«فلسفة البقاء»… ثلاث سنوات ونصف تحولت إلى كتاب

شيروان الجاف

بعد ثلاث سنوات ونصف من العمل المتواصل، أقف اليوم على مسافة ثلاثين يوماً تقريباً من لحظة طال انتظارها؛ لحظة وصول كتابي الجديد «فلسفة البقاء: كيف صاغ الحزب الديمقراطي الكوردستاني هوية الحكم؟» من لبنان، بعد أن تكفلت دار قناديل للنشر والتوزيع بإصداره، باللغتين العربية والإنكليزية.

ثلاث سنوات ونصف ليست زمناً قصيراً بالنسبة إلى كتاب.

وراء كل صفحة ساعات طويلة من القراءة والبحث والمراجعة وإعادة الكتابة، ومحاولات مستمرة للإجابة عن سؤال لم أكن أريد أن أتعامل معه بالطريقة التقليدية:

كيف استطاع الحزب الديمقراطي الكوردستاني أن يبقى؟

لم يكن المقصود بالبقاء مجرد الاستمرار التنظيمي، ولا مجرد تجاوز الهزائم والصراعات، وإنما فهم التحولات التي نقلت تجربة سياسية من مرحلة الثورة والمقاومة إلى مرحلة المؤسسة والحكم.

لهذا لم أرد أن أكتب تاريخاً تقليدياً للحزب، فالتاريخ مليء بالكتب التي تسرد الأحداث والأسماء والتواريخ. ما حاولت القيام به هو البحث عن الفكرة الموجودة خلف الحدث؛ كيف تتحول التجربة العسكرية إلى تجربة سياسية، وكيف يتحول المجتمع إلى جزء من عملية البقاء، وكيف تنتقل الحركة من الجبل إلى المؤسسة، ومن سؤال الوجود إلى سؤال الحكم.

فالكتاب ينظر إلى الثورة وتجاربها ليس باعتبارها مواجهات عسكرية فقط، وإنما باعتبارها تجارب أنتجت أيضاً نتائج سياسية ومؤسسية واجتماعية وثقافية.

ومن هنا جاء السؤال الأوسع:

متى تتحول الحركة السياسية من مجرد حركة مقاومة إلى مشروع حكم؟

لقد حاول الكتاب أن يتتبع هذا التحول عبر مراحل مختلفة، وصولاً إلى تجربة الحكم الذاتي والمؤسسات والإدارة بعد عام 1991، وهي مرحلة مثلت انتقالاً مهماً من منطق الثورة إلى منطق إدارة المجال السياسي والمؤسسي.

وهنا أعتقد أن معنى «البقاء» يتجاوز القوة العسكرية.

فالقوة تستطيع أن تحمي مشروعاً، لكنها لا تكفي وحدها لاستمراره. البقاء يحتاج إلى التنظيم والمجتمع والقدرة على التكيف وإنتاج المؤسسات وقراءة المتغيرات السياسية. وهذا ما حاول الكتاب مناقشته من خلال دراسة العلاقة بين القوة والتنظيم والمجتمع والسياسة.

لكن المفارقة أن رحلة الكتاب لم تكن سهلة منذ البداية.

عندما أنهيت المخطوطة وبدأت البحث عن دار نشر، رفضت المخطوطة عدة دور نشر.

ولم أجد من يقبل بالمشروع سوى دار قناديل.

في البداية كان يمكن أن أتعامل مع الرفض بوصفه إحباطاً، لكنني اليوم أراه جزءاً من قصة الكتاب. فالقبول يطمئن الكاتب، أما الرفض فيجعله يسأل نفسه: هل يستحق هذا العمل كل هذا التعب؟

وبعد ثلاث سنوات ونصف من العمل، كانت إجابتي واضحة:

نعم، يستحق.

ليس لأنني أعتقد أنني كتبت الكلمة الأخيرة في تاريخ الحزب الديمقراطي الكوردستاني، فهذا ادعاء لا يليق بأي باحث، وإنما لأنني أؤمن بأن هذه التجربة التاريخية تستحق أن تُقرأ من زوايا متعددة، وأن تُناقش بعيداً عن السرد الأحادي والأحكام الجاهزة.

ولهذا أريد أن يكون الكتاب أن يصل أيضاً إلى الباحث والناقد والقارئ المختلف.

فالكتاب السياسي لا تزداد قيمته لأن الجميع يتفق معه، وإنما لأنه يستطيع أن يفتح باباً جديداً للنقاش.

اختيار إصدار الكتاب باللغتين العربية والإنكليزية جاء من الرغبة في إخراج هذه التجربة من إطارها المحلي إلى فضاء أوسع، وإتاحة الفرصة أمام قارئ آخر للاطلاع على تجربة سياسية كوردية ارتبطت بتاريخ العراق وتحولاته السياسية والاجتماعية.

وبعد نحو ثلاثين يوماً، سيغادر الكتاب لبنان متجهاً إلى العراق.

عندها ستنتهي علاقتي بالمخطوطة بوصفها مشروعاً شخصياً، وستبدأ علاقتها الحقيقية بالقارئ.

ثلاث سنوات ونصف من البحث ستصبح بين دفتي كتاب.

وما سيحدث بعدها ليس بيدي.

قد يتفق القارئ معي، وقد يختلف.

قد يجد في الكتاب ما يستحق الإشادة، وقد يجد ما يستحق النقد.

وهذا تحديداً ما أريده.

لأنني لم أكتب «فلسفة البقاء» لكي أغلق النقاش، وإنما لكي أفتحه.

كيف تبقى الأحزاب حين يتغير التاريخ؟

وكيف تستطيع حركة سياسية أن تنتقل من الثورة إلى المؤسسة، ومن الجبل إلى الدولة، من دون أن تفقد ذاكرتها وهويتها؟

هذه هي الأسئلة التي دفعتني إلى كتابة هذا العمل.

والآن، بعد ثلاث سنوات ونصف، لم يعد الكتاب مخطوطة في حاسوبي.

لقد أصبح كتاباً.

ثلاث سنوات ونصف من العمر تحولت إلى صفحات، وبعد ثلاثين يوماً تقريباً ستبدأ هذه الصفحات رحلتها مع القارئ.

قد يعجبك ايضا