متابعة ـ التآخي
مع تسجيل موجات الحر مستويات قياسية في جنوب أوروبا، تتجه أنظار السياح إلى بلدان الشمال الأكثر برودة. ويحذر خبراء من أن الإقبال المتزايد على الدول الإسكندنافية يثير مخاوف متنامية على البيئة والطبيعة في هذه البلدان. وتلقي موجات الحر بظلالها على قطاع السياحة حيث تدفع أعدادا متزايدة من المسافرين إلى البحث عن وجهات أكثر برودة لاسيما النرويج والدول الإسكندنافية.
وتجتاح أوروبا منذ أسابيع حرائق غابات مدمرة تؤججها ظروف الجفاف وصيف حار غير مسبوق، وتكافح فرنسا واليونان والبرتغال وإسبانيا أيضا حرائق كبيرة.
ويقول علماء إن التغير المناخي الناجم عن الأنشطة البشرية هو العامل الرئيس وراء ارتفاع درجات حرارة البحار في أوروبا إلى مستويات قياسية في الآونة الأخيرة، محذرين من عواقب وخيمة على النظمالبيئية البحرية والمناطق الساحلية.
ووفقا لتقرير اتجاهات السياحة الصادر عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية للعام الجاري، فإن موجات الحر الشديدة في جنوب أوروبا تسهم في زيادة الإقبال على الوجهات الأكثر برودة. ويثير هذا التحول مخاوف بشأن قدرة دول النرويج على تحمل الأعداد المتزايدة من السائحين.
وتجذب جزر لوفوتن في النرويج أعدادا متزايدة من السياح بفعل وسائل التواصل الاجتماعي، فيما يفاقم رواج “العطلات الباردة” الضغوط على البيئة، وقد أطلقت صناعة السفر على هذا التوجه مصطلح (Coolcation) وتعني “العطلة الباردة” في إشارة إلى اختيار مناطق ذات مناخ معتدل هربا من البلدان ذات الحرارة الشديدة.
وفي النرويج، كان أحد المرتفعات الجبلية التي تطل على منطقة يوتونهايمن الخلابة في جنوب النرويج، مسارا رائعا للمشي حيث يقصده السياح الذين كان يصحبهمجورج سيشيلشميت، الذي يعد من أبرز منظمي الرحلات السياحية في هذه المنطقة.بيد أن سكان يوتونهايمن أخبروه أن المنطقة باتت موطنا للنسور التي تعيش بين القمم الشاهقة المنتشرة فيها البحيرات الفيروزية والأنهار الجليدية. وعلى وقع ذلك، لا يرغب سيشيلشميت في إزعاج هذه الطيور المفترسة في مثال على الاهتمام المتزايد بحماية البيئة مع نمو السياحة.
ويؤكد أن قوانين التجول الحر في الطبيعة بالنرويج لا تمنح الزوار حق الوصول إلى الطبيعة فحسب، بل تفرض عليهم أيضًا مسؤولية الحفاظ عليها وعدم الإضرار بها.لكن مع تزايد الاقبال على بلدان أوروبا الباردة في ظل الحر الشديد بجنوب القارة، فإن حماية الطبيعة تتطلب أكثر بكثير من مجرد قرارات فردية مثل القرار الذي اتخذه سيشيلشميت.
يشير خبراء السياحة إلى أن عديد المسافرين بدأوا بالفعل في إعادة النظر في وجهاتهم الصيفية. وفي ذلك، يقول منظمو الرحلات ان الاهتمام بقضاء عطلات في دول شمال أوروبا يتزايد عاما بعد عام، فيما تتجه الرحلات إلى دول البحر المتوسط تدريجيا نحو فصلي الربيع والخريف بدلا من ذروة الصيف.
ويرى دانيال سكوت، أستاذ المناخ والسياحة في جامعة واترلو الكندية، أنه ما يزال من المبكر معرفة مدى انتشار هذا الاتجاه. وفي مقابلة نوه بأن شركات الحجز والفنادق وشركات الطيران لا تنشر بيانات توضح عدد المسافرين الذين يغيرون وجهاتهم بسبب موسم الحر. وبرغم ذلك، قال “نعلم أن الناس يفكرون في هذا الأمر، وبعضهم يقول إنه بدأ بالفعل باتخاذ قرارات بناء على ذلك”.
بيد أن هذا التحول يثير مخاوف بيئية جديدة في بلدان شمال أوروبا بخاصة مع تزايد تدفق المسافرين هربا من الطقس الحار.ويقول سيشيلشميت إنه “من الصعب الذهاب للمشي في فرنسا أو إسبانيا أو إيطاليا في شهري تموز وآب عندما تتجاوز درجات الحرارة 40 درجة مئوية”. وأضاف أنه على وقع التغير باتت الدول الإسكندنافية “خيارا جيدا للهرب من الحر“.
ويظهر ان حديث سيشيلشميت يتوافق مع ما تشهده بلدان شمال أوروبا. ففي شمال النرويج، يعد أرخبيل لوفوتن مقصدا للكثيرين بفضل مناظره الطبيعية الخلابة، لكن تزايد أعداد السياح يؤدي إلى ضغوط متنامية على البيئة. وبرغم أن عدد سكان المنطقة لا يتجاوز 25 ألف نسمة، فقد سجلت أكثر من 807 آلاف ليلة مبيت سياحية خلالعام 2025. وعلى وقع ذلك، تخشى الباحثة إيلينا هاتون من أن يؤدي استمرار هذا النمو إلى إلحاق أضرار بالكائنات الحية والأنظمة البيئية الحساسة.
ويرى الخبراء أن مواجهة هذه التحديات تتطلب إدارة فعالة للسياحة، بحسب ما يشير إليه سيشيلشميت، وقال إنه من الضروري توجيه الزوار إلى مسارات محددة يمكن صيانتها وحمايتها مع إبعادهم عن المناطق الأكثر هشاشة بيئيا. وشدد على أن الحكومات والسلطات المحلية مطالبة بتحديد القدرة الاستيعابية للمناطق الطبيعية ووضع ضوابط تمنع تدهورها.
وفي هذا السياق، بدأت النرويج في تطبيق إجراءات جديدة لإدارة السياحة من بينها السماح للمناطق التي تعاني من ضغط سياحي مرتفع بفرض ضريبة إقامة بنسبة 3% ابتداء من العام المقبل.
ومن المتوقع أن تستعمل هذه الإيرادات في تطوير المسارات السياحية والمرافق العامة والبنية التحتية المطلوبة لاستقبال الزوار بصورة أكثر استدامة. ويُضاف إلى ذلك تدشين بعض الدول مبادرات للسياحة البيئية يشارك فيها الزائرون في أعمال صيانة الطبيعة والحفاظ عليها.
ومع ذلك، يحذر الخبراء من أن حتى الوجهات الباردة ليست بمنأى عن آثار التغير المناخي. ويشير الخبراء إلى أن دراسات حديثة كشفت عن كثير من المدن المعروفة باعتدال مناخها ستشهد ارتفاعا ملحوظا في درجات الحرارة في غضون العقود المقبلة. لذلك يؤكد الباحثون أن لا وجهة سياحية ستكون بمنأى عن آثار الاحتباس الحراري إذا استمر التغير المناخي بالوتيرة الحالية. ولهذا يرى كثيرون أن الحل لا يكمن فقط في الانتقال إلى أماكن أبرد، بل في مواجهة الأسباب الأساسية للتغير المناخي وحماية الموارد الطبيعية للأجيال المقبلة