إشكالية التضخم في التعليمات الإدارية في إقليم كوردستان العراق

د. هلكورد عزيزخان عقراوي

أدت التطورات المتلاحقة بعد الحرب العالمية الثانية إلى تدخل الدولة بشكل مباشر في كافة المجالات الحيوية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، مما نتج عنه إفراط واسع في سن التشريعات والقوانين. ولتسهيل تطبيق هذه القوانين، عمدت السلطة التنفيذية والوزارات والهيئات العامة إلى إصدار حزم متراكمة من التعليمات التنظيمية، مما أفرز إشكالية بالغة الأهمية والخطورة تتمثل في التضخم الإداري في التشريعات والتعليمات، وهي واحدة من أبرز إشكاليات الإدارة المعاصرة ویكمن الأبعاد ظاهرة التضخم التشريعي والإداري علی مستوی الدول:

تشهد الدول الكبرى والاتحادات الدولية زيادة مضطردة في حجم النصوص التشريعية نتيجة تعدد مصادرها وتشعب الالتزامات الدولية؛ ففرنسا وحدها تجاوزت تشريعاتها سبعة آلاف وسبعمائة قانون إلى جانب آلاف المراسيم والاتفاقيات في سنة واحدة. أما في العراق وإقليم كوردستان، فتواجه الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم تعقيداً غير مسبوق في السيطرة على الكم الهائل من التشريعات المتراكمة منذ تأسيس الدولة العراقية وحتى الآن. تتضمن قاعدة التشريعات العراقية آلاف القوانين، وقرارات مجلس قيادة الثورة المنحل، وأوامر سلطة الائتلاف، والتعليمات والأنظمة المتنوعة، بالإضافة إلى التشريعات الصادرة عن برلمان وحكومة إقليم كوردستان منذ عام 1992. وتُظهر السجلات مئات الآلاف من المواد القانونية المنشورة في جريدتي الوقائع العراقية والكوردستانية، مما يعكس بوضوح حجم التضخم التشريعي والتنظيمي.

واضافة الی ذلك فٲن مفهوم وأسباب تضخم التعليمات الإدارية یتسع مع اتساع وظائف الإدارة العامة وتعدد الجهات التي تصدر القرارات، تراكمت التعليمات الإدارية بشكل مفرط دون دراسة معمقة، مما أدى إلى فقدانها لغايتها الأصلية وتحولها إلى نصوص متعارضة أو مكررة يصعب الإحاطة بها. وتتمثل أبرز أسباب هذه الظاهرة في الآتي:

أولاً: اتساع نطاق وظائف الإدارة العامة، حيث تتولى الإدارة الحديثة مهاماً واسعة تتطلب قواعد توجيهية أكثر تفصيلياً.
ثانياً: التسرع في إصدار التعليمات لمعالجة مشكلات آنية سريعة دون سند قانوني دقيق أو مراجعة للتعليمات السابقة، مما يخلق نصوصاً ناقصة ومتراكمة.
ثالثاً: إغفال الأساس القانوني والاستشارات التخصصية، إذ إن غياب الاستعانة بالمختصين القانونيين يؤدي إلى تكرار الأحكام أو تجاوز حدود الاختصاص.
رابعاً: تعدد الجهات الإدارية وتداخل الاختصاصات، بتولي أكثر من جهة تنظيم الموضوع ذاته بتوجيهات متباينة وتعارض واضح.
خامساً: غياب التنسيق بين المركز والإقليم، إذ إن غياب آليات التنسيق والتوحيد بين المؤسسات الاتحادية وتلك التي في إقليم كوردستان يخلق فوضى تنظيمية مزدوجة، حيث يجد المواطن أو المستثمر نفسه ضحية لقرارات وتعليمات متقاطعة بين الحكومتين في الملفات المشتركة.
سادساً: غياب المراجعة الدورية، والاستمرار بالعمل بنصوص قديمة وعدم تنقيحها باستمرار بالتوافق مع التطورات التشريعية.

وعلاوة علی ذلك الآثار السلبية لتضخم التعليمات
لا تقتصر آثاره على الموظفين فحسب، بل تمتد لتزعزع استقرار المراكز القانونية للأفراد وتخلق غموضاً يتيح المجال للاجتهادات الشخصية الخاطئة. كما أن تباين تفسير التطبيق من جهة إدارية لأخرى يمس بصورة مباشرة بمبدأ المساواة أمام القانون، ويخلق حالة من الاضطراب الوظيفي. وعلاوة على ذلك، فإن تضخم التعليمات لا يمثل مجرد أزمة فنية أو قانونية بحتة، بل يتعداه ليصبح أزمة متمثلة في تراجع الثقة العامة بين المواطن والدولة؛ فعندما يشعر المواطن بأن المنظومة التنظيمية باتت أداة لتعطيل مصالحه بدلاً من تيسيرها، تتآكل جسور الثقة بالمؤسسات العامة، مما يمهد الطريق نحو شعور عام بالاغتراب الإداري.

