محمد سعيد الطريحي صاحب (موسوعة الموسم)
حفرَ الوائلي في ذاكرة أجيال متابعيه هيئتَه العامة، ونبراتِ صوته المميزة، وحركاتِ وجهه، وبريقَ عينيه، واستطاع أن يكسب رضا الجماهير بابتكاره أسلوبًا جديدًا وعصريًا ارتقى به إلى مصاف الخطباء المؤثِّرين، فجدَّد الخطاب الديني المنبري، وابتعد عن أسلوب السابقين، ووضع القضية الحسينية على المحك، متجهًا نحو الغاية التي استُشهد من أجلها الإمام الحسين السبط (عليه السلام)، وهي الإصلاح لا غير.
دراسته وتأثره بالمنهج الإصلاحي في كلية منتدى النشر
درس الوائلي في الحوزة العلمية شابًا يافعًا، وسرعان ما ظهرت مواهبه العلمية والخطابية، ثم تطورت ونَمَت بانتسابه إلى (كلية منتدى النشر في النجف الأشرف)، وفيها أدرك ما كانت تتوق إليه نفسه من التجدد والاستقلالية؛ ذلك أن هذه المدرسة الرائدة في منهجها العلمي كانت، على الرغم من ضآلة إمكاناتها ومحدوديتها، مصنعَ المواهب وراعيتَها الأولى في النجف الأشرف، على الرغم من المعاناة التي لقيها واضعُ بذرتها ومؤسسُها، ومَن كان يؤازره في مهامها، أعني العلّامة المصلح الشيخ محمد رضا المظفر، صاحب الفضل على كثير من النابهين الذين ظهروا من نتاج مدرسته.
إذ جاهد جهاد الأبطال من أجل فكرته الإصلاحية بالتأليف والجدال، وكان مدار أعماله نصرة طلبة العلم، وتنمية مواهبهم ومداركهم، وبثّ روح التجديد والحرية في نفوسهم، والارتقاء بالأخلاق والفضيلة. وقد قابل في سبيل ذلك ثلة من الإمَّعات المتعصبين، ومن حسد العلماء – وما أكرهه وأحقره من حسد! – فصبر عليهم صبر أيوب، حتى أصابته الأمراض لِما حمَّله ذلك من الهمّ والغمّ الذي ابتُلي به.

مميزات المدرسة الوائلية في الخطابة
كان الوائلي أحد هؤلاء الذين تخرَّجوا من مدرسة هذا المصلح، وأصابه بعض ما أُصيب به أستاذه من الحسد، لكنه لم يأبه للفاشلين أن يسدّوا عليه طريق الإصلاح الذي اختطَّه أستاذه المظفر، فأخذته العزّة لإحياء الدين مع علمٍ وفير وحماسة من شبابه النضير، فاتَّجه نظره مع بواكير حياته لإصلاح “المنبر”، فكان مع مواكبته ومثابرته على دراسة العلوم الدينية والعربية يواصل مطالعة واستيعاب كل ما يقع بين يديه من المصادر المتعلقة بتاريخ النهضة الحسينية، ومتابعة كل ما توفَّر له من كتابات تتعلق بسيرة النبي وآل بيته الأطهار، ليستخرج منها ما يصحّ الاستشهاد به من السيرة والحِكَم والمآثر، ثم ليحفظها ويربطها بحاجيات العصر ومتطلباته، وأماني الجمهور المؤمن وتطلعاته. وكان حين يرتقي المنبر يصيغها بمهارة الصائغ المحترف لسبائك النضار، ويطليها بما يليق بها من بلاغة وبيان ناصع، ويختار لها اللفظ الرقيق الناعم، ويدسّ بين طياتها ما احتجنته ذاكرته من مظاهر مجتمعه السلبية أو الإيجابية، ومن خلالها يبثّ ما يريده كمعالجٍ اجتماعي، فيضع يده على مكمن المشاكل والأمراض الاجتماعية، ثم يبثّ ما يريد إيصاله من رسالته الأخلاقية المستمدة من نهج الصادقين إلى مواليهم من المستمعين إليه، فينذرهم بالكلام الصريح الجريء، أو النقد القاسي، والتوجيه الحميد الهادئ. وبهذا الدور والموضوعية كانت خطابة الوائلي تستهوي الناس بعمقها المستمد من هَدْي العِتْرَة النبوية الشريفة، ومن شرعيتها، ومواكبتها لأحداث العصر.
