حوار: عطا درغام
لا يمكن فصل التجربة الشعرية لدى الشاعر العراقي زهير الإمامي عن أبعادها الفلسفية والوجودية؛ إذ تبدو قصائده محاولة واعية لتفكيك مشاعر الفقد والعزلة التي تحاصر الإنسان المعاصر. وعبر معجم يمزج فيه بوضوح بين أصالة العبارة الكلاسيكية ومرونة الرمزية الحديثة، يطرح الإمامي رؤية مغايرة للغة، معتبراً إياها أداة لاكتشاف المجهول لا لمجرد الوصف والتعبير.
في هذا الحوار، نلتقي بالشاعر لنسبر أغوار بنائه الأسلوبي، ونناقش تغلغل الفكر الفلسفي في بنيته الشعرية، بالإضافة إلى رصد تجليات الوطن والغربة وثنائية البقاء والرحيل في نصوصه.
المحور الأول: البناء الأسلوبي واللغة الشعرية
* تبدأ قصائدك غالباً بنبرة تأملية هادئة، كيف تختار عتبات نصوصك الأولى لجذب القارئ إلى عالمك الفلسفي؟
– عتبة النص ليست مجرد مدخل شكلي، بل هي «الشهيق الأول» الذي يتنفسه القارئ ليتهيأ للغوص في غياهب النص. أختار الاستهلال التأملي الهادئ ليكون بمثابة جسر من السكون يتوسط ضجيج العالم الخارجي؛ أستدرج القارئ بلطف، لا لأفرض عليه فكرتي، بل لأجره من يده إلى منطقة الحيرة الشفافة، حيث تبدأ الأسئلة الفلسفية بالنمو الهادئ في وجدانه.
* تمزج في أسلوبك بين الجزالة الكلاسيكية والرمزية الحديثة، كيف حققت هذه المعادلة دون التضحية بوضوح الفكرة؟
– الجزالة هي العصب والملاط الممتد من جذر لغتنا العظيم، بينما الرمزية هي الفضاء الحديث الذي يمنح الأجنحة حريتها. المعادلة تتكشف حين ندرك أن الغموض ليس هدفا بحد ذاته، بل القصد هو «الشفافية المكثفة». أصقل المفردة الكلاسيكية حتى تكتسب مرونة العصر، وألبس الرمز ثوباً يناسب الإيحاء لا التعمية، فيغدو النص كالمحيط؛ مقنطراً بالهيبة، ومكشوفاً للراغبين في الإبحار العميق.
* للمفردة الصوفية والوجودية حضور بارز في معجمك الشعري، هل ترى اللغة أداة للتعبير أم وسيلة لاكتشاف المجهول؟
– اللغة حين تقف عند حدود التعبير تظل صامتة ومكبلة بالوظيفة الأداتية. بالنسبة لي، اللغة هي كشاف ينير العتمة، ومسبار نطلقه في مجاهل النفس والوجود. المفردة الصوفية تمنحني أجنحة التسامي، والوجودية تمنحني الجرأة على السؤال؛ وكلاهما يلتقيان في جعل القصيدة رحلة استكشاف متجددة للمجهول، لا إخباراً عما هو معلوم مسبقاً.
* يلاحظ النقاد اهتمامك البالغ بالموسيقى الداخلية والقافية المرنة، كيف توازن بين تدفق المشاعر وانضباط الإيقاع؟
– الموسيقى في النص هي نبض الروح المنسكب؛ فإن طغت الشكليات على الوجدان جَفّ النص وصار هندسة باردة، وإنفاضت العاطفة دون ضبط تلاشت المعاني في العشوائية. أحاول أن أستمع لإيقاع الفكرة قبل كتابتها، لأجعل القافية والبحور تأتي تلبية لنداء المعنى لا العكس، فتغدو الموسيقى الداخلية هي الوعاء الطبيعي الذي يتشكل داخله انفعالي الشعري.
* في قصيدتك “على رصيف الحياد”، استخدمت تشبيهات وصوراً بلاغية وصفت بالـ “قاسية”، ما الدور الذي تلعبه الصورة الصادمة في إيقاظ وعي المتلقي؟
– الصورة القاسية أو الصادمة هي بمثابة «صدمة كهربائية» لوجدان ران عليه الاعتياد والألفة الزائفة. على رصيف الحياد، يتستر الإنسان خلف الصمت، ولا بد للشاعر هنا من إشهار صورة تشبه المشرط، تخرق جدار الألفة لتسائل الذات وتبكّت الضمير. الصورة الصادمة لا تستهدف الإيذاء، بل تحث المتلقي على الاستفاقة من غيبوبة الاعتياد ليسترد وعيه الإنساني.