وبالاعتماد علی وسائل الحد من التضخم الإداري
للخروج من هذه الإشكالية، لابد من اتخاذ جملة من التدابير العملية الفعالة:

1. المراجعة الدورية للتعليمات النافذة، بتشكيل لجان مختصة قبل نهاية كل سنة لإلغاء النصوص التي انتهت الحاجة إليها ودمج المتشابه منها.
2. التحول الرقمي والحوكمة الإلكترونية، عبر إرساء مستودعات رقمية مركزية للقرارات والتعليمات، بحيث يتم إخضاع أي مسودة تشريعية أو تنظيمية جديدة لفحص الأنظمة الذكية قبل صدورها للتأكد من عدم تقاطعها مع النصوص النافذة ومنع التضارب المؤسسي.
3. الشفافية والإعلام القانوني المسبق، وتجنب إصدار التعليمات بشكل فجائي دون سابق إنذار؛ إذ يجب اعتماد فترة تمهيدية للتعريف بالتشريعات الجديدة وتدريب الموظفين والجمهور عليها، لئلا تتحول القاعدة القانونية إلى وسيلة لمفاجأة المواطن أو عرقلة مصالحه.
4. ضبط صلاحية إصدار التعليمات، وحصر هذه الصلاحية بجهات محددة واضحة، بالاستعانة بمستشارين قانونيين وإداريين ذوي خبرة لصياغة نصوص واضحة ومبسطة.
5. احترام مبدأ التدرج القانوني، والتأكد من عدم تعارض أي تعليمات جديدة مع القوانين والدستور الأعلى مرتبة.
6. تعزيز الرقابة القضائية، لمنع تجاوز الإدارة لاختصاصاتها وحماية حقوق الأفراد وضمان التوازن الإداري.
7. تشكيل لجان المراجعة والتدقيق المتخصصة، لتدقيق النصوص موضوعياً وشكلياً بعد صياغتها لضمان خلوها من التناقض والغموض وتوافقها مع السياسة العامة للدولة.

وفي الختام نستنبط من الاعلاه وكعصف الذهني بشكل العام يتبين مما سبق أن التضخم في التعليمات الإدارية يشكل عقبة حقيقية أمام كفاءة العمل الإداري في العراق وإقليم كوردستان. إن كثرة التعليمات بحد ذاتها ليست هي المشكلة، بل في تراكمها وتعارضها وتجاوزها للإطار القانوني المقرر لها. وبالتالي، فإن الحد من هذا التضخم لا يعني تقليص قدرة الإدارة على التنظيم، بل يعني هندسة عملية التنظيم وتطويرها لتكون واضحة، رقمية، قائمة على التنسيق المشترك والشفافية المسبقة، وقادرة على خدمة الإنسان وتحقيق طموحاته لا إزعاجه. وإن الشجاعة الحقيقية في الإصلاح الإداري اليوم لا تكمن في سن المزيد من القيود، بل في إرادة التطهير والتنقيح المستمر للنصوص؛ لكي تستعيد الإدارة العامة ناصيتها القانونية، وتتحول المؤسسات من جزر متعارضة إلى بيئة آمنة ومنتجة تخدم المواطن بحق وتصون هيبة الدولة في آن واحد.

المصادر والمراجع:

ٲولا:زولا سومر، الصناعة التشريعية في ظل الحكم الرشيد، مقالة منشورة، 2007.

ثانیا: القاضي شوان محي الدين، مراجعة التشريعات في إقليم كوردستان – العراق بين الواقع والطموح، 2014.

ثالثا: قاعدة التشريعات العراقية، برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)، 2005.

رابعا: د. هلكورد عزيزخان أحمد، إشكالية التضخم في التشريعات الجزائية، رسالة ماجستير، جامعة سوران، 2016.

خامسا: د. عبدالكريم صالح عبدالكريم و د. عبدالله فاضل حامد، تضخم القواعد القانونية المدنية – التشريعية، مجلة جامعة تكريت للعلوم القانونية، 2014.

سادسا: د. علي الصاوي، الصياغة التشريعية للحكم الجيد، 2006.

سابعا: المادة (141) من الدستور العراقي سنة 2005 النافذ.

ثامنا:د. معتز الفهداوي، التضخم التشريعي وأثره على فعالية النص القانوني، 2025.

قد يعجبك ايضا