صلتي بالشيخ الدكتور الوائلي رحمه الله
وقد كُتب في مشيئة الرحمن ومحاسن الأزمان أنني كنت من معارف هذا الرجل العالِم والخطيب المصقع، بل ممن اختصَّ به في الصحبة بالشام يوم نزلناها في فترة متقاربة من مطلع الثمانينيات من القرن العشرين، وكنتُ قبل ذلك قد التقيته مرارًا في العراق، وحضرتُ بعض مجالسه، لكن صِلات الشام معه كانت أعمق وأوثق، ومرَّت علينا سنون ونحن في تزاور ولقاء في معظم الأوقات والمناسبات. ((نوَّه الشيخ الوائلي بعلاقته وروابطه مع أُسرتنا الخاصة في مقدمته التي كتبها عام 1980 لكتابنا “مساجد الكوفة” المطبوع بحيدرآباد (الهند) عام 1981م، وأعدنا نشرها في آخر هذه الكلمة المختصرة)).

من صفاته وعاداته
كان رحمه الله عالمًا عارفًا موسوعيًا كثير القراءة، محبوبًا، حاد الذكاء، كريم الطبع، سخي النفس، مع ذهنٍ متوقد وفكرٍ نيِّر، مهيب الطلعة، قوي الحافظة، قوي الاعتقاد والتمسّك بالدين والحفاظ الشديد على فرائضه ورسومه، كما كان أديبًا شاعرًا مرهف الحس والوجدان والعاطفة، مع ميلٍ للعزلة والتأمل الذاتي، والقراءة المستمرة لكل ما يقع بين يديه من كتب المعارف والعلوم في آناء الليل والنهار، متى ما سمح له وقته بالابتعاد عن الناس.
شخصية الشيخ الدكتور الوائلي
بعد طول صحبة تكوَّنت لديَّ صورة واضحة من شخصيته، التي طبعها بمزاجه الخاص الذي انفرد به وتكرَّس لديه منذ نشأته العلمية والاجتماعية في النجف الأشرف؛ إذ كان مع كل ما يتمتع به من الأريحية والظرف في المجالس التي يحضرها ويتفاعل فيها مع مَن يعرفه ومَن لا يعرفه، سرعان ما يعود إلى سجيّته من الجِدّ والتصلب في الرأي، وتمام الثقة بنفسه ورأيه، فيما يُفكّر فيه ويأنس إليه أو ينفر منه من الأفكار، وهذا حاله مع الأشخاص القريبين منه جدًا أيضًا؛ فقد كان حسَّاسًا لأبعد الحدود، وقد يقاطع البعض لأدنى سبب يبدو له في معادلاته أو موازناته المهيمنة على مزاجه، الذي يحمل بعض أبعاد محل نشأته الأولى من تناقضات المجتمع النجفي المغلق، التي قلَّما نجا منها فرد من نوابغه الكثيرين، وهذا ما خلَّف له جروحًا نفسية صعبة، لا يخلو منها عبقريٌّ من أمثاله. ((راجع ما أدلى به الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري من مشاعر حساسة عن معاناته مع المجتمع المغلق، في كتابنا: الجواهريون الخمسة، ص 83 وما بعدها، سلسلة كتب أكاديمية الكوفة رقم 1، هولندا 2021م)).
