انس الشيخ مظهر
حين يخرج الناطق العسكري باسم «كتائب حزب الله» ليقول بصوت مرتفع إن السلاح «أداة حققت غرضها ولا يُسلَّم مجاناً»، وإن تفكيكه معلّق على «بديل مناسب» يُطبخ في غرف مغلقة بين «الإطار التنسيقي» و«الفصائل»، فهذا ليس كلاماً في السياسة، بل إعلان انفصال صريح عن الدولة. إنه استبدال لفكرة المواطنة والسيادة بمنطق آخر أقرب إلى «الخوّة»: ادفع لتأمن، وساوم لتحصل على حقك في أرضك. لسنا أمام خلاف على جدول زمني لتسليم السلاح، بل أمام قلبٍ كامل لمعنى «الدولة العراقية»: السيادة هنا لم تعد قيمة عليا، بل سلعة تُعرض في المزاد، والسلاح الموازي هو من يحدد سعرها.
لطالما رُوّج لبقاء الترسانات خارج قيادة الجيش الرسمي بحجة «الردع». هذه السردية لم تعد تحتمل النقاش بعدما سقطت ميدانياً وبشكل مدوٍّ. انظروا إلى ما جرى لأطراف «محور المقاومة»: حركة «حماس» أُنهكت وفُككت بنيتها العسكرية في غزة، و«حزب الله» تلقّى ضربات قاصمة صفّت قيادته في لبنان، و«الحوثيون» ضُربوا في شريان قوتهم باليمن، بل إن العمق الإيراني نفسه اخترق وتجرّد من حواجز صد بناها على مدى عقود. الرسالة واضحة: تكديس السلاح خارج قرار الدولة وغطائها المؤسسي لا يصنع رادعاً، بل يصنع فخاً للموت. فالترسانة بلا غطاء دولة تتحول إلى هدف كلاسيكي مكشوف لسلاح الجو والضربة الذكية، ويتحول العراق إلى ساحة مفتوحة لتصفية حسابات لا ناقة له فيها ولا جمل.
والمفارقة الأقسى أن السلاح الذي يُسوَّق كدرع للبلاد يتحول إلى الثغرة التي يمر منها العدوان. فالخصم الخارجي لا يعترف بحدود وهمية بين «الفصيل» و«الدولة»؛ يتخذ قراره في هيئة أركان غير رسمية، ويدفع المجتمع العراقي بأكمله فاتورة دمار لم يكن له فيها رأي ولا صوت.
الخطر الأعمق في خطاب الفصيل لا يتعلق بالسلاح وحده، بل بمصادرة القرار الوطني كله. حصر مستقبل سلاح العراق في طاولة ثنائية بين «الإطار» والفصائل هو احتجاز قسري لإرادة بلد كامل، وإقصاء متعمد لأغلبية المجتمع العراقي: الكورد والسنّة والقوى المدنية والمستقلة. قرار الحرب والسلم ليس ملفاً مذهبياً، وليس غنيمة تُقسَّم في كواليس مغلقة. وحين تتحول الحكومة بجيشها وأجهزتها الأمنية إلى «طرف ثالث» ينتظر فقط أن يوقّع على ما يتفق عليه أصحاب السلاح، فنحن لسنا أمام صياغة أمنية، بل أمام محاصصة صريحة على السيادة، تُستبدل فيها حصص الوزارات بحصص أخطر “من يملك حق العنف، ومن يملك القرار الاستراتيجي”.
هنا يكمن الفخّ الحقيقي في عبارة «البديل الناجح». كيف يُسمح لطرف خارج على القانون أن ينصّب نفسه حكماً وحيداً على كفاءة الدولة التي يرفض أصلاً الانصياع لها؟ اشتراط رضا الفصيل عن شرعية البديل يقلب المعادلة الدستورية رأساً على عقب , فالمفترض هو أن تثبت الجماعة المسلحة جدارتها بالاندماج تحت سقف القانون، لكن ما يحدث هو العكس تماماً؛ الدولة هي من تُجبَر على تقديم فروض الولاء وأوراق الاعتماد أمام السلاح لإقناعه بجدواها! منح قوة موازية حق «الفيتو الاستراتيجي» على بناء مؤسسات رسمية يعني تأجيل سيادة القانون إلى أجل غير مسمى، وتحويل الدولة نفسها إلى ملحق هامشي يستمد شرعيته من مزاج البندقية لا من الدستور.
أما القاع الأخلاقي لهذا الخطاب فتختصره عبارة واحدة: «لا تسليم للمجان». كلمة «مجاناً» هنا تفضح الجوهر الحقيقي للسلاح: إنه استثمار، لا عقيدة. تسليم السلاح للدولة يُنظر إليه كـ«خسارة استثمارية» يجب تعويضها، فيُعامَل السلاح كبضاعة سياسية ثمنها مناصب وزارية، ونفوذ أمني دائم، وحصانة من المساءلة. هذا المنطق يستبدل العقيدة الوطنية بصفقة تجارية، ويحوّل الواجب إلى مقايضة. وهو مسار يترك سابقة خطيرة لكل جماعة مسلحة قادمة مفادها “أن السلاح خارج القانون هو أقصر الطرق لانتزاع المكاسب والتفاوض مع الدولة من موقع الندّ للندّ”. المطلوب ليس استبدال نفوذ عسكري بنفوذ سياسي دائم، ولا مكافأة الميليشيات على قبولها الشرعية، بل إنهاء فكرة «مقايضة السيادة» من جذورها.
الأفكار السائدة التي تختزل الأزمة في «كمية السلاح» أو «آلية الدمج» تُفوّت الخطر الحقيقي: هذا الخطاب لا يريد فقط الاحتفاظ بالسلاح، بل يريد تأسيس نظام أمني هجين، أشبه بشركة حماية خاصة تعمل داخل جسد الدولة نفسها. الفصيل يملك حق التشغيل والاستثمار، والدولة الرسمية تدفع الفاتورة “التغطية الدبلوماسية، والتبعات القانونية، وثمن كل مغامرة”.
السلاح الموازي في العراق لم يعد رديفاً للدولة كما يُروَّج، بل تحوّل إلى سلطة طفيلية تمتص شرعيتها وتترك خلفها هيكلاً فارغاً. المنطق يشير الى ان السلاح خارج المؤسسات ليس حقاً مكتسباً، وليس بضاعة تُباع وتُشترى في سوق المقايضة السياسية، واحتكار الدولة لأدوات القوة ليس منّة يمنحها المسلحون للحكومة، بل هو الشرط الأول لوجود أي دولة حديثة. وكل صفقة تحاول الالتفاف على هذه الحقيقة، سواء بهدايا سياسية أو تفاهمات جانبية، لن تصنع استقراراً، بل ستكرّس «إقطاعية السلاح»، وتجعل مصير أمة بأكملها رهينة بيد من يملك الجرأة على رفع بندقية في وجه القانون.