الدعاية الكاذبة.. كيف ننتزع عقولنا من قبضتها؟

 

جاسم العقيلي

تخيّل للحظة أنك تستيقظ كل صباح على جرعة مسمومة من الأكاذيب، مصممة بدقة لتغيير قناعاتك، وتشويه رؤيتك لحدث ما ، ودفعك إلى اتخاذ قرارات ليست في مصلحتك. هذا ليس سيناريو فيلم ، بل هو واقعنا اليوم في عصر المعلومات المضللة، حيث تحولت الدعاية الكاذبة إلى صناعة متكاملة تمولها كيانات كبرى، وتستهدف وعي الأمم بمنهجية علمية. وقبل أن نبحث عن أعداء خارجيين، علينا أن نعترف أن نقطة الضعف الحقيقية تكمن في داخلنا، فالبشر مبرمجون بيولوجياً على تصديق المعلومات التي تؤكد معتقداتهم السابقة، وهنا يكمن الخطر الأكبر.

أول خطوات المواجهة هي إعادة برمجة أنفسنا على الشك الصحي والبحث الدائم عن الحقيقة، وهو ما يذكره والتر ليبمان، صحفي في صحيفة “نيويورك هيرالد تريبيون”، بقوله: “لكل منا صور ذهنية عن العالم، وهذه الصور هي التي تحدد سلوكنا، وليست الحقائق نفسها”، وهنا تتجلى المعركة الحقيقية في تحرير عقولنا من الصور المشوهة التي ترسمها لنا الدعاية .

وفي خضم الفوضى المعلوماتية، يبقى الصحفيون الحقيقيون الدرع الواقي للمجتمعات، رغم اهتزاز الثقة بوسائل الإعلام التقليدية، لكن الحل ليس في تجاهلها، بل في دعم الصحافة المستقلة التي تضع الحقيقة فوق كل اعتبار.

ويشدّد  الإعلامي مصطفى الأغا، على أن واجب الصحفي اليوم لا يقتصر على نقل الخبر، بل يتعداه إلى كشف زيف الدعاية وتفكيك بنيتها، وهذا يتطلب شجاعة نادرة في زمن تغول المصالح. وهنا يبرز سؤال مصيري: هل نستمر في استهلاك المعلومات كمتفرجين، أم نتحول إلى محاربين في جيش الحقيقة؟ لكن النقطة الأكثر إغفالاً في الحملات الدعائية هي قوة المؤسسة التعليمية، فالتثقيف الإعلامي في المدارس والجامعات ليس رفاهية، بل ضرورة وجودية لمستقبل الأمم. وكما يقول المفكر والاعلامي نعوم تشومسكي: “أفضل وسيلة للسيطرة على العقول هي عبر خلق واقع مزيف يصدقه الناس، لكن كشف هذا الواقع يبدأ من مقاعد الدراسة، حيث نُعلّم النشء كيف يسألون ولماذا يصدقون ” .

مواجهة الدعاية الكاذبة ليست معركة يوم أو شهر، بل هي أسلوب حياة، التزام دائم بأن نكون أكثر وعياً، وأكثر تساؤلاً، وأقل تصديقاً لكل ما يُلقى إلينا. لأن الحقيقة ، ليست مجرد معلومات، بل هي حريتنا الحقيقية الوحيدة. فهل نحن مستعدون لخوض هذه المعركة؟.

قد يعجبك ايضا