المحور الثاني: الرؤية الفلسفية والقضايا الإنسانية
* توصف تجربتك بأنها مشحونة بمشاعر “الفقد الروحي”، ما الذي فقده الإنسان المعاصر وجعلك تلاحقه في قصائدك؟
– فقد الإنسان المعاصر «الدهشة الأولى» و«الطمأنينة الروحية» في غمرة الركض المادي والتسارع الرقمي القاسي. لقد غدا كائناً مكتفياً بالسطح، مفارِقاً للأعماق. ألاحق في قصائدي ذلك الجزء النقي الذي تم دهسه تحت عجلة المدنية الحديثة، أبحث عن براءة النظر، وعن الطفولة الروحية التي جعلتنا يوماً نشعر بالكون ككل متكامل، لا كمجموع أجزاء متناثرة.
* تتنقل نصوصك بين الوهم والحقيقة والذات، هل الشعر بالنسبة لزهير الإمامي هو محاولة لفهم الوجود أم للهروب منه؟
– الشعر ليس هروباً، فالهروب فعل استسلام وعجز، بينما الكتابة فعل مواجهة وجرأة. الشعر عندي هو محاولة لإعادة صياغة الفهم، ولتفكيك ألغاز هذا الوجود القاسي وأنسنته. إنني أستعين بالتخييل والوهم لا لأبتعد عن الواقع، بل لأصل إلى جوهر الحقيقة التي تعجز المشاهدة اليومية المباشرة عن اقتناصها.
* في قصيدة “سِفْر المدى”، نلمس حواراً عميقاً مع الزمن، كيف تنظر إلى تقلبات العمر وتتابع الأيام من نافذة الشعر؟
-رالزمن ليس مجرد عقارب تدور، بل هو النهر الذي يغير خريطة أرواحنا في كل لحظة. من نافذة الشعر، لا أرى تتابع الأيام تساقطاً مجرداً لأوراق العمر، بل يتبدى لي كصقل متواصل للمعدن الإنساني. الشاعر يتعامل مع الزمن كخصم ناعم وصديق حكيم في آنٍ واحد؛ يسرق منا النضارة الجسدية، ويهبنا بصر الحكمة وثقل التجربة.
* يغلب على بعض قصائدك مسحة من العزلة والحياد الصامت، هل الحياد هنا موقف فكري أم ملاذ أخير للشاعر؟ كيف تغلغل الفكر الفلسفي في بنيتك الشعرية دون أن تتحول القصيدة عندك إلى مجرد تنظير جاف؟
– الحياد في أدبيات القصيدة ليس انسحاباً سلبياً، بل هو حياد «المراقب العالي» الذي يبتعد خطوة عن المعمعة ليرى المشهد مكتملاً؛ إنه موقف فكري يصون استقلالية الرؤية من التبعية الضيقة. أما تغلغل الفلسفة في شعري، فمرده إلى أنني لا أستورد المفهوم الفلسفي كقالب جاهز، بل أذيبه في حرارة التجربة الإنسانية المباشرة. الفلسفة تجف إن بقيت مقولة، وتورق إن صارت مجازاً ولحماً ودماً ينساب في عروق الصورة.
المحور الثالث: تجليات الوطن والغربة في القصيدة
* يحضر العراق في وجدان كل شاعر؛ كيف يتجلى ملمح “الوطن” في شعرك، هل هو جغرافيا وذاكرة أم جرح ممتد؟
– العراق في نصي ليس جغرافيا تحيط بنا، بل هو كائن حي يسكننا. إنه مزيج بين الذاكرة الأولى الجريحة، والأسطورة المتجددة. هو الحاضر في كل نغمة حزينة، وفي كل ضفة نهر، وفي أطياف النخل المشرئبة؛ إنه الجرح الذي يمنحنا هوية النزف الأدبي، والوطن الذي يظل يتشكل في النصوص مهما ابتعدت الأجساد أو تقاربت.
* بين الهوية والغربة، كيف أثرت ثنائية البقاء والرحيل على نبرة الحنين في دواوينك؟
– ثنائية البقاء والرحيل تصنع شداً وجذباً دائمين داخل الروح؛ فالبقاء أحياناً يكون غربة داخل الذات، والرحيل يتحول إلى بقاء أبدي في الذاكرة. هذا التنازع طبع نبرة الحنين في قصائدي بمسحة شجن شجاعة؛ حنين لا يكتفي بالبكاء على الأطلال، بل يسعى لبناء وطن من الكلمات يقي الروح من صقيع الغربة المكانية والوجدانية.