وبعيدًا عن هذا، فما يعنينا في هذا المقام هو الإنصاف لهذا الإنسان الكبير في نبوغه الفريد، وإيمانه العميق، وريادته الفكرية والخطابية التي اشتهر بها، وتفوَّق بأدائها تفوّقًا لم يشهده المنبر الحسيني قبله ولا بعده – على الأقل – حتى يوم الناس هذا.
ووفاءً للوائلي الخالد، الذي كان واحدًا من أنصار موسوعتنا (الموسم) وممن رفدوها بنتاجهم الفكري وتشجيعهم المعنوي، وتقديرًا لصلات المودة فيما بيننا، قمتُ بجمع ما تيسَّر لي من تاريخ حياته وسيرته، ونشر ما اجتمع عندي من شعره؛ “(تنظر الأشعار الأعمال الشعرية الكاملة للشيخ الوائلي التي نُشرت في مجلدين تحت عنوان (هذه أشعاري)” ليكون ذلك ذكرى للأجيال القادمة، تستلهم منه العِظة والعبرة.
وليست هذه هي المرة الأولى التي ننصف فيها شيخنا الوائلي؛ فقد سبق لنا أن كتبنا ونشرنا ملفًا خاصًا عنه في حياته، ضمن المجلد 2-3 الصادر عام 1989م، وهو أول سجلٍّ مطبوع يتناول دراسة شخصيته العلمية والأدبية، وهو تقدير في محله لمن كان نقطة الفضل بين شخصيات عصره، ومحلَّ إعجاب الملايين من مريديه. وما كان اصدار (هذه أشعاري) – ولا غيره من المقالات المعنية بذكرى الشيخ وآثاره، إلا تعبيرًا عن ذاتي، قمتُ بأعبائها وحدي، وبجهودي، وعلى نفقتي، كما هو الحال مع كلّ من خلَّدتُ ذكره في موسوعة (الموسم)، التي هي لسان حالي المعبِّر عن مسلكي وفكري وميولي وتوجهاتي الفكرية والثقافية، سواء أرضي بعض الناس أم لم يرضوا، مستقلًا غير تابع لأحد، كما أنني لا أمثّل غير نفسي، وأعتمد – بعد الله – على القرّاء المخلصين للموسم، التي تحتفي بعد مدة قصيرة بأربعة عقود من تاريخها خارج الوطن، والذي استمر من دون انقطاع، بصبر وعزيمة وإصرار، رغم عوائق الأغيار المتربصين بها سوءًا، وفاءً لنهجها وصدقيّة وقداسة المدرسة التي تنتمي إليها.
صفحة من ذكريات الوائلي
وهذه صفحاتٌ اقتبستُها من ذكريات الشيخ الوائلي التي دوَّنها لنا بخط يده عام 1986 وهي مما يُنشر لأول مرَّة:
كتب رحمه الله ردأ على عدد من الأسئلة التي وجّهتها اليه: ((وُلِدتُ في السابع عشر من ربيع الأول من عام 1347هـ، وفي السنة السابعة من عمري، وكنت آنذاك في الكُتَّاب في مسجد الشيخ علي نواية في سفح جبل الطمّة من طرف العمارة، وشيخنا كما كانوا يسمونه آنذاك هو الشيخ عبد الكريم قفطان. أقول: في تلك السنة كنت أقرأ وأكتب، وتدرَّجتُ في قراءة القرآن كما هي الطريقة المتَّبعة آنذاك، ورحتُ في الوقت ذاته أدرس منهج الابتدائية خارجيًا، وأدَّيت امتحان الصف السادس (البكالوريا) في مدرسة غازي الابتدائية.
