عبد الحميد زيباري
مع اقتراب موعد الثلاثين من أيلول/سبتمبر المقبل، المحدّد للانسحاب الكامل للقوات الأمريكية والتحالف الدولي من العراق، يحتدم السجال في الأروقة السياسية والحكومية. فبينما تمارس الفصائل المسلحة ضغوطاً متواصلة على الحكومة الاتحادية للالتزام بهذا الموعد وإنهاء الوجود الأجنبي، ما تزال هذه الفصائل نفسها متمسكة بسلاحها رافضةً تسليمه للدولة. وفي المقابل، تمارس واشنطن ضغوطاً موازية على رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي لحسم ملف “حصر السلاح بيد الدولة” وإنهاء ظاهرة الفصائل المسلحة.
وقد عكست التصريحات الرسمية الأخيرة حجم الارتباك والتباين داخل المشهد السياسي؛ إذ صرح مستشار الأمن القومي، قاسم الأعرجي، بأن موعد 30 أيلول/سبتمبر لا يشكّل سقفاً زمنياً نهائياً لتجريد المجموعات المقربة من طهران من سلاحها، في تراجع واضح ودون تفسير رسمي لما دأب المسؤولون على تأكيده طوال الأشهر الماضية. وبالتوازي مع ذلك، بدت نبرة القلق واضحة في تصريحات وزراء ومسؤولين في الحكومة الاتحادية إزاء التداعيات المحتملة لهذا الانسحاب المتسارع.
وأمام هذه المعادلة المعقدة، كان الأجدر بالحكومة الاتحادية ورئيس وزرائها علي الزيدي جعل أولوية تفكيك المجموعات المسلحة وحصر السلاح بيد المؤسسة الرسمية تسبق أي خطوة باتجاه الانسحاب الأمريكي. فالقوات الأمنية العراقية بمختلف صنوفها ما تزال بحاجة ماسة للدعم النوعي، وليست في جاهزية تامة لمواجهة فلول تنظيم “داعش” أو أي تنظيمات مسلحة قد تبرز مجدداً لملء الفراغ الأمني.
فضلاً عن ذلك، فإن إنهاء الوجود الأمريكي سيجعل العراق مكشوفاً بالكامل أمام التدخلات الإقليمية، وهو ما سينعكس سلباً على البيئة الاستثمارية والخدمية، ويحرم البلاد من استقطاب الشركات العالمية وخبراتها في وقتٍ هي بأمسّ الحاجة إليها.
إن أولويات العراق اليوم تكمن في إنقاذ البلاد من سوء الخدمات، واستئصال آفة الفساد المستشرية في مفاصل الدولة، واستعادة الثقة المفقودة بين المواطن والسلطة، عبر توفير فرص العمل للشباب، والقضاء على البطالة، وإيجاد حلول جذرية لأزمة الكهرباء المزمنة منذ عام 2003، إلى جانب العديد من الأزمات الخدمية الأخرى. فما يزال العراق يُصنف من بين أكثر دول العالم فساداً، وما تزال طائراته ممنوعة من التحليق في الأجواء الأوروبية، وجواز سفره يقبع في أدنى المراتب العالمية، فضلاً عن استمرار اعتماده على دول الجوار لتأمين احتياجاته الغذائية رغم امتلاكه لأراضٍ زراعية شاسعة ونهري دجلة والفرات. قائمة طويلة من الأزمات المصيرية تبدو وكأنها غائبة عن اهتمامات المشهد السياسي مقارنة بالتركيز على مسألة انسحاب القوات الدولية!
كان الأحرى بالحكومة إجراء دراسة استراتيجية معمقة لتجارب الدول التي تحتضن قواعد عسكرية أمريكية؛ فالولايات المتحدة تمتلك أكثر من 128 قاعدة في 51 دولة حول العالم، لا تُستغل فقط لأغراض التمركز، بل تؤدي أدواراً حيوية تسهم في استقرار الدول المضيفة، أبرزها: الردع الاستراتيجي وإبراز القوة لحماية أمن الحلفاء وردع أي اعتداءات أو خصوم محتملين. مع الاستجابة السريعة والدعم اللوجستي للتعامل الفوري مع الأزمات الأمنية الطارئة، وإدارة مراكز صيانة وتوزيع المؤن والمعدات. بالاضافة الى التدريب وجمع المعلومات الاستخبارية عبر التدريب المشترك لرفع كفاءة القوات المحلية، وتوفير المراقبة الإلكترونية والرادارية، والمساهمة في مكافحة الإرهاب، إلى جانب منظومات الدفاع الجوي والدعم الإنساني في حالات الكوارث.
إن التساؤل الحقيقي الذي ينبغي أن يطرحه صانع القرار في بغداد اليوم: هل يمتلك العراق البدائل الواقعية لتعويض مظلة الردع والدعم الاستخباري والتقني التي يوفرها التحالف الدولي، أم أن الاستعجال في حسم هذا الملف بدوافع سياسية سيقود البلاد إلى فراغ أمني وعزلة دولية يدفع ثمنهما المواطن أولاً وأخيراً؟