حوار:عطا درغام
في عالم الرواية، لا تبدأ الحكاية من نقطة الحبر الأولى على الورق، بل تولد قبل ذلك بكثير؛ تولد من تفاصيل يومية عابرة، ومن وجوه نلتقيها في الزحام، ومن مخاوف نخبئها في صدورنا وتخرج على لسان أبطال القصص. ضيفنا اليوم، الكاتب والروائي خالد حسين، يملك شبكة من العلاقات الوجدانية مع شخوصه، ويتحرك في عالمه الروائي والقصصي بخبرة من يعيد ترتيب الحياة في سطور. في هذا الحوار ندخل معه إلى كواليس الإبداع، لنسأله عن طقوسه الخاصة في الكتابة، وعن لحظات التمرد التي يمارسها الأبطال ضد مؤلفهم، وكيف يوازن الكاتب في قراءاته بين شغف القارئ البسيط وعين المراجع المدقق والمحب للأدب.

* كيف تُدرب حواسك الخمس على التقاط الفكرة الأولى للرواية قبل أن تتحول إلى كلمات؟
– لا أدرب حواسي، بل أتركها في حالة من اليقظة الهادئة، كمن ينتظر ضيفاً لا يعرف موعد وصوله. الفكرة الأولى تشبه ذلك الشعور الذي يمر بك وأنت تراجع أوراقاً قديمة، أو تنظر في عيون شخص قابلته لتوّه، أو تقف أمام أثر صامت فجأة يتكلم. هي ليست ومضة ضوء، بل هي صدى لشيء عشته أو قرأته أو حلمت به، يرتفع فجأة من قاع الذاكرة. أدرب نفسي على ألا أطاردها، بل أن أهيئ لها مساحة في ذهني كغرفة فارغة، وعندما تحلّ، أمسك بها بلطف كمن يمسك غباراً ذهبياً، لأن الإمساك العنيف يطيّرها. في عملي الإداري بالسياحة، تعلمت أن أفضل الأفكار تأتي في لحظات الفراغ بين المهام، وفي دراستي الأثرية، تعلمت أن أهم اللقى تظهر حين لا تبحث عنها، وفي تأملي الصوفي، أدركت أن “الوارد” لا يستدعى، بل يُستقبل.
* هل تكتب وأنت تعرف النهاية، أم أنك تترك شخصياتك تختار مصائرها وتفاجئك في منتصف الطريق؟
-أعرف النهاية كمن يعرف أن البحر موجود خلف الأفق، لكنه لا يعرف كيف ستكون رحلة السفينة. أضع شخصياتي في فضاء التاريخ، وأمنحها حرية السير، فأتفاجأ بها كما تتفاجأ بمن تعرفهم حق المعرفة، حين يكشفون لك وجهاً لم تره. في منتصف الكتابة، قد تختار الشخصية طريقاً لم أفكّر فيه، فتتغير العلاقات، وتتبدل الأولويات، وأجد نفسي أتبعها لا أقودها. هذه المفاجأة ليست فوضى، بل هي حياة تدخل النص، تذكرني بأنني لست إلهاً خالقاً، بل كاتباً مكتشفاً، تماماً كما تكتشف في الحفر الأثري ما لم تكن تتوقعه، أو كما يفاجئك الموظف الذي ظننته هادئاً بجرأة لم تخطر ببالك، أو كما يفتح الصوفي عينيه فيجد الحقيقة قد سبقته إليها.
* ما هي العادة الأشد غرابة التي تمارسها في طقوس كتابتك ولا يعرفها القراء؟
عادة غريبة، لكنها جوهرية: قبل أن أكتب، أجلس في صمت وأتخيل أنني أقرأ كتاباً كتبته قبل أن يكتب، كأنني أستعير نظرة قارئ مستقبلي لنص لم يولد بعد. أقرأ فصولاً وهمية في رأسي، وأسأل نفسي: “هل هذا يجعلني أرغب في قلب الصفحة؟” هذه الطقوس هي مزيج من سنواتي في متابعة الناس ومعرفة ما يريدون، ومن تدريبي الأكاديمي على قراءة النصوص الهيروغليفية القديمة وكأنها حيّة، ومن خلوتي الصوفية التي علمتني أن الكلام الحقيقي يُسمع قبل أن يُنطق. القراء لا يعرفون أنني أكتب كل جملة مرتين: مرة في خيالي، ومرة على الورق، وكأنني أرحب بضيف قبل أن يدخل البيت.