الدراسة المنهجية والجمع بين الدراستين الحوزوية والأكاديمية
ثم واصلتُ الدراسة في اتجاهين: دراسة منهجية في متوسطة وثانوية منتدى النشر الدينية آنذاك، ودراسة حرة على مجموعة من مدرِّسي الحوزة العلمية، فاجتزتُ الأوليّات والسطوح على الأساتذة الآتية أسماؤهم: في النحو: على الشيخ هادي القرشي. وفي الفقه: على الشيخ مهدي مطر، والشيخ علي سماكة، والشيخ محمد الشريعة. وفي الأصول: على السيد حسين مكي العاملي. وفي الفلسفة: على الشيخ علي آل كاشف الغطاء، وغير هؤلاء. أما الدراسة المنهجية فكانت على أساتذة المنتدى، كالشيخ علي ثامر في المعاني والبيان، والشيخ سعيد مانع في المحفوظات والنصوص، والشيخ جليل العادلي في الفلك والهيئة.
بالإضافة إلى دراسة الجبر والهندسة والحساب خارجيًا على السيد كاظم الحبوبي، واللغة الإنكليزية على كاظم كشكول، وغير هؤلاء من الأساتذة.

حتى انتهيتُ من دراسة المنتدى بما يعادل الثانوية العامة، ومن الدراسة الحرة باجتياز مرحلة السطوح، ثم دخلت كلية الفقه وتخرجتُ فيها عام 1962، فمعهد الدراسات العليا التابع لجامعة بغداد في مرحلة الماجستير عام 1966، فدار العلوم التابعة لجامعة القاهرة في مرحلة الدكتوراه. وهناك دراسات اقتصادية درستها في معهد الدراسات العليا التابع لجامعة الدول العربية لمدة عام (1978) لم أُكملها إلى النهاية، ثم انصرفتُ بعد ذلك إلى متابعة التحصيل بشكل مستقل يعتمد على الذات.
بين الدراسة الحوزوية ومناهج المنبر الحسيني
إن هذه المرحلة في التاريخ المذكور لم أقتصر فيها على الدراسات المذكورة فقط، بل واصلتُ فيها التحصيل الذي يتطلبه موضوع الخطابة الحسينية، الذي يحتاج فيه الخطيب إلى تحصيل موسوعي، نظرًا لحاجة المنبر إلى مجموعة كبيرة من المواد العلمية.
ومن المفيد هنا أن أشير إلى أن كلًّا من الدراسة الحوزوية ومناهج المنبر الحسيني في هذا العصر كان يتمّ في جوٍّ شديد من المنافسة، تتميز به مدرسة البحث العلمي في أصالتها وعمقها، وما يلاقيه طالب العلم من صراع في سبيل تحقيق ذاته وإثبات وجوده. ولا دور في مدرسة النجف إلا للموهوبين الذين يمنّ الله تعالى عليهم باستعداد خَلْقي، بالإضافة إلى جِدٍّ في السعي والتحصيل، وحلقات تتبارى فيها الكفاءات من أساتذة لامعين، يحرص كل منهم على إنتاج مميز يساجل به الآخرين، مما يعرفه كل من اطّلع على أوضاع الحوزة العلمية. وقد حفلت نتيجة لذلك هذه الفترة بجيل لامع من طلاب العلم من الأسر العلمية في النجف، وكذلك بجيل مميز من الخطباء حقق نقلة في المنبر الحسيني، من مجرد كونه محرِّكًا عاطفيًا يعتمد على إثارة الشجون والحزن لمأساة الطف، إلى مرحلة حفلت بالسرد التاريخي، وربط الحوادث بالعظات والعِبَر، وشيء من العقائد والأحكام، تُوضع في إطار أدبي ومنهج من مفرداته النصوص الأدبية بقيمها: الشعر والنثر وسير الصالحين والعظماء. وكانت هذه المرحلة بالنسبة لي حافزًا على أن أستثمرها، وأبني الأسس عليها منطلقًا إلى ما هو أوسع وأشمل، معتمدًا في حدود إمكاناتي العلمية على أن يتم ذلك في قنوات منهجية وعلمية. وليس من السهل نجاح مثل هذا الأسلوب؛ لأن مستمعي المنبر يختلفون في وضعهم الثقافي، ويتنوّعون من أُمّي إلى جامعي، فلستُ أملك قدرًا جامعًا يرضي أذواق هؤلاء ما لم تتنوّع المعلومات، ويتم اختيار منهج ليّن يوازن بين حاجات هؤلاء في انسجام وربط ذكي، وفي ذلك ما فيه من الصعوبة، وخوف الإخفاق، والمعاناة الشديدة في جوٍّ من المنافسة، مما يكون له أثر كبير في صنع المهارات وصقل المواهب.
