بيان. ويتطلب البحث الجاد في التوصل الى صيغة لعلاقة تعاون بين كل الاطراف تعتمد برنامجاً لما يقبله الجميع بشأن مستقبل العراق بعد الخلاص من الحكم الدكتاتوري . هذا بالاضافة الى شجب الغزو والمطالبة بسحب قوات النظام من الكويت الذي كان موضع اجماع القوى .
وهكذا كان ، وجرت مباحثات استغرقت عدة اشهر جرى التوصل خلالها الى صيغة ” لجنة العمل المشترك ” التي اقرت برنامجاً موحداً ، وضمَّت 17 تنظيماً سياسياً انبثقت عن امانة عامة تضم المجلس الأعلى للثورة الاسلامية في العراق وحزب الدعوة الاسلامية (لتمثيل الاطراف الاسلامية)، حزب البعث العربي الاشتراكي ـ قيادة قطر العراق (لتمثيل التيار القومي العربي) والجبهة الكوردستانية (لتمثيل الاطراف الكوردية) والحزب الشيوعي العراقي (لتمثيل التيار الديمقراطي ) .
وكان من المؤمل ان يجري الاعلان عما جرى التوصل اليه خلال تشرين الأول ( اكتوبر ) 1990. غير ان الأمر تأخر بناء على طلب بعض الأخوة الاسلاميين . وجرى الاعلان عن البرنامج الموحد وتشكيل ” لجنة العمل المشترك ” في 27/12/1990 .
وبهذا تحقق اول لقاء سياسي يعتمد برنامجاً مشتركاً بين اطراف تمثل الاسلام السياسي والقوى السياسية الوطينة : القومية والديمقراطية ، ليس في العراق فحسب وبل في عموم الوطن العربي وكل العالم الاسلامي .
وكنا في الامانة العامة للجنة العمل المشترك نتباهى في لقاءاتنا مع مختلف الاطراف السياسية العربية والدولية بتحقيق هذا المنجز واذا ما غفلت انا او اي من الأخوة القوميين العرب والكورد عن ذكر هذا الأمر في المطالعات التي كنا نقدمها لهذه الاطراف عن سير العمل المعارض في العراق ينبري زميل من حزب الدعوة أو المجلس الأعلى للثورة الاسلامية للتذكير والاشارة بما تحقق .
وقبل ان تتاح الفرصة للجنة العمل المشترك ان ترسّخ قواعدها وتستكمل هياكلها التنظيمية حدثت انتفاضة آذار ( شعبان ) 1991 المجيدة . وعقدت لجنة العمل المشترك مؤتمر بيروت الذي شاركت فيه قوى اخرى من خارجها انخرطت في العمل المعارض بعد غزو الكويت .
غير ان تعثر العمل في ” لجنة العمل المشترك” في اعقاب مؤتمر بيروت ، الى جانب عوامل اخرى، انا مع الفرصة لقوى وعناصر من داخل” لجنة العمل المشترك” وخارجها لأخذ زمام المبادرة وعقد مؤتمر فينا في حزيران ( يونيو ) 1992 الذي قاطعته القوى الممثلة في امانة ” لجنة العمل المشترك ” فيما عدا ممثلي الاحزاب الكوردستانية .
لذا ومن اجل استقطاب القوى التي قاطعت مؤتمر فينا ، وهي قوى اساسية في المعارضة العراقية، جرى الاجتماع التداولي في شقلاوة بحضور ممثلي جميع الاطراف في ايلول (سبتمبر) 1992 وتوصل الى ضرورة توحيد جهود المعارضة بجميع اطرافها في المؤتمر في “صلاح الدين ” في تشرين الأول (اكتوبر) 1992 . وهو الاجتماع الذي ساهم فيه جميع من شاركوا في الاجمتماع التداولي . ما عدا الاخوة في حزب البعث العربي الاشتراكي ـ قيادة قطر العراق . وانبثقت عن الاجتماع هيئة رئاسة ضمت السادة الدكتور محمد بحر العلوم ، ومسعود البارزاني واللواء حسن النقيب، وهي تركيب يشبه تركيب مجلس السيادة الذي تشكل في اعقاب انتصار ثورة 14 تموز 1958 . كما تشكل مجلس تنفيذي ضم ممثلي كل الأطراف بما فيها ممثلوا المجلس الأعلى للثورة الاسلامية في العراق وحزب الدعوة ومنظمة العمل الاسلامي . إلا ان الاخوة ممثلي حزب الدعوة في المجلس لم يواصلوا المشاركة في اعماله اذ انسحبوا بعد فترة وجيزة .
ولم يستطع المؤتمر الوطني العراقي الموحد أن يكون مؤسسة جدية لعمل المعارضة العراقية، تجسد العمل المشترك، وتلتزم بضوابطه المطلوبة ، وعاش المؤتمر من انفراد بعض عناصره في المراكز القيادية باتخاذ المواقف التي لا تعبر عن رأي الجميع ، والتحكُّم بشؤونه، مما حمل الحزب الشيوعي العراقي على الانسحاب منه ، بعد ان بذل جهوداً كبيرة من اجل تخليصه من النواقص التي تبثها بمذكرة قدمها الى المجلس التنفيذي .
هذا بخصوص ما سبق. اما الآن فان علاقات حزبنا بالتنظيمات الاسلامية كلها ، فهي علاقات يمكن القول عنا انها علاقات طيبة مع الجميع . ونطمح الى تطويرها عبر المشاركة في نشاطات قوى المعارضة المشتركة في مختلف الساحات . ونسعى بلورة صبغة جديدة للعمل المشترك تضم كل قوة المعارضة العراقية . او القوى الاكثر ثقلاً فيها ، على أساس البرنامج الوطني الديمقراطي الذي أقره المؤتمر الوطني السادس لحزبنا عام 1997 ، وأكده النداء الذي صدر عن المجلس الوطني الخامس في صيف 1999 . وأهم ما فيها ، اي البرنامج والنداء ، هو ضرورة وحدة نشاط قوى المعارضة من اجل الخلاص من الدكتاتورية ، وبناء عراق ديمقراطي موحد يتمتع فيه شعبنا بالحريات الديمقراطية ، والشعب الكوردي بحقوقه القومية العادلة واحترام خياره للصيغة التي يريدها لعلاقته بالحكومة المركزية ، وكذلك تحقيق الحقوق الثقافية والادارية للتركمان والاشوريين والكلدان، وتحقيق دولة القانون واحترام حقوق الانسان، وتشكيل حكومة ائتلافية مؤقتة تضم كل الاطراف الوطنية تأخذ على عاتقها اجراء انتخابات حرة تزين الانتخاب مجلس تأسيس يقرُّ دستوراً ديمقراطياً دائماً للبلاد ، وتشرع ـ الحكومة ـ في بناء ما خربته الدكتاتورية بحروبها الرعناء وما خلفه الحصار الدولي الجائر ، وتسعى لتخليص وطننا وشعبنا من العقوبات الدولية والديون والتعويض التي اثقلت وتثقل كاهل شعبنا على مدى أجيال قادمة .