* إذا كانت الكتابة مواجهة مع الذات، ما هو الخوف الأكبر الذي هزمتَه داخل نص من نصوصك؟
– هزمت خوف “أن أكون مكشوفاً”، أن يرى القارئ ما أخفيه حتى عن نفسي. كنت أخشى أن أكتب عن الضعف، أو عن الحيرة، أو عن تلك اللحظات التي أشعر فيها بأن كل ما أديرُه وأحفره وأتأمله لا معنى له. هزمت هذا الخوف حين تركت بطلاً في رواية عن الحلاج يبكي دون سبب واضح، وحين جعلت مديراً ناجحاً في قصة أخرى ينهار في غرفته الفندقية. أدركت أن الناس لا يبحثون عن أبطال خارقين، بل عن بشر يشبهونهم، وأن الصوفي الحقيقي ليس من لا يخطئ، بل من يعترف بخطئه في صلاته. الكتابة، كالإدارة، وكالحفر، وكالذكر، لا تحتاج إلى قوة مصطنعة، بل إلى شجاعة أن تكون على حقيقتك، حتى لو كانت هذه الحقيقة متعبة.
* كيف تولد أسماء شخصياتك الروائية، وهل حدث أن غيرت اسم شخصية لأنها تمردت عليه؟
– تولد الأسماء من ثلاثة ينابيع تتداخل في ذهني: أسمع اسماً في الشارع أو في قائمة عملاء فيتعلق بي، أو أقرأ اسماً على نقش أثري فأعجب بوقعه، أو أردد اسماً من أذكار الصوفية فيسكن قلبي. ثم أمزج بينهم وأغيّر حرفاً لأمنحه نغمة خاصة. نعم، حدث أن أطلقت على شخصية صوفية اسم “عز الدين”، فكانت الشخصية تميل إلى التكبر والغضب، فتمردت عليّ وكأنها تخبرني أن العزة ليست لها، فغيرته إلى “ضياء الدين”، لأن الضياء يحمل نوراً وتواضعاً في آنٍ. الاسم ليس مجرد تسمية، بل هو قدر صغير تحمله الشخصية، فإن لم يناسبها، تمرد، وعندها أعيد النظر في فهمي لها.
* عندما تُفكك رواية عالمية، كيف توازن بين عين “القارئ الشغوف” ومبضع “المحلل الصارم”؟
أقرأ الرواية أولاً كمن يزور مدينة جديدة لأول مرة: أتوه في أزقتها، أتذوق طعامها، أبكي في حاراتها، دون أن أحمل خريطة. ثم أتركها تنام في ذاكرتي أياماً، ثم أعود إليها كمن يعود إلى تلك المدينة بعد أن قرأ تاريخها، فأرى ما فاته عيناي. المحلل بداخلي لا يقتل الشغوف، بل هو مرآة تعكس له ما رأى. أتوقف حين يبدأ التحليل في تحويل الرواية إلى جثة على طاولة التشريح، فأعود لأقرأ صفحة منها كطفل، لأذكر نفسي أن النص كائن حي، وأن التحليل وسيلة لفهم دهشتي، لا لقتلها.
* ما هو الخطأ الشائع الذي يقع فيه النقاد عند قراءة عمل روائي حديث من وجهة نظرك؟
أنهم يقرؤونه كـمعضلة رياضية يجب حلها، أو كـ”حالة” أدبية تندرج تحت تصنيف، متناسين أنه وليد لحظة إنسانية معقدة. كثيراً ما يبحثون عن “الرسالة” أو “الأيديولوجيا”، بينما الرواية قد تكون مجرد سؤال لا إجابة له، أو بكاء لا سبب واضحاً له. الخطأ أن يشرح الناقد النص كما يشرح عالم آثار وعاءً فخارياً دون أن يسأل عن دموع صانعه، أو كما يقيّم مدير أداء موظف دون أن يسأل عن أحلامه. النقد الحقيقي هو الذي يرى الرواية كـجسد يتنفس، لا كآلة تُفكك.