نُضْج المدرسة العلمية النجفية وسعتها كما عاشهما الوائلي،
ودورهما الرائد في صنع شخصية طالب العلم
إن هذه الفترة التي أتحدث عنها تُعدّ فترة قمّة في نضج المدرسة العلمية النجفية وسعتها في مختلف أبعاد المعرفة، وكان من عناية الله تعالى بالحوزة أن تتابع جيلٌ من المراجع المحققين والعلماء الأكْفاء لقيادتها. وقد ضمّت هذه الفترة، على تعاقبٍ واجتماع، الميرزا النائيني، والسيد أبا الحسن الأصفهاني، والسيد محسن الحكيم، والشيخ محمد حسن آل كاشف الغطاء، والشيخ محمد حسن آل المظفر، والسيد عبد الهادي الشيرازي، والسيد حسين الحمامي، والسيد محمد تقي آل بحر العلوم، والشيخ محمد رضا آل ياسين، والسيد أبا القاسم الخوئي، وهؤلاء مجرد نموذج لا على نحو الاستيعاب.
وتليهم طبقة أخرى ضمّت مجموعة منهم: الشيخ مرتضى آل ياسين، والشيخ محمد رضا المظفر، والسيد موسى آل بحر العلوم، والشهيد (محمد باقر) الصدر، والسيد محمد تقي الحكيم، والشيخ محمد طاهر آل الشيخ راضي، والسيد ميرزا حسن البجنوردي، وأضرابهم. وهذه المجموعة هي الأخرى مجرد نموذج من عدد كبير.
كما حفلت هذه الفترة بعدد من الخطباء المبرَّزين، منهم: الشيخ اليعقوبي، والشيخ محمد علي القسام، والسيد صالح الحلي، تليهم طبقة أخرى نسجت على منوال السابقين ممن ذكرناهم.
أما الأدباء والشعراء فيشكّلون كمًّا كبيرًا، لهم طابعهم النجفي الخاص، وأدبهم الناضج الرائد، ابتداءً من شيخهم الشيخ محمد جواد الشبيبي، والشيخ محمد رضا الشبيبي، والشيخ علي الشرقي، ومحمد مهدي الجواهري، والسيد محمود الحبوبي، والأستاذ صالح الجعفري، والدكتور عبد الرزاق محيي الدين، وكثير غيرهم ممن حفلت بهم أرجاء النجف. ومن الجدير بالذكر أن معظم أهل العلم شعراء، ولكنهم لا يرغبون في ذكر ذلك عنهم؛ رغبةً منهم في الاحتفاظ بالنهج العلمي والاشتهار به.
أما المحققون في الأبعاد الفكرية الأخرى، فتوجد منهم أعداد كبيرة لا أرى داعيًا للإفاضة في ذكرهم؛ فالنجف – وبالاختصار – كل زقاق من أزقتها معهد علمي، وكل نادٍ من أنديتها، ومجلس من مجالسها، عبارة عن مؤسسة ثقافية تحفل بعطاء علمي ناضج.
إن مثل هذا الجو لا بد أن يفعل فعله في صنع شخصية طالب العلم أو الخطيب، ويعمل على صقله وتهذيبه، وبالتالي تكوينه بالشكل اللائق، وبالطبع مع الاستعداد الذاتي، والتوجه، والحرص على الانتهال من هذا الغدير الذي يحمل سمات المعلم الثاني، بوجود الإمام أمير المؤمنين علي (عليه السلام). وكان من لطف الله وتوفيقه وبركات سيد الأوصياء علينا أن عشنا هذه الفترة أو كثيرًا منها، وتفاعلنا مع هذه الأجواء، فصنعت منا شيئًا لا نريد أن نقيّمه، بل نقول إنه شيء لا بأس به)).
