تدريسي في كلية طب المستنصرية يتحدث عن الميكروشيمرية الجنينية , أثرٌ لا يمحوه الزمن: عندما يترك الطفل خلاياه داخل جسد أمه لعقود

أجرى الحوار : شريف هاشم – بغداد

حدثنا الأستاذ المساعد الدكتور محمد حسين عاصي ( التدريسي في فرع التشريح البشري في كلية الطب / الجامعة المستنصرية – دكتوراه تشريح وأنسجة وأجنة ، وعضو كلية أطباء الأطفال الملكية البريطانية (MRCPCH) / مسؤول مركز المستنصرية لبورد الأجنة التطبيقي والتشريح السريري ) عن الميكروشيمرية الجنينية .

وكان سؤالنا الأول : هل ينتهي ارتباط الطفل بأمه بمجرد ولادته وقطع الحبل السري في غرفة الولادة؟ فقال :

– من الناحية البيولوجية… ليس تمامًا! فقد كشفت الدراسات الحديثة عن ظاهرة مذهلة تُعرف باسم الميكروشيمرية الجنينية (Fetal Microchimerism)، حيث يمكن لعدد صغير من خلايا الجنين أن يعبر المشيمة إلى جسم الأم أثناء الحمل ، ثم يبقى بعض هذه الخلايا في أنسجة مختلفة من جسمها لسنوات طويلة ، وفي بعض الحالات لعقود بعد الولادة ، بمعنى آخر ، قد يولد الطفل ويغادر رحم أمه ، لكن بعض خلاياه قد تظل موجودة داخل جسدها بعد ذلك بسنوات طويلة.

– كيف تنتقل خلايا الطفل إلى أمه؟

-المشيمة ليست مجرد حاجز يفصل بين الأم والجنين ، وإنما هي عضو حي ومعقد يسمح بتبادل مستمر للمواد والإشارات والخلايا بين الطرفين ، وخلال الحمل ، يمكن أن تعبر خلايا من الجنين إلى الدورة الدموية للأم ، وفي الاتجاه المعاكس يمكن أيضاً أن تنتقل خلايا من الأم إلى الجنين ، ولهذا السبب فإن الميكروشيمرية هي ظاهرة ثنائية الاتجاه: الجنين يترك خلاياه في الأم ، والأم تترك خلاياها في الجنين ، وتبدأ هذه العملية أثناء الحمل ، وقد تستمر آثارها بعد الولادة بفترة طويلة.

-لماذا تسمى “الميكروشيمرية”؟

-كلمة Microchimerism تعني وجود عدد صغير جداً من الخلايا التي تختلف وراثياً عن معظم خلايا الشخص الذي توجد داخله ، فالخلايا الجنينية تحمل مادة وراثية تختلف جزئياً عن خلايا الأم ، ومع ذلك يمكن أن تبقى أعداد صغيرة منها داخل جسمها ، وهذا يخلق حالة بيولوجية غريبة: جسم واحد… ومجموعات صغيرة من الخلايا ذات أصول وراثية مختلفة ، وقد أصبحت هذه الظاهرة موضوعاً مهماً في أبحاث المناعة والحمل والطب التجديدي.

– هل تبقى هذه الخلايا بعد الولادة؟

– نعم ، وهذه واحدة من أكثر النقاط إثارة في الظاهرة ، حيث أظهرت الدراسات أن الخلايا ذات الأصل الجنيني يمكن أن تبقى في جسم الأم لفترات طويلة جداً ، وقد تم توثيق وجودها بعد عقود من الحمل ، وتكشف مراجعة حديثة أن انتقال الخلايا بين الأم والجنين قد يؤدي إلى بقائها في الأنسجة حتى بعد مرور عقود ، وهذا يعني أن الحمل يترك وراءه بصمة خلوية طويلة الأمد في جسم الأم.