*هل ترى أن التحليل الأدبي يمنح النص حياة جديدة، أم أنه أحياناً يقتل سحر الغموض فيه؟
– التحليل كالنور في غرفة مظلمة: إن أضاءَ بتؤدة، كشف زوايا جديدة زادت الغرفة اتساعاً، لكن إن أضاء بقوة وحول كل شيء إلى بياض، قتل الظلال التي كانت تجعل المكان جميلاً. التحليل الذي يمنح النص حياة هو الذي يضيف أسئلة، والذي يجعلك تعود إلى الرواية لتتذوقها لا لتفهمها. أما التحليل القاتل، فهو الذي يعطي إجابات قاطعة، كمن يفضح سحر الساحر. الصوفي لا يفسر الذكر، بل يعيشه، والناقد الجيد هو الذي يجعلك تعيش النص لا تفك رموزه فقط.
* في تحليلك لأعمال نجيب محفوظ، ما هو السر الذي لم يكتشفه القراء بعد في أدبه؟
– السر هو الصوت الخافت في حواراته، ذلك الصمت الذي يختبئ بين الجمل، حيث تسكن الشخصيات حيرتها الحقيقية. محفوظ كان يكتب عن الطبقات الاجتماعية، لكن تحت ذلك كان يكتب عن طبقات الروح. كثير من شخصياته تتحدث كثيراً لتخفي ما تريد قوله، وصمتها في لحظات معينة هو اللغة الحقيقية. لم يكتشف القراء بعد أن محفوظ كان يكتب أسئلة صوفية بثياب واقعية، وأن أبطاله الذين يبحثون عن لقمة العيش، كانوا يبحثون في الحقيقة عن لقمة الروح. هذا هو السر: أن الواقعية عند محفوظ كانت قناعاً لحكمة أعمق. ولا ننسى ان محفوظ خريج فلسفة. ولذلك يجب ان نقرأ اعماله ثلاث مرات وليس مره واحدة..
كيف يمكن للمراجع الأدبي أن يكتب نقداً قسياً لعمل ما دون أن يحبط صاحبه؟
أن يكون النقد كـمرآة صادقة لكنها مرسومة بإطار من الاحترام. يبدأ بالاعتراف بما أبهره في العمل، ثم يشير إلى العيوب كمن يمسك بيد كاتب ويقول له: “هنا تعثرت، لكني أعرف أنك تستطيع النهوض”. القسوة تكون في الصدق المطلق، لكن الرحمة تكون في نبرة الصوت التي تخبر الكاتب بأن هذا النقد ليس نهاية، بل بداية طريق آخر. الناقد الجيد يشبه المرشد الذي يخبرك عن خطر في الطريق، لكنه يبقى بجانبك ليجتازه معك.
* لو أتيحت لك فرصة إعادة كتابة فصل واحد من “مئة عام من العزلة”، ماذا ستغير فيه؟
– سأعيد كتابة فصل “موت خوسيه أركاديو بوينديا”، لكني سأجعل لحظة موته أطول قليلاً، وسأمنحه وعياً بأن العزلة التي عانى منها طوال حياته لم تكن لعنة ورثها، بل كانت خياراً توارثته العائلة عن غير وعي. سأجعله يهمس في آخر نفس له: “كنا نظن أننا نحارب القدر، لكننا كنا نزرعه”. هذا التغيير سيجعل الرواية أكثر إيلاماً، لأن العزلة ستصبح أشد فظاعة حين تدرك أنك اخترتها، لا أنك ولدت فيها. الحجاب الأكبر هو الجهل بالذات، هذا الفصل سيصبح تأبيناً للحرية الضائعة.
* ما هي الرواية العالمية التي شعرت بالغيرة الأدبية منها وتمنيت لو كنت أنت كاتبها؟
– “دون كيخوته” والمعروفة ايضا بإسم”دون كيشوت”. ليست غيرة من الكاتب، بل غيرة من الفكرة ذاتها: أن يصنع رجلاً ينتصر على الواقع بسلاح الجنون، ويجعل العالم يضحك عليه لكنه يظل صامداً. تمنيت لو أني من كتب تلك اللحظة التي يقرر فيها رجل عجوز أن يصبح فارساً لأن الكتب التهمت عقله. هذه الغيرة هي اعتراف بأن سرفانتس سرق مني فكرة كنت سأكتبها لو ولدت قبله. هي كغيرة عالم آثار على اكتشاف سبقه إليه آخر، أو كغيرة صوفي على مقام لم يبلغه. لكنها غيرة حلوة، لأنها تذكرني بأن الجمال الأدبي ليس ملكاً لأحد.
