طماطة الموت

 

د. سالم جاسم*
ترجمها من اللغة الكوردية: محسن عبدالرحمن

هنا السماء بلون الرماد والجمر يتساقط من غبار البيداء، العواصف كأمواج بحر جاف تتطاير من لهيب جهنم، والرمال القاسية تقرع الأبواب الحديدية والجدران الكونكريتية لقلعة “نگرة سلمان” مثل سواطير حادة تشع بشرارة غيظ الحجاج والشمخ. هناك، في ذلك الجحيم النائي والغير الموجود على أي خارطة، الأرض مليئة بالغبار وحرارة جهنم، جلود أجسادنا المٌغَرًبةَ تحترق أمام أعين الجلادين الوحوش، في هذا الجحيم اليائس، الحياة هي أبخس الأشياء، والموت هو أسهل الأبواب للنجاة.
داخل تلك القاعة الضيقة والمظلمة المليئة برائحة العرق والدماء وآهات اليأس، كان “عزير” ذو الثلاثة وستين عاماً واقفاً في أحد الزوايا كشجرة يابسة، كانت سيرة حياته تتجلى في تضاريس وجهه، وكأنها صفحات من دفتر مآسيه وآلام شعبه؛ فكل تجعيدة على جلده كانت تروي قصة خراب وتشرد، وكان “آلان” ذو السنوات الخمس قد وضع رأسه على فخذ والده الذي غدا عظماً بلا لحم وعيناه السوداوان اللامعتان تبدوان كشمعتين خافتتين وسط الظلام، بينما شفتيه تشققتا من العطش، وبطنه الصغير من شدة الجوع قد التصق بظهره.
امتلأت باحات القلعة وقاعات السجن من الأمهات ذوات المناديل السوداء، وهنّ يحتضنّ أطفالهن الموتى والذين ينازعون الموت، ويبكين حالهن بصمت، أما العجائز والشيوخ فكانوا ينتظرون حتفهم، والفتيات يغطين وجوههن بالمناديل خوفاً من أعين الجلادين، ولا يخرجن من تحت إبط أمهاتهن، كانوا جميعاً كحمائم مكسورة الأجنحة.
كان “عزير” ينظر بنظرات ملؤها الخوف ومسؤولية الأبوة، وبحزن عميق، إلى وهن “آلان” وضعفه، وهو يعلم تماماً أن كل ثانية تمر في هذا الجحيم تسرق قطعة من روح ابنه.
تحت أشعة شمس الظهيرة العمودية الساقطة من السماء كألسنة اللهب، كان دوي الخطوات الثقيلة لأحد الحراس يتردد في أرجاء الباحة الكبيرة، كان الحارس قد سحب قبعته العسكرية فوق عينيه لكي لايرى السجناء نظراته، وكان يحمل في يده اليمنى كيساً أبيض شفافاً مليئاً بالطماطم الحمراء الزاهية والناضجة، تلك الطماطم الحمراء كانت تتلألأ كالألماس وسط ذلك الجحيم المغبر، وتبدو كقطرات من الدماء القانية، جذبت رائحة ومنظر الطماطم انتباه “آلان” الذي خارت قواه، فرفع رأسه ببطء عن فخذ والده، تلك الطماطم، بالنسبة لطفل لم يتناول منذ أكثر من شهر سوى الصمون الجاف والمياه المالحة، لم تكن مجرد طعام فحسب، بل كانت رمزاً للحياة، أمسك بيد والده، وهزّها قائلاً بصوت خافت ومرتجف: “أبي… طماطة… فقط حبة طماطة واحدة”.
وقعت هذه الكلمات كخنجر حاد في قلب “عزير”، فخنقت حنجرته غصة وبكاء مرير، كيف يمكن لأب أن ينظر في عينی ابنه العطشى والجائعتين دون أن يتمكن من فعل شيء له؟ جمع “عزير” كل ما يملكه من كرامة وجرأة تراكمت عبر سنين عمره، وجرّ جسده المنهك خلف قدميه وسط الرمال الحارقة متجهاً نحو الحارس، رفع يديه المرتجفتين الهزيلتين، وقال بصوت منخفض ملؤه الرجاء والتوسل: “أرجوك بحق الله… لأجل أطفالك… أعطِ حبة طماطة واحدة، فقط واحدة لهذا الصغير، إنه يموت، ولم تعد في جسده قوة من شدة الجوع”.
نظر إليه الشرطي ببرود شديد وقال: “لا يمكن! هذه للعقيد حجاج ومسؤولينا، إذا علموا بذلك سيقتلونني”.
توسل إليه “عزير” أكثر، بينما حفرت الدموع مساراتها في وجهه المجعد: “حبة واحدة فقط… سأدعو لك، عمر الله بيتك… حبة واحدة فقط”.
كان خوف الرقابة يتملّك قلب الشرطي؛ التفت حوله، ثم كتاجر موت قال بصوت منخفض: “حسناً… سأعطيك طماطم واحدة، ولكن بدينار.”
دينارٌ واحد في سنوات الأنفال السوداء، وداخل الجدران الأربعة لـ”نوقرة سلمان”، كان بالنسبة لرجلٍ منهوب ومدمّر مثل “عزير” يعادل ثروة سلطان، بسرعة وبيدين مرتعشتين، أدخل يده اليمنى في جيبه القديم الممزق؛ لم يكن قد بقي في قعر جيبه سوى دينار ورقي واحد، قديم ومجعد ومليء بالبقع، كان ذلك الدينار الوحيد بمثابة ذكرى لحياته قبل الاعتقال، عندما استطاع أن ينقذ هذا الدينار والملابس التي يرتديها فقط من بيته المحترق.
