دلیر ابراهیم – أربيل
في الثلاثين من آب، يحيي العالم اليوم الدولي للمفقودين، وهي مناسبة إنسانية تذكّر بملايين الأشخاص الذين انقطعت أخبارهم نتيجة النزاعات المسلحة والعنف والهجرة والكوارث، كما تسلّط الضوء على المعاناة العميقة التي تعيشها عائلاتهم وهي تنتظر معرفة مصير أحبائها. وفي العراق، تحمل قضية المفقودين أهمية استثنائية، نظراً لما شهدته المنطقة من حروب ونزاعات مسلحة وحملات تهجير وحالات اختفاء، تركت وراءها آلاف العائلات التي لا تزال تبحث عن إجابات..
تُعد قضية المفقودين في العراق من أكثر الملفات الإنسانية تعقيداً، بسبب تراكم حالات الفقدان عبر عقود من النزاعات. وقد خلفت حملات الأنفال والمقابر الجماعية والنزاعات المسلحة المختلفة أعداداً كبيرة من المفقودين، وأصبح البحث عن مصيرهم جزءاً من الذاكرة الإنسانية والوطنية للعائلات والمجتمع. وفي هذا السياق، يكتسب التعاون بين المؤسسات العراقية ومؤسسات إقليم كوردستان والجهات الإنسانية الدولية أهمية كبيرة، من أجل توثيق الحالات، وجمع المعلومات، وتبادل البيانات، ودعم عمليات البحث والتعرّف إلى هوية الرفات.
إن معرفة مصير المفقود تبدأ غالباً من معلومة صغيرة قد تكون لدى أحد أفراد الأسرة أو أحد الشهود أو في سجل رسمي. وهنا تأتي أهمية العمل المنظم في جمع المعلومات وحفظها وتحليلها، وربطها بالمعلومات المتوفرة لدى الجهات المختصة. وتسهم اللجنة الدولية للصليب الأحمر، بالتعاون مع الجهات المعنية، في الجهود الإنسانية المتعلقة بالمفقودين، بما في ذلك جمع وتبادل المعلومات ذات الصلة، ومتابعة الملفات، ودعم العائلات في مسار البحث عن مصير أحبائها.

لا تقتصر قضية المفقود على الشخص الذي انقطعت أخباره، بل تمتد آثارها إلى أسرته بأكملها. فالعائلة تعيش في حالة من عدم اليقين، وقد تمر سنوات طويلة دون أن تحصل على إجابة واضحة. ولهذا فإن دعم العائلات يمثل جزءاً أساسياً من الاستجابة الإنسانية.
إن حجم ملف المفقودين وتعقيده يتطلب تعاوناً مستمراً بين الجهات الحكومية والمؤسسات المختصة في العراق وإقليم كوردستان والصليب الأحمر. ويشمل هذا التعاون تطوير آليات تبادل المعلومات، وتحسين توثيق الحالات، ودعم عمليات البحث والتعرّف إلى هوية الرفات، وتعزيز قدرات المؤسسات الوطنية، إلى جانب توفير قنوات واضحة للتواصل مع عائلات المفقودين. كما أن استمرار التعاون المؤسسي يساعد على بناء قاعدة أكثر شمولاً للمعلومات، ويعزز فرص الوصول إلى إجابات للعائلات التي تنتظر منذ سنوات طويلة.
إن إحياء اليوم العالمي للمفقودين لا يعني فقط استذكار الغائبين، بل يعني أيضاً حماية ذاكرتهم وكرامتهم، والوقوف إلى جانب عائلاتهم. وفي الاقليم والعراق، حيث تركت عقود النزاعات آثاراً عميقة، تصبح المحافظة على الذاكرة الإنسانية جزءاً من بناء مستقبل أكثر احتراماً للإنسان وحقوقه. وتبقى جهود الصليب الأحمر الدولي ذات أهمية خاصة، لأنها تضع قضية المفقودين ضمن إطار إنساني يركز على الإنسان والأسرة والحقيقة، بعيداً عن أي اعتبار آخر…