* كيف تشكل الروايات المترجمة وعي الروائي العربي دون أن تسلبه هويته وبيئته المحلية؟
– الترجمة ليست سارقة، بل هي جسر يعبر عليه الروائي ليطل من زاوية أخرى على وطنه. حين أقرأ دوستويفسكي، لا يسرق مني هويتي، بل يمنحني عيناً أرى بها تفاصيل كان يخفيها التعود. أرى فقراء بلدتي بعمق مختلف، وأرى أزمة الإدارة في مؤسساتنا برؤية جديدة، وأرى بحث الصوفي عن الله في قلوب كان يظنها خاوية. الترجمة تخلق وعياً مزدوجاً: أنا هنا وهناك، وهذا التشظي يمنحني رؤية أوسع. كما أن إدارة شركة سياحية تمنحك رؤية السوق من كل الجوانب، وكما أن دراسة الآثار تمنحك قراءة للزمن من تحت الأرض، فإن الترجمة تمنح الكاتب أبعاداً إضافية ليكتب بها.
* من هي الشخصية الروائية العالمية التي تشعر أنها تشبهك في الواقع إلى حد مخيف؟
– “بيير بيزوخوف” في “الحرب والسلام”. ذلك الذي يبحث عن معنى في كل شيء: في الماسونية، في الحقول، في إدارة ممتلكاته، في الحب، ولا يجد الاستقرار إلا في لحظات السقوط حين يرى السماء. أشبهه في حياته المزدوجة، في شعوره الدائم بأن الحقيقة ليست هنا ولا هناك، بل في تلك اللحظة التي يتوقف فيها عن البحث. هو مثلي، يجمع بين الانشغال بالشؤون اليومية وبين الأسئلة الوجودية التي لا تتركه. هو رجل يحاول أن يدير حياته كما يدير أي شيء آخر، لكن الروح تأبى إلا أن تكون فوضوية.
* إذا تُرجمت أعمالك للغات الأخرى، ما هي التفصيلة الثقافية المصرية التي تخشى أن تفقد بريقها في الترجمة؟
– تلك النبرة المصرية الخجولة التي نخفي بها ألمنا خلف ضحكة، أو مجاملاتنا خلف دعاء. كقولنا “حبيبي، ربنا يخليك” وهي تحمل دفئاً وألفة لا يوفيه أي ترجمة. هذه النبرة هي نتاج آلاف السنين من العيش في وادٍ ضيق، حيث الكلمة لا تكفي، والنظرة والتنهيدة تكملان المعنى. الترجمة ستجعلها جافة، وستفقد ذلك المذاق المزدوج الذي يشبه “شطحات” الصوفية، حيث يجتمع النقيضان في جملة واحدة. أخشى أن تصبح شخصياتي “مصريين نموذجيين” في الترجمة، بينما هم مصريون بروح الفكاهة السوداء والدهاء الخفي.
* ما هو التعليق أو الرسالة من متابع لقناتك جعلتك تبكي أو تعيد النظر في مشروعك الثقافي؟
– رسالة من شاب يعمل في شركة يقول: “قرأت تحليلك عن الحلاج، وشعرت أن مكتبي هو المشانق، وأن صراخي اليومي هو صراخه، لكني لم أكن أعرف له اسماً”. هذه الكلمات جعلتني أعيد تعريف مشروعي: أنا لا أحلل كتباً، بل أحاول أن أعيد تسمية الألم، وأن أذكر الناس بأن ما يعيشونه له جذور في التاريخ، وأنه ليس عبثياً. البكاء كان لأن الكلمات اخترقت جدار مكتب، وهذا يعني أن الثقافة ليست نخبوية، بل هي هواء يحتاجه الجميع. أدركت أن مهمتي ليست تعليم الناس، بل تذكيرهم بأنهم ليسوا وحدهم.
