الفرد والجماعة في المفهوم الآسيوي لحقوق الانسان

الدكتور كريم شمخي جبر

في القارة الآسيوية، حيث تتنوع الثقافات وتتشابك الفلسفات، لا يُقرأ مفهوم حقوق الإنسان كنسخة واحدة، بل يُفهم من خلال عدسات متعددة تتراوح بين الفلسفات الكونفوشيوسية والبوذية والإسلامية والتقاليد الهندية القديمة، وهذا التنوع يخلق رؤية خاصة تختلف عن النظرة الغربية، وتجعل من العلاقة بين الفرد والجماعة محوراً أساسياً في فهم الحقوق، بل ربما تكون المسألة الجوهرية التي تفصل بين التصور الآسيوي والتصور الغربي لهذه الحقوق. فبينما تركز الفلسفات الغربية على الفردانية، أي فكرة أن الإنسان مستقل عن العالم والمجتمع، فإن الفلسفات الشرقية تؤكد على الجماعية، وهي فكرة أن الإنسان جزء مكمل للكون، وأن الناس متصلون بعضهم ببعض بشكل أساسي، وهذا الاختلاف ليس أكاديمياً فحسب، بل ينعكس في طريقة تنظيم المجتمعات، وفهم دور الفرد، وتحديد أولويات الحقوق والواجبات .

وقد تجلى هذا التباين بوضوح في نقاش “القيم الآسيوية” الذي برز في تسعينيات القرن الماضي، حيث رأى بعض القادة والمفكرين في آسيا أن القيم الغربية مثل الفردية المفرطة والليبرالية لا تتناسب مع ثقافات المنطقة، وطرحوا بديلاً يركز على الانضباط، والعمل الجاد، والتوازن بين الفرد والمجتمع، والاحترام العميق للسلطة، وكانت الحجة الأساسية أن هذه القيم هي التي قادت النهضة الاقتصادية لشرق آسيا بعد الحرب العالمية الثانية. والسمة الأبرز في هذا الفهم هي التركيز على المجتمع والجماعة بدلاً من الفرد، ففي هذا التصور، تأتي مسؤوليات الفرد تجاه أسرته ومجتمعه ودولته في مقدمة الأولويات، وقد تجسد هذا التوجه في وثائق مثل “إعلان بانكوك” لعام 1993، الذي وقعه العديد من الحكومات الآسيوية، وأكد على أهمية الأخذ بالخصوصية الثقافية والاجتماعية لكل دولة .

ومن هنا انطلق البعض إلى القول بأن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، كالتنمية ومكافحة الفقر، يجب أن تسبق الحقوق المدنية والسياسية في المجتمعات التي تسعى للخروج من دائرة الفقر، فالتنمية في هذا المنطق هي حق جماعي قبل أن تكون حقاً فردياً، واستقرار المجتمع هو الضمانة الأساسية لتحقيق كرامة الفرد، وهذا التوجه لم يقتصر على الخطاب النظري، بل تجسد في صياغات مؤسسية، كما نرى في إعلان حقوق الإنسان لرابطة دول جنوب شرق آسيا الذي يوازن بين حقوق الأفراد من جهة، وواجباتهم تجاه المجتمعات الأكبر والدولة من جهة أخرى، بل إن الإعلان يتضمن أيضاً “حقوق الجيل الثالث” التي تعزز الحقوق الجماعية مثل الحق في السلام والتنمية، إلى جانب الحقوق الفردية التقليدية. لكن هذا الطرح واجه انتقادات حادة، سواء من منظمات حقوق الإنسان أو من مفكرين آسيويين أنفسهم، فقد اعتبر النقاد أن الحديث عن “القيم الآسيوية” هو في كثير من الأحيان غطاء تبريري للأنظمة الاستبدادية لقمع المعارضة وتقييد الحريات، فالتأكيد على أولوية الجماعة قد يتحول إلى أداة لتبرير قمع الأصوات المعارضة بحجة “حماية الاستقرار الاجتماعي .

ويرى مفكرون مثل الحائز على جائزة نوبل أمارتيا سين أن جذور حقوق الإنسان ليست غربية بحتة، بل هناك تيارات فكرية عريقة داخل آسيا تؤمن بالحرية والكرامة، كما أن الأزمة المالية التي ضربت آسيا في 1997-1998، والتي كشفت نقاط ضعف النموذج التنموي القائم على التضحية بالحريات، أضعفت حجة من يفضلون التنمية على حساب الحريات. واليوم، وبفضل التحولات المتسارعة التي تشهدها القارة، من ثورة التكنولوجيا إلى صعود حركات الشباب الناشطة، ومن توسع الطبقات المتوسطة إلى زيادة التبادل الثقافي مع العالم، تمر مفاهيم الحقوق في المنطقة بمرحلة إعادة تشكيل عميقة، فالأجيال الجديدة لم تعد ترى تناقضاً بين الانتماء لتراثها وبين التمسك بحقوقها الفردية، بل بدأت تبحث عن نموذج يجمع بين الروح الجماعية الآسيوية والشفافية الغربية، بين احترام السلطة ومحاسبتها، وقد أصبحت رابطة دول جنوب شرق آسيا نفسها تتبنى رؤية “تتمحور حول الإنسان”، حيث يسعى الإعلان إلى تحقيق توازن بين حقوق الفرد وحقوق المجتمع، مع الاعتراف بأن العديد من الحقوق الفردية لا تتحقق إلا من خلال الجماعة.

ويبقى فهم العلاقة بين الفرد والجماعة في المجتمعات الآسيوية صراعاً حياً بين الرغبة في الحفاظ على الخصوصية الثقافية والتمسك بالقيم الجماعية، وبين المطالبة بالحقوق الفردية والشفافية والمشاركة، إنه نقاش لا يبحث عن رفض عالمية حقوق الإنسان، بل عن صياغة آسيوية لها، تحترم التقاليد وفي الوقت نفسه تفتح الباب أمام الحرية والكرامة، سعياً إلى تحقيق توازن لم تشهده المنطقة من قبل، فالمسألة ليست انتصاراً للفرد على الجماعة أو العكس، بل هي بحث مستمر عن كيف يمكن للفرد أن يزدهر داخل جماعته، وكيف يمكن للجماعة أن تتحرر وتتقدم حين يتحرر أفرادها، وهذا هو التحدي الأكبر الذي تواجهه آسيا اليوم، والتجربة الإنسانية التي ستكتب بها فصلاً جديداً في تاريخ حقوق الإنسان .

////////////////////////////////////////////////////////////////////////////////

 

قد يعجبك ايضا