دون ثانية واحدة من التردد، أخرج الدينار ووضعه في يد الشرطي، الذي وضعه بدوره مسرعاً في جيب بنطاله العسكري، وأخرج حبة طماطم حمراء زاهية من كيسه ووضعها في يد “عزير”. وكأن زهرة من الجنة قد سقطت في يده، أسرع متجهاً نحو ابنه ووضع الطماطم بين يديه الصغيرتين. لمعت عينا “آلان”، وارتسمت ابتسامة بسيطة ونقية على شفتيه الجافتين، لبرهة من الزمن، نسي “عزير” كل الهموم والآلام والأوجاع، ورأى نفسه يحلق في سماء “كرميان” فوق قريته؛ فمرت القرية، والبيت، والناس، واحداً تلو الآخر أمام عينيه.
لكن، قبل أن يبدأ “آلان” حتى بتذوق الطماطم، وفي تلك الثواني تحديداً، هزّ دوي بسطال “شمخ” الثقيل أرجاء القاعة، حيث ظهر فجأة كالموت الزُوام، لينتشر ظل الموت في المكان. كان “شمخ” رجلاً ضخماً كالمارد، يملك عينين ضاريتين كعيني ذئب جائع، وكان اسمه يعني الموت والتعذيب؛ إذ رسمت سياطه نقوشاً على أجساد جميع المعتقلين، وهو الاسم الذي إن نُطق داخل السجن، تجمّدت الدماء في العروق،
تقدم نحو “عزير” بلهفة ومتعة وحشية، ودون أن ينطق بكلمة واحدة، مد يده التي تشبه مخلب الضبع وقبض على ياقة قميص “عزير” وجره قائلاً: “أيها الخائن! أتتاجر هنا أيضاً؟ من أين تأتي بالمال؟ أتسرقنا نحن أيضاً؟”
أراد “عزير” أن يدافع عن نفسه ويتحدث، لكن كلماته سُحقت تحت حذاء “شمخ” وهو يجره إلى غرفة التعذيب، وقع صوت إغلاق الباب الحديدي كانفجار قنبلة تردد صداه في أذني “آلان”.
داخل جدران غرفة التعذيب المظلمة والمخيفة، اختلطت أصوات السياط، وضربات الخيزران، والصعقات الكهربائية مع صرخات واستغاثات “عزير”. تمازجت الدماء بالعرق وسالت فوق جلده الجاف المغبر، بينما كان “حجاج” يصرخ عالياً قائلاً: “هنا جحيمكم”.
ألف حكاية وفكرة كانت تدور في رأس “عزير”؛ أهذا هو الجحيم الذي غُسلت أدمغتنا وحُشيت به منذ ولادتنا؟ الجحيم بالنسبة لنا له أسماء كثيرة، وأوصاف كثيرة، ‌‌أهذا هو يوم القيامة، ولا أحد يعرفنا، ونحن بلا سند؛ لا هم يعرفوننا، ولا نحن نعرفهم، ولا حتى نفهم لغتهم.. أمواج الموت لها أسماء عديدة داخل الأسوار والأبراج الأربعة المرتفعة، وعيوننا لا ترى سوى سماء بلا نجوم، ولا تقوى على استيعاب هذه الصحراء اللامتناهية.
لم يكن يشعر بآلامه وأوجاعه، فكل أفكاره كانت معلقة عند ابنه آلان؛ هل أكل تلك الطماطم أم لا؟ هل عادت القوة إلى جسده الآن ونهض على قدميه؟
بعد أن أفرغ “شمخ” غِلَ قلبه وصبّ جام حقده وكراهيته، جرّ ذلك الجسد الشبه ميت والملطخ بالدماء القانية، ورماه بين المعتقلين في باحة السجن.
بصعوبة بالغة، فتح “عزير” عينيه المليئتين بالدم والعرق والغبار؛ كانت الدنيا تدور من حوله، لقد رسمت السياط والخيزران نقوشاً متقاطعة ومتعرجة على جسده، فغدا كله جروحاً تنبعث منها رائحة اللحم المحترق، لكن روحه كانت لا تزال معلقة بزاوية تلك القاعة.. أخذ يزحف على بطنه كأفعى جريحة وسط رمال الصحراء وغبارها، واختلطت دماء جروحه برمضاء الرمال وبعينيه المغبشتين وسط الغبار، لمح يداً صغيرة؛ وفي تلك اليد، كانت حبة الطماطم الحمراء لا تزال كما هي، لم تُؤكل بعد، وكأنها تصرخ وتستغيث.
ارتسمت ابتسامة عميقة، مليئة بالحب والحنان، على شفتيه المتشققتين. زحف مسرعاً نحوه وقال: “ولدي… أميري… لقد عاد والدك… كُلْ… لا تبكِ لأجلي، كُلْ، هذه طماطتك”.
وضع يده اليمنى الملطخة بالدماء والمرتجفة تحت رأس “آلان” الصغير ليرفعه ويقبله، لكن في تلك اللحظة بالذات، جمد العالم أمام عينيه؛ لقد كان جسد “آلان” الصغير بارداً، وكان ساكناً تماماً، عيناه السوداوان بقيتا نصف مفتوحتين، لكن لم يعد فيهما أي ضياء ولا أي حركة، ولا أي بريق حياة، بينما حبة الطماطم الحمراء محتجزة في قبضة يده المغلقة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*سالم جاسم حاجى: كاتب وقاص، دكتوراه في الابادة الجماعية باللغة الالمانية، رئيس مركز جينوسايد في جامعة دهؤك سابقا
– نگرة سلمان: معتقل العراق الرهیب (دولة الرعب) فی صحراء السماوە جنوب العراق.
– كرميان (Germyan): تقع في جنوب شرق أقليم كوردستان العراق و و مركزها الاداري مدينة(كلار – Kelar).

قد يعجبك ايضا