حين تتحول التسميات الجغرافية إلى مناكفات سياسة

محمد علي الحيدري/ واشنطن

لم يكن استدعاء وزارة الخارجية العراقية السفير الإيراني في بغداد احتجاجاً على استخدام تسمية (الخليج الفارسي) وحدها، كما قد توحي بعض القراءات المتعجلة. فهذه التسمية راسخة في المدونات الجغرافية والخرائط الدولية منذ قرون، وتعتمدها الأمم المتحدة ومعظم المؤسسات العالمية، بينما شاع استخدام (الخليج العربي) في الخطاب السياسي العربي بصورة أوسع خلال القرن العشرين.

إقرار هذه الحقيقة لا ينتقص من عروبة العراق، ولا يمنح إيران حقاً سياسياً إضافياً في مياه الخليج أو دوله. فالأسماء الجغرافية نتاج تراكم تاريخي، وليست صكوك ملكية، كما أن اعتماد تسمية قديمة لا يعني إقراراً بنفوذ الدولة التي تحمل الاسم على الضفة الأخرى أو على الدول المطلة عليها.

بدأ السجال خلال زيارة رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف إلى بغداد، حين نشر صورة أمام خريطة تحمل تسمية (الخليج الفارسي). وردّ رئيس مجلس النواب العراقي هيبت الحلبوسي بصورة أمام خريطة تحمل تسمية (الخليج العربي). كان ذلك تعبيراً عن موقفين معروفين، وكان يمكن أن ينتهي في حدود الرمز السياسي والمناكفة الهادئة.

لكن دخول بعثات دبلوماسية إيرانية على الخط، ولا سيما السفارة الإيرانية في كينيا، نقل المسألة إلى مستوى آخر. فقد رافقت الخرائط تعليقات تناولت الأصول المفترضة لاسمي (العراق) و(بغداد)، في سياق بدا أقرب إلى إلحاق الهوية العراقية بالمجال الفارسي منه إلى نقاش علمي بريء في فقه اللغة والتاريخ.

قد تكون لبعض أسماء المدن والبلدان جذور فارسية أو آرامية أو سومرية أو يونانية أو غيرها. وهذا أمر طبيعي في منطقة تعاقبت عليها الحضارات واختلطت فيها اللغات والثقافات. لكن الأصل اللغوي للاسم، حتى إذا ثبت بصورة قاطعة، لا يمنح دولة معاصرة حقاً في البلد الذي يحمله، ولا يجعل هويته الحالية امتداداً سياسياً لأصحاب اللغة التي اشتُق منها.

اسم (بغداد)، على سبيل المثال، أقدم من الحدود والدول القومية الراهنة، وتعددت الآراء في أصله ودلالته. لكنها أصبحت، عبر قرون طويلة، مدينة عراقية وعربية وإسلامية كبرى، ومركزاً حضارياً تشكلت فيه ثقافات متعددة. ولا يستطيع تحليل اشتقاقي، مهما كان صحيحاً، اختزال هذه الهوية المركبة أو مصادرتها لحساب قومية واحدة.

من هنا كان طلب الخارجية العراقية توضيحاً من السفير الإيراني أمراً مفهوماً. فالاعتراض لا ينبغي أن ينصبّ على حق إيران في استخدام التسمية التي تعتمدها رسمياً، بل على توظيف البعثات الدبلوماسية التاريخ واللغة في سجال سياسي يمسّ شعور العراقيين بهويتهم واستقلالهم.

السفارات ليست مراكز لحسم الخلافات اللغوية، وصفحاتها الرسمية ليست ساحات للمبارزة القومية. وظيفتها حماية العلاقات بين الدول، لا نشر محتوى قابل لأن يُقرأ بوصفه استعلاءً حضارياً أو تذكيراً بمجالات نفوذ تاريخية. وما يمكن أن يُناقش بهدوء في جامعة أو بحث أكاديمي قد يكتسب معنى مختلفاً تماماً عندما يصدر عن مؤسسة تمثل دولة.

في المقابل، لا يخدم العراق أن يردّ على المبالغة الإيرانية بمبالغة عربية مضادة، أو أن ينكر حقائق تاريخية موثقة دفاعاً عن هويته. فالأوطان الواثقة لا تخشى أصل اسم ولا خريطة قديمة، ولا تحتاج إلى إعادة كتابة التاريخ كي تثبت استقلالها. قوة الموقف العراقي تأتي من دقته: الاعتراف بالتاريخ كما هو، ورفض تحويله إلى ذريعة سياسية أو أداة نفوذ.

بين العراق وإيران تاريخ طويل من التداخل والتنافس والحروب والمصالح والروابط الاجتماعية والدينية. ولا يمكن إدارة هذه العلاقة بالإنكار، كما لا يجوز إدارتها بالخضوع لحساسيات الطرف الأقوى. المطلوب علاقة ندية تعترف بالتأثير المتبادل، لكنها تضع حداً فاصلاً بين التواصل الحضاري والتوظيف السياسي.

لقد أحسنت بغداد حين اختارت الاستيضاح الدبلوماسي بدلاً من التصعيد الإعلامي. والأجدر بطهران أن تدرك أن احترام العراق لا يقتصر على حدوده وسيادته المادية، بل يشمل أيضاً الامتناع عن تقديمه، ولو بالإيحاء، بوصفه هامشاً ثقافياً أو امتداداً تاريخياً لإيران.

فالجغرافيا قد تحمل اسماً قديماً، والمدينة قد يكون لاسمها أصل أعجمي، لكن الدول لا تُقاس باشتقاق أسمائها، ولا تُرسم مكانتها بخرائط الآخرين. العراق حصيلة تاريخه كله، لا حاشية في تاريخ أحد.

قد يعجبك ايضا