د. محمد طه الهدلوش
متى أصبحنا نسأل العراقي أنت من أي طائفة، قبل أن نسأله ماذا قدمت للعراق؟ كان العراق عبر السنين الماضية شيئا مختلفا كنا نعيش معا نتجاور نعمل معا نتقاسم الأفراح والأحزان معا ونتصاهر فيما بيننا ولم تكن هوية العراقي تختصر بسؤال هل أنت سني أم شيعي؟
كان الجار يعرف جاره بأخلاقه ومواقفه لا بمذهبه وكانت العوائل تتصاهر وتتشابك الأرحام ويعيش أبناء المذاهب المختلفة في بيت واحد وعائلة واحدة لأن العراقي كان يعرف أن اختلاف المذهب لا يعني اختلاف الوطن فماذا حدث لنا، ومن أين جاءت هذه النعرة التي لم تكن بهذا الشكل في حياتنا؟ كيف انتقلنا من عراق كان العراقي فيه يرى العراقي أخا وجارا وصديقا وشريكا في الحياة إلى واقع أصبح فيه البعض يبحث عن عنوانك الطائفي قبل أن يعرف أخلاقك ومعدنك وموقفك؟ والأغرب من ذلك كله أننا نعيش تناقضا يثير السؤال ويستحق أن نتوقف عنده طويلا، لماذا تختفي هذه النعرة الطائفية بمجرد أن نعبر حدود العراق؟
لماذا عندما يلتقي العراقي بالعراقي خارج وطنه في بلد عربي أو أجنبي لا يعود السؤال أنت سني أم شيعي؟ بل يصبح السؤال ببساطة أنت عراقي؟ وفجأة تختفي كل العناوين التي كانت تفرقنا ويظهر عنوان واحد يجمعنا هو العراق عندما يكون العراقي خارج وطنه يشعر أن العراقي الآخر هو أخوه وسنده ويتحدث عنه باعتزاز قائلا هذا عراقي مثلي فلماذا لا يكون هذا الشعور نفسه داخل العراق؟ لماذا نكتشف قيمة بعضنا عندما نبتعد عن أرضنا وننسى هذه القيمة ونحن نعيش فوق الأرض نفسها؟
هذا السؤال يجب ألا يمر مرور الكرام لأن الحقيقة التي يجب أن نعترف بها هي أن العراقيين ليسوا أعداء بطبيعتهم ولم تكن الطائفية حاجزا أبديا بينهم وإنما جرى في مراحل مختلفة توظيف الانتماءات والهويات في الصراع السياسي والمجتمعي حتى أصبح بعض الناس ينظر إلى الآخر من خلال عنوانه لا من خلال إنسانيته وعراقيته فالطائفية السياسية لا تحمي المذهب وإنما تستخدم المذهب والذي يخيفك من أخيك العراقي المختلف عنك لا يخدم دينك وإنما يخدم من يريد أن يبقى الناس منقسمين لأن المجتمع المتماسك يصعب التحكم به أما المجتمع الذي يخاف بعضه من بعض فمن السهل دفعه في الاتجاه الذي يريده أصحاب المصالح
لقد عاش آباؤنا وأجدادنا في هذا البلد وتصاهروا فيما بينهم وتشابكت عوائلهم وعاشت عائلات سنية وشيعية في مناطق واحدة وتقاسموا الأفراح والأحزان ولم يكن اختلاف المذهب سببا لقطع الأرحام فهل كان آباؤنا أقل إيمانا منا؟ أم أنهم كانوا أكثر فهما لمعنى الوطن؟ كان العراقي يعرف أن المذهب علاقة بين الإنسان وربه أما الوطن فهو علاقة بين الإنسان وأرضه وشعبه وتاريخه
نحن لا ندعو إلى إلغاء المذاهب ولا نطلب من الإنسان التخلي عن عقيدته نحن ندعو إلى إخراج المذهب من سوق السياسة وإعادته إلى مكانه الطبيعي وعدم تحويله إلى بطاقة تعريف سياسية أو سلاح في وجه العراقي الآخر لقد آن الأوان أن نسأل أنفسنا بصدق من المستفيد من بقائنا منقسمين؟ من المستفيد من أن يخاف العراقي من العراقي؟ من المستفيد من أن تتحول الانتخابات إلى سباق طائفي؟ من المستفيد من أن يعتقد المواطن أن حقوقه لا تأتيه إلا من خلال طائفته أو حزبه أو جماعته؟
