المواطنة والكرامة حين تصبح الحقوق الإنسانية أساس الانتماء

الاستاذ الدكتور علاء شيال

في كل مرة نردد فيها كلمة “مواطن”، نستحضر صورة شخص يحمل بطاقة هوية، ويملك حق التصويت، ويدفع الضرائب، ويخضع لقوانين دولته، لكن هذه الصورة، وإن كانت ضرورية، تظل قاصرة عن التعبير عن المعنى العميق للمواطنة، فالمواطنة ليست مجرد علاقة قانونية بين الفرد والدولة، بل هي علاقة إنسانية أخلاقية، تقوم على الاعتراف بكرامة كل فرد، واحترام حقوقه، وإشراكه في صنع القرار الذي يؤثر على حياته، وهنا بالضبط تلتقي المواطنة بحقوق الإنسان في علاقة تكاملية لا انفصام لها، فحقوق الإنسان هي الروح التي تمنح المواطنة معناها، والمواطنة هي الجسد الذي تعيش فيه الحقوق وتتجسد، وبغياب أي منهما، تفقد الأخرى جوهرها، وتتحول إلى قشرة فارغة لا تحمي الإنسان، ولا تصون كرامته. إذا تأملنا التاريخ، سنجد أن فكرة المواطنة لم تكن دائماً مرتبطة بحقوق الإنسان، ففي الحضارات القديمة، كانت المواطنة امتيازاً لفئة محدودة من الناس، بينما كان الغالبية العظمى من العبيد والنساء والغرباء خارج دائرة الانتماء، وكانت العلاقة بين الفرد والدولة تقوم على أساس التبعية والخضوع، لا على أساس الحقوق والكرامة، وحتى في العصور الوسطى، كان الإنسان مجرد “رعية” تابعة للحاكم، لا يملك من الحقوق إلا ما يمنحه إياه السيد، وهذه النظرة القاصرة للمواطنة حولتها من علاقة تكافلية إلى علاقة هيمنة واستغلال، لكن مع انطلاق عصر التنوير وظهور أفكار الحقوق الطبيعية، تغيرت الصورة تماماً، فأصبحت المواطنة تعني أن الإنسان يولد حراً، وأن سلطة الدولة مشروطة باحترام حقوقه، وأن الحاكم ليس سيداً، بل خادماً للشعب، وهذه الثورة في الفكر هي التي حولت المواطنة من عبء قانوني إلى كرامة إنسانية .

لا يمكن لمواطنة حقيقية أن تنهض دون الاعتراف بحقوق الإنسان الأساسية، فالإنسان الذي يُحرم من حقه في التعبير، لا يمكن أن يكون مواطناً فاعلاً، لأنه لا يملك القدرة على المشاركة في القرارات التي تخصه، والإنسان الذي يُحرم من حقه في محاكمة عادلة، لا يمكن أن يشعر بالعدالة، لأن القانون في نظره مجرد أداة لقهره، والإنسان الذي يُحرم من حقه في التعليم والصحة، لا يمكن أن يمارس مواطنته بوعي وقوة، لأن الجهل والمرض يحولان دون قدرته على العطاء والمشاركة، إن حقوق الإنسان هي الضمانة التي تجعل المواطنة علاقة طوعية قائمة على الثقة، لا علاقة إجبارية قائمة على الخوف، وحين تغيب الحقوق، تتحول المواطنة إلى مجرد واجبات دون مقابل، وإلى استغلال مقنع، وإلى إهدار للكرامة الإنسانية التي يجب أن تكون أساس أي نظام سياسي عادل. في المقابل، تحتاج حقوق الإنسان إلى إطار المواطنة لتتجسد في واقع الناس، فالحق في التصويت لا معنى له دون وجود دولة تنظم الانتخابات، والحق في التقاضي لا قيمة له دون وجود قضاء مستقل، والحق في التجمع لا يمكن ممارسته دون قوانين تحمي المتظاهرين، وهنا تبرز أهمية الدولة والمؤسسات، فالمواطنة ليست مجرد انتماء عاطفي، بل هي علاقة مؤسسية، تمنح الفرد أدواته للمطالبة بحقوقه، وتوفر له آليات الدفاع عنها، وحين تكون المؤسسات قوية وعادلة، تصبح الحقوق حقيقة يعيشها الناس، لا مجرد شعارات ترفع في المناسبات .

 

المواطنة الحقيقية لا تقف عند حدود المطالبة بالحقوق، بل تتعداها إلى تحمل المسؤوليات، فالمواطن ليس مجرد مستهلك للحقوق، بل هو شريك في بناء المجتمع، يدفع الضرائب، ويشارك في الأعمال التطوعية، ويساهم في حل مشكلات مجتمعه، ويحترم حقوق الآخرين كما يحترم حقوقه، وهذه المسؤولية ليست تناقضاً مع الحقوق، بل هي وجهها الآخر، فالمواطن الذي يلتزم بواجباته، يكتسب شرعية المطالبة بحقوقه، والمجتمع الذي يشارك أفراده في بنائه، يكون أكثر عدلاً واستقراراً، لأن الناس تحمي ما تساهم في صنعه، وتدافع عن ما تشعر بأنه ملكها. في عصر العولمة والهجرات الجماعية، أصبحت العلاقة بين المواطنة وحقوق الإنسان أكثر تعقيداً، فملايين البشر يعيشون كلاجئين أو مهاجرين خارج أوطانهم، ولا يملكون حقوق المواطنة الكاملة في البلدان التي يعيشون فيها، وهذا يطرح سؤالاً صعباً: هل الحقوق الإنسانية مشروطة بالجنسية، أم أنها تسبقها وتتجاوزها؟ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان يقول إنها تسبقها، لأنها حقوق كل إنسان بمجرد كونه إنساناً، لكن الواقع يقول إن اللاجئين والمهاجرين كثيراً ما يُحرمون من أبسط الحقوق، ويعيشون في هوامش المجتمعات، ويعانون من التمييز والاستغلال، وهذا يتطلب إعادة تعريف المواطنة، لتشمل كل من يعيش على أرض الدولة، بغض النظر عن أصوله، وبما يضمن كرامته وإنسانيته، وفي داخل المجتمعات نفسها، تظهر تحديات جديدة، كالتهميش الاقتصادي والاجتماعي الذي يحول دون مشاركة فئات واسعة في الحياة العامة، والتمييز ضد الأقليات الذي يحرمهم من حقوقهم، والفجوة الرقمية التي تخلق مواطنة من الدرجة الثانية لمن لا يملكون القدرة على الوصول إلى التكنولوجيا، كل هذه التحديات تؤكد أن المواطنة والحقوق ليسا إنجازاً نهائياً، بل مشروع متجدد، يحتاج إلى مراجعة وتطوير مستمرين، لمواكبة تحولات العالم، وضمان أن تظل الكرامة الإنسانية في قلب أي نظام سياسي.

قد يعجبك ايضا