* كيف انعكست التحولات السياسية والاجتماعية التي مر بها العراق على رمزية المكان في نصوصك؟
– المكان في نصي ليس مسرحاً ثابتاً للأحداث، بل هو كائن يتألم، يتبدل، ويحمل آثاره الجانبية للتحولات القاسية. أزقة المدن، الشوارع، والمقاهي العتيقة لم تعد مجرد معالم، بل استحالت إلى رموز تحتضن انكسارات الإنسان العراقي وأحلامه المؤجلة. التحولات شحنت المكان بمرارة الفقد، لكنها منحته في الوقت ذاته قدسية الرمز الصامد.
* هل ترى أن الشاعر العراقي محكوم بالوجع، أم أن هناك مساحة للفرح ينساها النقاد غالباً؟ ما الرسالة التي يوجهها الشاعر زهير الإمامي من خلال قصائده إلى جيل المستقبل في وطنه؟
– الوجع قدر الشاعر العراقي بحكم التراكم التاريخي، لكنه ليس قدره الوحيد؛ هناك دائماً «مساحة نبتت في ظلال الحزن» ينبض فيها الفرح المقاوم والإصرار على الحياة، وهو ما يغفله بعض النقد المعني بالأبعاد المأساوية فقط. رسالتي للجيل الجديد: استمسكوا بالجمال والأمل، فمهما قست الظروف، تظل الكلمة الصادقة والفن الناصع هما الحصن الأخير لدحر العتمة وصنع المستقبل.
المحور الرابع: صورة المرأة والبعد الإنساني
* تظهر المرأة في قصائدك بملامح متعددة؛ فماذا تمثل المرأة في عالمك الشعري، هل هي الملهمة، أم الرمز، أم الوطن نفسه؟
– المرأة في عوالمي الشعرية لا تتجزأ؛ هي تتجاوز الدور التقليدي للملهمة لتستحوذ على الأبعاد كلها. هي الرمز للتوازن الكوني، والوطن الذي نفيض إليه حين تضيق بنا أرجاء الأرض، والملاذ الروحي الذي نستعيد عنده إنسانيتنا. إنها التجلي الأبهى للخلق والجمال، وبدونها يصبح النص صحراء قاحلة لا ينبت فيها الحرف.
* كيف تختلف لغة الغزل والوجدان عندك عن السائد، وما الخصوصية التي تحرص عليها عند كتابة النص العاطفي؟
– أحرص في النص العاطفي على التسامي باللغة بعيداً عن المباشرة والسطحية والابتذال. لغة الغزل عندي تشتبك بالفلسفي والصوفي؛ فالأنثى ليست مجرد جسد يُوصف، بل كينونة روحية تُكتشف. الخصوصية التي أبتغيها هي الروحانية الشفافة التي تجعل الحُب تجربة ارتقاء بالذات وتصفية للروح، لا مجرد انفعال عابر.
* هل تنصف القصيدة الحديثة قضايا المرأة العربية، أم أنها تكتفي بحصرها في إطار الصورة الجمالية التقليدية؟
– قطع الشوط الأدبي شوطاً طيباً، لكن كثيراً من النصوص الحديثة ما زالت تقع في أسر التأطير؛ حيث تحصر المرأة في البعد الجمالي أو الشكلي وتتجاهل عمقها الإنساني والفكري والوجودي. إن إنصاف المرأة في القصيدة ينبع من التعاطي معها كشريك أصيل في المأساة والإنجاز والأمل، وكذات مفكرة ومؤثرة لا كموضوع شكلي لغزل منفصل عن الواقع.
* نجد في بعض نصوصك حوارية خفية مع “الآخر” المؤنث، كيف يساهم هذا الحوار في تعميق البُعد الإنساني للشعر؟
– الحوارية مع «الآخر» المؤنث تكسر أحادية الصوت في القصيدة وتجعلها فضاءً متعدد الأصداء. هذا التفاعل يتجاوز المونولوج الذاتي ليخلق جدلية غنية بين الأنا والآخر، مما يفتح النص على أبعاد إنسانية أرحب؛ حيث تتصافح التجربة الذكورية والأنثوية لإعادة اكتشاف المعنى الكلي للإنسان.