إن المستفيد الحقيقي ليس العراق العراق هو الخاسر الدولة يجب ألا تكون سنية أو شيعية أو كوردية أو تركمانية الدولة يجب أن تكون عراقية والوظيفة العامة يجب ألا تمنح على أساس المذهب وإنما على أساس الكفاءة والنزاهة والاستحقاق والقانون يجب ألا يرى طائفة قبل أن يرى مواطنا والانتخابات يجب أن تكون منافسة على البرامج والمشاريع لا تجارة بالخوف والانتماءات وهنا تقع المسؤولية الكبرى على الدولة والقوى السياسية والمؤسسات الدينية والإعلامية والتعليمية
على الدولة أن تتجه بوضوح نحو نبذ الطائفية وترسيخ المواطنة وأن تجعل هذا التوجه مشروعا وطنيا مستمرا لا شعارا يرفع في المناسبات وعليها أن تحارب خطاب الكراهية والتحريض وأن تضمن تكافؤ الفرص وأن تجعل معيار المسؤولية هو الكفاءة والنزاهة وأن تعيد ثقة المواطن بأن الدولة تحميه بصفته عراقيا لا بصفته تابعا لمذهب أو حزب أو جهة
أما القوى السياسية فعليها أن تدرك أن العراق أكبر من أي حزب وأبقى من أي زعيم وأقدس من أي مكسب انتخابي فلا تجعلوا الطائفة سلما إلى السلطة ولا تجعلوا خوف الناس وقودا لبقائكم لقد جربنا الانقسام ودفعنا ثمنه دما وخرابا وتهجيرا وضياعا وفرصا ضائعة وكفى بالعراقيين ما دفعوه آن الأوان أن نجرب شيئا آخر أن نجرب العراق أن نعيد للعراقي هويته الأولى أن يعود العراقي إلى وطنه وهو مطمئن إلى أن أخاه العراقي لن يسأله عن مذهبه وإنما سيصافحه لأنه عراقي
أن تعود البيوت مفتوحة وأن تعود المصاهرات بين العوائل وأن تعود المحبة التي لم تكن تعرف هذه الجدران التي نحاول اليوم أن نبنيها بيننا فلنختلف في السياسة ولكن لا نختلف في الوطن فلنختلف في الرأي ولكن لا نختلف في حرمة الدم فلنختلف في المذهب ولكن لا نجعل المذهب سببا للكراهية فالسني والشيعي ليسا عدوين إنهما عراقيان جمعهما وطن واحد وتاريخ واحد وأرض واحدة ومصير واحد وإذا كان العراقي عندما يعبر الحدود يصبح في عيون الآخرين (عراقياً )فقط فلماذا لا نمنحه هذه الهوية نفسها داخل وطنه؟
لماذا لا نسقط الحدود الوهمية التي صنعناها بين بعضنا ونبقي الحدود الحقيقية التي تحمي وطننا؟ إن أخطر حدود العراق ليست تلك التي تفصلنا عن الدول الأخرى وإنما تلك التي نحاول أن نرسمها داخل نفوس العراقيين فلنهدم هذه الحدود ولنعد العراق إلى العراقي لا تسألني من أي طائفة أنا اسألني ماذا قدمت للعراق لا تسألني من أي قومية أنا اسألني هل أحببت هذا الوطن لا تسألني لمن أنتمي اسألني هل كنت نزيها وعادلا وشريفا
العراق لا يحتاج إلى من يزيد المسافات بين أبنائه العراق يحتاج إلى من يجمعهم
وإذا كان الوطن هو البيت فليس من الحكمة أن نتقاتل داخل البيت ثم نخرج منه فإذا رآنا العالم مجتمعين قلنا بفخر نحن عراقيون فلنكن عراقيين داخل العراق كما نحن عراقيون خارجه عودوا إلى العراق الذي جمعنا قبل أن نخسر العراق الذي يجمعنا