بعض ما لاقاه من المتاعب
إنَّ الأكثر ألمًا من عداوة النصب التي لا علاج لها، هو ما لاقاه الوائلي من أعداء النجاح في مجتمعه. ولمّا كان النجاح بجميع معانيه غاية الوائلي، فإنّ ما كان يثيره أن يرى حوله فئة تتزلَّف كالكسيح للوصول إلى هذا النجاح، إلا أن نفسه الأبيّة لم ترضَ تلك الوسائل والدنيّات. ففي قصيدة نظمها في الستينيات من القرن الماضي، صبّ جام غضبه على (مواكب التضليل) من أولئك الذين اتخذوا العلم قناعًا للوصول إلى مآربهم الشخصية، مهما كلّفهم الأمر من رياء ومداراة:
(نجفي) أَفتدي خميلكِ والأَغصان
فيه من زاهياتِ الرُّمولِ
ومن الشَّوك راح يغزوه والسَّعدان
يمتدُّ فيه عرضًا بطولِ
قد مشى يزحم الورود فباتت
وهي خجلى ملمومةً في ذبولِ
وأُضيع المقياس فيها فأَمست
وهي مهد الأُصول دون أُصولِ
واشمخرَّت فيها أُناس فأَضحت
لست تدري صدورها من ذيولِ
أيّ طعم للتَّمر إِن نفق الحنظل
أَم أَيّ ميزة للنَّخيلِ
خدعوها بالشَّكل زورًا كما تخدع
يومًا بالبوِّ أُمُّ الفصيلِ
نحروا طفلها وجاءوا بجلد
ملأوه بالتّبن للتَّمثيلِ
أُمُّكم برَّة فلا ترهقوها
بالعقوقِ اللَّئِيم والتَّنكيلِ
ربّ صُن بلدتي حقائِق فضلٍ
وقِها من مواكبِ التَّضليلِ
وحاشى مقام الوائلي العظيم أن يناله أحد بسوء بعد أن جاز القَنْطَرَة باستقامته وثباته على المبدأ، فمقامه أسمى مقام ومنزلته فوق ما تحيكه مواكب التضليل وصدقَ مؤرخ المنبر الحسيني السيد داخل السيد حسن فيما أنشده تحية لأمير المنبر الأول الدكتور الوائلي بقوله:
لم تَمُت انت يا زعيم المنابر
ذكرك الحي خالد في الضمائر
سوف تبقى نشيد عز ومجد
صادح الصوت رددته الحناجر
كنت للمنبر الشريف عماداً
كل جيل بالوائلي يفاخر
كيف ترثى وما تقول القوافي
كيف يقوى على رثاءك شاعر
يا خطيب الحسين نلت مقاماً
لألأت فيه ناصعات المآثر
أهمية المدرسة الوائلية في المنبر
كان الأستاذ الدكتور الوائلي (رحمه الله) خطيبًا لبيبًا هادئًا رزينًا، تُرهَف له الآذان، وتميل إليه الأعناق، وتحدِّق فيه الأبصار، وتحيط بمنبره الناس من كافة المستويات إحاطة السوار بالمعصم، استهواهم بتصرُّفه وذوقه الخاص وأسلوبه الممتع، فترى جموعهم وكأنَّ على رؤوسهم الطير، وهم ينصتون لخطابته وحلاوة بيانه وتوازن كلامه وطريف تعليقاته ونوادره التي يبثها خلال كلامه، وهو يتدفق كالسيل في أسلوبٍ يفهمه الخاص والعام ويرضي كافة الطبقات، فكم انتفع بكلامه البشر من حُضَّار مجالسه، وكم حلَّ من الإشكالات التي أوضحها لمستمعيه، وكم له من صولةٍ وجولةٍ أدَّى فيها حق المنبر بما ينبغي له من التوجيه والهداية والتبليغ، مما أفاض به من دراساته وتبحّره في علوم آل محمد (صلوات الله عليهم)، فمن مدرستهم تعلَّم، وببركتهم تكلم، ولذا استولى بإمكاناته الخطابية على أجيالٍ من محبيه ومتابعيه ومريديه، فكان مدرسة وحده، وحين مات فقد به المنبر الواعي وحيدَ دهره، حتى يُهيّئ الله من يسدّ مسدّه ويأخذ مكانه.