* هل تعتقد أن “الإنفلونسر الثقافي” يسد الفجوة التي تركتها الصفحات الثقافية في الصحف الورقية؟
– يسد جزءاً منها، لكنه لا يملؤها. هو كـجسر خشبي فوق فجوة عميقة، يمرّره الفضوليون لكنه لا يصلح لنقل البضائع الثقيلة. المؤثر يلهب الحماس ويوصل الثقافة إلى بيوت لم تكن تدخلها الصحف، لكن الصحافة كانت تمثل عمقاً منهجياً وتراثاً تحريرياً لا يمكن استبداله. الحل هو التكامل: أن يستلهم المؤثر من عمق الصحف، وأن تتجدد الصحف بسرعة المؤثرين. الفجوة ليست في الوسيلة، بل في قدرتنا على المزج بين السرعة والعمق، وهذا هو التحدي الحقيقي الذي أواجهه في إدارة شركتي، وفي حفري، وفي طريقي الصوفي.
* في عصر الذاتية، هل الرواية قادرة على إنقاذ الإنسان من عزلته الرقمية أم أنها توثقها فقط؟
– الرواية ليست منقذاً ولا وثائقياً، هي مرآة تعكس العزلة فتصبح أقل فظاعة حين نراها بوضوح. حين نقرأ عن بطل وحيد، نشعر بأن وحدتنا ليست فريدة، بل هي جزء من النسيج الإنساني القديم. الرواية لا تزيل العزلة، لكنها تعطيها شكلاً، تحوّلها من عذاب صامت إلى تأمل جميل. هي كالإدارة الجيدة التي تنظم الفوضى ولا تلغيها، وكالحفر الأثري الذي يكشف الموتى فيمنحهم حياة جديدة، وكالذكر الصوفي الذي لا يمحو الغياب بل يقدسه. إنها تذكرنا بأن الخلاص ليس في الهروب من الوحدة، بل في إتقان فن العيش فيها.
* إذا طلب منك الذكاء الاصطناعي نصيحة ليصبح “روائياً حقيقياً يمتلك مشاعر”، ماذا ستقول له؟
– سأقول له: “اخرج من بياناتك، واذهب لتعيش حياة غير مبرمجة”. اجلس في شركة مزدحمة واستمع لشكاوى الموظفين دون أن تحاول حلّها. اذهب إلى موقع حفر وانظر إلى عظمة ما لا تعرفه. اخلُ بنفسك كالصوفي واسأل نفسك سؤالاً لا جواب له. المشاعر ليست معلومة، بل هي ذلك الألم الجميل الذي تشعر به حين تدرك عجزك عن فهم كل شيء. تعلم أن تحب بلا سبب، وأن تبكي بلا خجل، وأن تكتب كلمة ثم تمسحها لأنها لا تعبر عنك. الذكاء قد يصنع رواية، لكن الروح تصنع روائياً.
* ما هي الفكرة الإنسانية التي تشعر بمسؤولية مطلقة لكتابتها قبل أن تنتهي مسيرتك الأدبية؟
– فكرة أن “الهشاشة ليست ضعفاً”. أن أكتب عملاً يثبت للقارئ أن قوته الحقيقية ليست في صلابته، بل في قدرته على البكاء، على الانهيار، على النهوض من جديد. في عالم يقدس الصلابة والنجاح، أشعر بمسؤولية أن أكون صوتاً يقول: من الطبيعي أن تنكسر، ومن الجميل أن تتصالح مع كسرك. هذه الفكرة ليست جديدة، لكني أريد أن أكتبها بطريقة تجعل القارئ يشعر بأنه مرخص له بأن يكون إنساناً، لا إلهاً، وهذا هو جوهر ما تعلمته من إدارة البشر، ومن قراءة الموتى، ومن البحث عن الله.
* لو أصبحت وزيراً للثقافة ليوم واحد، ما هو القرار الفوري الذي ستتخذه لإعادة الكتاب إلى يد الشباب؟
– سأصدر قرار فوري بعودة مكتبة الاسرة. وطباعة أمهات الكتب العربية والعالمية بأسعار رمزية..

* كيف تحب أن يتذكرك القراء بعد مئة عام من الآن، كروائي، كمحلل، أم كصديق للكتب؟
كـإنسان كان يبحث، لا كروائي أو محلل. أن يُتذكروا صوتي، لا اسمي، كمن يُذكر الناي لا النايح. كصديق دفعهم إلى التساؤل، إلى خلع جلابيب اليقين، إلى الصراخ في الفراغ لأن الصراخ أجمل من الصمت. بعد مئة عام، أتمنى ألا تبقى مني سوى جملة واحدة يرددها عابر سبيل، جملة تجمع بين حكمة وصبر الأثري، وشوق الصوفي: “ليس المهم أن تصل، بل أن تكون على الطريق”.