أفريقيا الجديدة: تحديات العبور إلى المستقبل

سعد محمد عبدالله

تحتل أفريقيا موقعًا إستراتيجيًا في قلب العالم، وتتوسط المجال الجغرافي الذي يربط بين قارتي أوروبا وآسيا، وتطل على البحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر والمحيطين الأطلسي والهندي، الأمر الذي جعلها عبر فصول التاريخ جسرًا حيويًا للتجارة والسياحة والتواصل الإجتماعي والثقافي بين مختلف الشعوب، ومحورًا لصراعات دولية نشطة ومتجددة، ولا تقتصر أهمية القارة على موقعها الجغرافي؛ فهي تمتلك ثروات طبيعية هائلة، وأراضي زراعية واسعة، وإحتياطيات كبيرة من الذهب والبلاتين والكروم والكوبالت والماس والنفط والغاز، فضلًا عن إمكانات بشرية وسوق إستهلاكية متنامية؛ ولكن، مع ذلك، ظلت قارة أفريقيا، بعد التحرر من قيود الإستعمار، وفي كثير من الأحيان في المخيال العالمي، تُقدَّم باعتبارها قارة الأزمات؛ حيث الفقر والمجاعة والحروب والأوبئة والمخدرات، بينما جرى التقليل، عن قصد، من وزنها الحقيقي في فضاءات الإقتصاد والسياسة الدوليين، ويكشف الجدل حول الخرائط الجغرافية جانبًا من هذه المفارقة المثيرة للتعجب؛ فالخرائط ليست دائمًا أدوات محايدة في سياقات هذا العالم المتحول على مدار الساعة، وإنما قد تؤثر في الطريقة التي يتصور بها الإنسان حجم العالم وموارده ومراكز القوة فيه، وبالتالي تقدير مستوى التأثير في مراكز إتخاذ القرار الإقتصادي والسياسي، وقد أسهم إسقاط ميركاتور الجغرافي التقليدي، المستخدم منذ القرن السادس عشر، في تشويه الأحجام النسبية للقارات، خصوصًا قارة أفريقيا؛ حيث أعطى إنطباعات بصرية لا تعكس المساحات الحقيقية، ومن هنا تبدو الحاجة ماسة إلى إعادة النظر في الصورة الذهنية عن أفريقيا ومكانتها العالمية.

لا يمكن فهم أفريقيا المعاصرة من خلال جغرافيتها وثرواتها فقط، فالقارة تتميز كذلك بتنوع ثقافي وديني ولغوي وإجتماعي إستثنائي، إذ تضم آلاف المجتمعات ذات التاريخ والتقاليد المختلفة، ولديها إرث كبير فيما يتعلق بتعدد أنظمة الحكم والإدارة التي سادت منذ الممالك القديمة، والتي تطورت لاحقًا إلى جمهوريات مستقلة بعد جلاء الإستعمار، ولم يتبقَّ من الأنظمة الملكية التقليدية في صورتها الحديثة سوى ثلاث ممالك هي: المملكة المغربية، ومملكة ليسوتو، ومملكة إسواتيني، مع بعض الرموز التاريخية في مختلف دول القارة التي تُعرَف بالإدارات الأهلية، وهذا التنوع يمكن أن يكون مصدرًا هائلًا للقوة في أفريقيا الجديدة إذا أُدير في إطار دولة المواطنة والعدالة والمساواة، لكنه قد يتحول إلى مصدر للتوتر عندما تستغله بعض النخب السياسية أو القوى الخارجية لإعادة إنتاج الصراعات، بغية السطو على الموارد والتحكم في القرار الوطني وإعاقة تنفيذ المشاريع الحداثوية، بما يتيح للمستعمرين صياغة توجهات السياسات الوطنية، وقد شهدت القارة، على إمتداد تاريخها الحديث، حروبًا طويلة تركت آثارًا عميقة في بنية الدولة والمجتمع؛ ففي جنوب أفريقيا، إمتدت حروب الحدود في إقليم الكيب الشرقي خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وهناك حرب بيافرا في نيجيريا من عام 1967م إلى عام 1970م، بينما خاض الشعب الإريتري حربًا طويلة ومعقدة إنتهت باستقلال إريتريا عن إثيوبيا عام 1993م، وفي السودان، تواصلت الحروب الأهلية لعقود، بدءًا من الحرب الأولى التي إندلعت عام 1955م، ثم الحرب الثانية من عام 1983م إلى عام 2005م، وحرب دارفور عام 2003م، والحرب الثانية في المنطقتين، جنوب كردفان والنيل الأزرق، عام 2011م بعد إنفصال جنوب السودان عن السودان، ثم حرب أبريل 2023م، وتكشف كل هذه التجارب أن مشكلة السودان وأفريقيا قاطبة ليست في تنوعها، وإنما في عجز أنظمتها السياسية عن تحويل ذلك التنوع إلى أساس للتعايش السلمي المشترك، وفي إستمرار نموذج الدولة الهشة، والنخب المستبدة، والتهميش الممنهج، والصراع على الموارد والسلطة تحت ضغط سياسات الإستعمار.