ملحق:
الطريحي في وفائه للكوفة
((دوَّن الشيخ الوائلي هذا التقديم في دمشق ـ 15 شعبان 1401هـ ـ 1980م ونشر في الطبعة الأولى من كتابنا مساجد الكوفة الصادرة بحيدرآباد (الهند) – سنة 1981 ، كما نشرتها مجلة الثقافة الدمشقية ، عدد تموز 1982 ص 54.))
• الدكتور الشيخ أحمد الوائلي
((آل الطريحي من الأسر النجفية العريقة، التي يتوزع أفرادها على المهن المختلفة من تجارة وزراعة وحرف أخرى، ويتوفر قسم كبير من الأسرة على طلب العلوم بحقولها المختلفة، ففيهم رجل الدين الفاضل، والأديب النابغ، والطبيب النطاسي، والمدرس الماهر، والباحث القدير.. وهكذا.
وفي الوقت الذي تختلف فيه الأُسرة في اتجاهها المادي والعلمي تتفق في حمل سمة موحدة تلك هي الطهر والبراءة التي عُرفت بها هذه الأسرة مع ذكاء حاد وسمات كريمة ترتفع بالبراءة عن مستوى الغفلة، ولقد عايشت هذه الأسرة طالبا صغيرا مع بعض أفرادها وصديقاً وجاراً مع الأسرة كلها لدى سنين طوال وما وجدت وأيم الحق إلا كل ما يبعث في نفسي الاعتزاز بها واحترامها.
ومن بين بيوت هذه الأسرة التي هي موضع احترامي بيت الشيخ كاتب الطريحي فقد كانت بداية معرفتي في بيت هذا الرجل من الأسرة هي انني كنت في حفل عرس من الحفلات التي اعتدنا نحن النجفيين اقامتها فيما بيننا بالتبادل حيث يحتفل بالمتزوج من قبل لداته واصدقائه وتكون الحفلة من حلبات الأدب التي تتبارى فيها الأقلام وتكثر فيها المداعبات والنكات اللاذعة الحارة، وكان ان انبرى الشيخ كاتب بتعليقة على احد ابيات القصيدة التي كان الشاعر ينشدها، وكانت نكتة تميزت بالحرارة والظرف مما أوجب أن يشتد الضحك وتعقبها نكات، ويومها سألتُ عنه وعرفت اسمه وبيته ثم توالت الاتصالات بصورة مباشرة وغير مباشرة فكنت كلما اتصلت به ازددت حباً له لما يحمله من روح لا تعرف الحقد وثغر لا يعرف الا البسمة ولسان طلق لا يترك شاردة ولا واردة الا وينقلها ليشعرك بالإحاطة بالمعلومات والموسوعية الذهنية، وكنت أتولى الخطابة الدينية في بعض مجتمعات الكوفة وكنت دائما اجتمع به وكان يسره ان نكون في ديوانه نشرب عنده القهوة ونتمتع بمجلسه المنوع، وبحكم ذلك عرفت ولده الاستاذ كاظم الذي لا يقل عنه حباً للعلم والأدب، وباقي أفراد الأسرة الذين منهم ابناء الاستاذ كاظم ومنهم مؤلف هذا الكتاب الشاب السعيد المهذب الطلعة، فرأيت فيه روح الأسرة بكل مالها من خواص وأبعاد وما في الآباء ترثه الأبناء، وقد لفت نظري فيه أمران:
الأمر الأول: روح الدأب والمثابرة على استكناه المعرفة ومواصلة البحوث وبشكل يكبر على سنه ومجالاته الأخرى مما ينبئ له بمستقبل زاهر في حقل المعرفة.