* كيف تنظر إلى ثنائية (الرجل/المرأة) كأصل للتكامل الوجودي والروحي الذي تبحث عنه في نصوصك؟
– أراها ثنائية الانسجام والتوازن الكوني، كالنور والظلمة، أو الأرض والسماء. لا يستقيم الوجود ولا يكتمل الوعي الإنساني بطرف دون آخر. في نصوصي، أبحث دائماً عن هذا التناغم الذي يلغي حالة الصراع المفتعل، ليرتقي بالطرفين إلى مساحة التضامن الروحي، حيث يكمل كل منهما نقص الآخر لنصل إلى صورة الإنسان الكامل.
المحور الخامس: شهادة على المشهد الأدبي العراقي المعاصر
* كشاعر عراقي عاصر محطات مهمة، كيف تقيم ملامح الحراك الشعري والأدبي الحالي في العراق؟
– الحراك الشعري الأدبي في العراق حيّ ومتفجر بالحيوية بفضل الخزين الحضاري والعمق الثقافي الحاضر دوماً. هناك غزارة وتنوع لافت، وتجارب واعدة تجازف باللغة والصورة. غير أن هذا الفوران الإبداعي يحتاج أحياناً إلى مزيد من النضج والتريث والتمحيص، لئلا تضيع الجودة وسط هذا التدافع الغزير من النتاج الأسبوعي واليومي.
* يرى البعض أن النقد الأدبي العربي لم يعد يواكب الطفرة الإبداعية الحاصلة، ما تقييمك للقراءات النقدية التي تناولت نصوصك؟
هناك بالفعل فجوة بين سرعة المنجز الإبداعي وبين المشهد النقدي الذي أثقلته أحياناً الأكاديمية الصارمة أو المتابعات الانطباعية السريعة. بالنسبة لنصوصي، حظيت بمساءلات وقراءات جادة من نقاد أعتز بوعيهم وقدرتهم على تفكيك الرمز والغوص في البنية الفلسفية للقصيدة، لكني أعتقد أن المشهد الأدبي عموماً بحاجة إلى حركة نقدية أكثر جرأة ومواكبة للمتن الإبداعي المتجدد.
* في زمن وسائل التواصل الاجتماعي، هل تعتقد أن القصيدة فقدت هيبتها ووقارها، أم أنها كسبت جمهوراً جديداً؟
– وسائل التواصل سلاح ذو حدين؛ من جهة، أتاحت للقصيدة الانطلاق السريع وكسرت الحواجز والوساطات التقليدية ووفرت لها جمهوراً عريضاً وشاباً. ومن جهة أخرى، فرضت النمط السريع والجماليات الاستهلاكية السطحية، مما أثر أحياناً على عمق النص ووقاره. الشاعر الحقيقي هو من يستثمر هذا الفضاء المفتوح دون أن يتنازل عن شرط الجودة والعمق في قصيدته.
* ما الذي يميز “القصيدة العراقية المعاصرة” اليوم عن بقية التجارب الشعرية في العالم العربي؟
– تمتاز القصيدة العراقية بـ «الكثافة الوجدانية والحرارة الصادقة»، فهي ابنة بيئة مشحونة بالتاريخ والتحولات الكبرى. تتميز بقدرتها الفذة على مزج الشجن الصادق بالحداثة الشكلية، وبروح المقاومة بالكلمة. الشاعر العراقي يحمل في نبرته نبرة ألمٍ تاريخية أصيلة وتطلعاً دؤوباً نحو الفضاء الفلسفي والإنساني الرحب، مما يعطي نصه نكهة خاصة لا تُخطئها أذن القارئ.
* ما هي نصيحتك وخلاصتك الإبداعية التي تقدمها للأصوات الشعرية الشابة التي تتلمس خطوتها الأولى في محراب الشعر؟
– نصيحتي لأبنائي وإخوتي من الشعراء الشباب: القراءة العميقة الواعية هي المعين الذي لا ينضب؛ اقرؤوا للتراث وللمنجز الإنساني الحديث بجميع لغاته وفلسفاته. لا تستعجلوا النشر والمجد العابر، بل صبوا جل اهتمامكم على صقل أدواتكم وتطوير تجربتكم وتعميق رؤيتكم. أخلصوا للغة، واجعلوا من التجربة الإنسانية المخلصة بوصلتكم؛ فالشعر ليس مجرد رصف للمقاطع والألفاظ، بل هو موقف من الحياة والوجود والجمال.