يأتي الجدل السياسي والإعلامي المتجدد في العديد من الصحف السودانية والأفريقية حول صورة أفريقيا على الخرائط العالمية وموقع السودان فيها، ليطرح سؤالًا أوسع من مجرد دقة التمثيل الجغرافي: كيف تشكلت الصورة العالمية عن بلادنا وهذه القارة، ولماذا ظلت قارة أفريقيا العظيمة تُقدَّم في كثير من الأحيان من زاوية الأزمات التي لا تنتهي، بينما تُهمَّش قدراتها الإقتصادية والبشرية والإستراتيجية؟ وما سبب المخاوف من سيادتها للعالم، بحكم مواردها وتاريخها ونضالات شعوبها، حال إستقرارها وإستقلال قرارها السيادي؟ وهل الإعتراف بخصائصها سيدفع نحو المزيد من التحرر والمشاركة العادلة في صناعة قرار العالم من حولنا؟ وسط هذه الأسئلة المتداخلة وغيرها، أعتقد أن إعادة الإعتبار إلى الحجم الحقيقي للقارة يمكن أن تكون جزءًا من معركة أوسع وأعمق وأشد، بغية إستعادة الوعي الأفريقي بالذات، وتعزيز الأمل والتفاؤل في صناعة المستقبل، وإعادة تعريف العلاقة بين أفريقيا والعالم على أساس المصالح المتبادلة، لا التبعية والإستبداد والإستغلال؛ ذلك لأن أفريقيا ليست مجرد خزان للموارد الطبيعية، ولا ساحة مفتوحة للتنافس بين القوى الدولية، وإنما تضم أكثر من مليار نسمة، وتملك فرصًا هائلة في مشاريع الزراعة والطاقة والتعدين والصناعة والتكنولوجيا والأسواق والسياحة والفنون بمختلف أشكالها وأنواعها؛ كما أن موقعها الكامن بين المحيطين الأطلسي والهندي، وسيطرتها الجغرافية على ممرات ومنافذ بحرية وبرية حيوية، يمنحها أهمية متزايدة في النظام الدولي؛ لكن تحويل هذه المزايا إلى قوة دفع حقيقية تقودنا نحو إحداث التغيير يتطلب بناء مؤسسات وطنية فاعلة، وتعزيز فرص التكامل الإقتصادي الأفريقي من خلال الأسواق المشتركة، والإستثمار في التعليم والصحة والبنية التحتية والإنتاج الفني والأدبي، والعمل بجدية على إنهاء النزاعات المسلحة؛ فالثروة وحدها لا تصنع القوة، والموقع الجغرافي، مهما تميز، لا يضمن الإستقرار، وإنما تحتاج القارة إلى إرادة سياسية صلبة تقودها الحكومات لتجعل مواردها وسكانها أساسًا للتنمية والسيادة والريادة.

من هذا المنظور، فإن قضية أفريقيا لا ينبغي إختزالها في الخريطة، رغم أهميتها، كما لا ينبغي أن تختزل في الحروب التي مزقت مجتمعاتها، بل يجب النظر إليها باعتبارها قارة ثرية تمتلك مقومات تحول تاريخي وإستراتيجي يمكن أن يعيد صياغة موقعها في كابينة النظام العالمي الحالي الذي يحتاج إلى إصلاح حقيقي يكفل حرية الدول والقارات في إدارة شؤونها على هذا الكوكب المضطرب؛ فالدرس الذي يمكن إستخلاصه من تاريخ الصراعات الأفريقية الطويلة هو أن السلام حلم ظل يراود الجميع، ولكنه لا يتحقق بمجرد إيقاف عمليات القتال، أو من خلال الإعتماد على فرمانات وعطايا المستعمر التي دائمًا ما تقود الذين يرضخون لها إلى غياهب الظلام، وإنما يجب إعادة بناء الدولة على أساس المواطنة المتساوية، والعدالة الإجتماعية، والتنمية المتوازنة، وإحترام التنوع بكل خلفياته، والسودان، بحكم موقعه، يربط شريطًا واسعًا وممتدًا بين شمال أفريقيا والقرن الأفريقي والبحر الأحمر إلى الساحل والصحراء، ويمثل نموذجًا واضحًا لتداخل الجيوسياسي مع الثروة والأمن والصراعات الداخلية، بالتوازي مع التنافس الإقليمي والدولي المحتدم منذ عشرات السنين حول الموارد والمعابر الإستراتيجية، ولذلك فإن مستقبل السودان لا ينفصل عن واقع محيطه الأفريقي، كما أن إستقرار الإقليم يحتاج إلى سودان جديد آمن ومستقر وقادر على إدارة موارده وتنوعه، والقارة الأفريقية، التي جرى تصغيرها على الخرائط، لا ينبغي أن تسمح بتقزيم دورها في التاريخ والسياسة والإقتصاد، وحين تدرك نخبها وشعوبها حجم إمكاناتها، وتبني دولًا عادلة ومؤسسات قوية يسودها القانون، فإن القارة لن تكون مجرد هامش في خريطة هذا العالم، بل ستصبح أحد أهم مراكز القوة الفاعلة والمؤثرة في القرن الحادي والعشرين.

قد يعجبك ايضا