-أين يمكن أن نجد هذه الخلايا؟

-لم تعد الميكروشيمرية مجرد ظاهرة تُكتشف في الدم فحسب ، فقد وجدت الدراسات خلايا ذات أصل جنيني في أجزاء مختلفة مثل الجلد ، الكبد ، الرئة ، القلب، الكلى ، الغدة الدرقية ، وحتى في أدمغة الأمهات ، لكن هناك نقطة مهمة جداً: العثور على خلية جنينية داخل أحد الأعضاء لا يعني بالضرورة أنها تحولت إلى خلية كاملة الوظيفة من ذلك العضو ، وهنا يجب التفريق بين مجرد وجود الخلايا في النسيج ، وإثبات أنها اندمجت وظيفياً وأصبحت جزءاً أساسياً منه.

-هل تساعد هذه الخلايا في إصلاح الأنسجة؟

-لاحظ الباحثون أن الخلايا الميكروشيمرية قد تتجمع في بعض الأنسجة التي تعرضت للإصابة أو الالتهاب ، مثل نسيج عضلة القلب ، وقد أدى ذلك إلى اقتراح أنها ربما تشارك في ترميم الأنسجة ، لكن العلم يتسم بالحذر ؛ فلا يمكن القول إنها تعمل دائماً كـ “فريق إسعاف” متكامل يعيد بناء النسيج ، بل قد تكون مساهمتها من خلال المشاركة المباشرة في عملية الإصلاح ، وإفراز إشارات كيميائية تؤثر في الخلايا المجاورة والتأثير في نمو الأوعية الدموية ، وتنظيم بعض الاستجابات المناعية النسيجية.

-وهل تتغير هذه الخلايا مع الحمل التالي؟

-أظهرت النتائج العلمية أن “مجموعة الخلايا الأجنبية” الموجودة داخل الجسم ليست ثابتة للأبد ؛ حيث وجد الباحثون أن الحمل الجديد يمكن أن يؤدي إلى تغير أو استبدال جزء من الخلايا الميكروشيمرية الموجودة مسبقاً ، وهذا أثبت وجود ما يشبه “الحيز الميكروشيمري الديناميكي” الذي تتغير مكوناته مع الأحمال المتعاقبة.

– هل يمكن أن تكون مفيدة أو ضارة؟

-الإجابة هي كلاهما ، فالميكروشيمرية ليست ظاهرة مطلقة النفع أو الضرر ؛ فهي ترتبط بإصلاح الأنسجة وتنظيم المناعة، وفي المقابل وُجد ارتباط بينها وبين بعض أمراض المناعة الذاتية ، لكن يجب الانتباه دائماً إلى الفرق بين مجرد “وجود علاقة ارتباطية” وبين “إثبات أن إحداهما سبب مباشر للأخرى”.

-ماذا عن أمراض المناعة الذاتية والسرطان؟

-وجدت خلايا ميكروشيمرية جنينية في أنسجة النساء المصابات بأمراض مناعية كـ تصلب الجلد ، ولا يزال السؤال مفتوحاً: هل ساهمت الخلايا في المرض ، أم وصلت إلى هناك لمحاولة الإصلاح نتيجة الالتهاب؟

أما بالنسبة للسرطان ، فلا توجد أدلة كافية تسمح بالقول إن الخلايا الجنينية تحمي الأم منه ؛ بل الأدق علمياً أن العلاقة معقدة وما زالت قيد الدراسة الحثيثة.

-وهل هناك خلايا من الجدة؟

-إذا كانت الأم قد اكتسبت خلايا من والدتها عندما كانت جنينًا وبقيت في جسدها ، فمن الناحية البيولوجية يمكن تصور انتقال بعض تلك الخلايا أطول مدى إلى الجيل التالي (الأحفاد) ، لكن هذا لا يعني أن كل إنسان يحمل بالضرورة خلايا من جدته ؛ فالظاهرة معقدة وتستدعي المزيد من البحث.

-كلمة أخيرة ؟

-أثرٌ لا ينتهي عند الولادة ، فالحمل ليس فترة مؤقتة تنتهي بالولادة ، بل هو تبادل خلوي معقد يستمر أثره لعقود ، الأم قد تحمل طفلها في رحمها تسعة أشهر ، لكن بعض خلاياه تبقى معها مدى الحياة.

– شكراً جزيلاً دكتور على هذه المعلومات القيمة .

قد يعجبك ايضا