والأمر الثاني: وفاؤه للكوفة واهلها المتمثل في ارتياده مختلف ابعاد الكوفة والكتابة فيه بروح تلمس فيه الحرارة مما ينم عن حماس اصيل غير مفتعل فكتاباته عن آثارها الحضارية، وأخرى في شخصياتها، وثالثة عن مؤسساتها الدينية… وهكذا.
وقد قرأت له كثيرا من ذلك، وكان مما قرأته له هذا الكتاب الذي بحث فيه حول مساجد الكوفة سبراً واستقصاءً واستكناهاً لملامحها العامة وأحوالها المختلفة، فجاء الكتاب موفقاً في بابه، ومما يضفي على الموضوع اهمية ما يحتله المسجد من مكانة هامة في حضارتنا وتقويمنا، وما لعبه من دور هام في بناء الشخصية الاسلامية فما كانت المساجد في تاريخنا مجرد دور للعبادة وان كان ذلك ابرز اهدافها وافعل وسائلها في تربية النفوس ولكنه بالإضافة لذلك محل اجتماع المسلمين الذي يوفر فرصة معرفة المسلمين ببعضهم البعض الآخر واطلاعهم على مختلف شجونهم وشؤونهم ومما يحمل على التعاون والتآخي والتكاتف وذلك من أبرز أهداف الاسلام وفي الوقت نفسه ما افترقت المساجد عن مؤسسات العلوم فهي مدارس لمختلف العلوم الاسلامية والثقافية العربية، وهي مكتبة تتوفر فيها مصادر المعرفة في كل ابعادها، وهي منتدى تتبارى فيه القرائح وتشحذ فيه المواهب..
وبكلمة مختصرة، المسجد نافذة تطل على الاسلام في ابرز خواصه فلا غرو اذا قال النبي صلى الله عليه وآله: ان المساجد تضيء لأهل السماء كما تضيء الكواكب لأهل الأرض فهي ضوء للمعرفة وضوء في طريق تقويم السلوك وضوء لتنوير الافكار.. الخ.
وبقدر ما للمسجد من اهمية تكون اهمية الكتابة فيه، لذا فهو بحاجة الى قلم موزون وواع كما ان القلم الذي ينصرف الى الكتابة في مثل هذه المواضيع من الاقلام التي قيظ لها ان تكون موفقة وعلى نصيب من الايمان ومما نحتاج اليه في ظرف كهذا عادت فيه الدنيا صحراء خالية من ورقة خضرة او شجرة ذات ظل.
وبعد هذا فالكتابة في مساجد الكوفة لابد لها من الوقوف على مسجدها الرئيس وجامعها العظيم الذي كان وما زال فيه عبق ذلك العملاق الامام امير المؤمنين عليه السلام وطيوفه التي تفرض نفسها على كثير مما له من طيوف بهذا البلد على مرتاد المسجد، والآثار سواء كانت ريادة مادية او تفاعل فكري مع آثار الكوفة المعنوية، فالكوفة مدرسة الإمام علي عليه السلام ومعقل شيعة الاسلام ورمح الايمان وجمجمة العرب.
فعسى لقارئ هذا الكتاب ان يأخذ نصيباً من هذا العطاء ويشرب من هذا المنهل.
تحية لثرى الكوفة المقدس وتقديراً للكتاب والكاتب.
أحمد الوائلي
دمشق ـ 15 شعبان 1401هـ ـ 1980م