أربعون عاما مضت… لكن مسؤولية الكلمة لم تنتهِ اتحاد الصحفيين الألمان.. يكرم الصحفي العراقي عصام الياسري
برلين-التآخي
ثمة مناسبات نمرّ بها ونكتفي بأن نحتفل، وثمة مناسبات تجعلنا نتوقف قليلا أمام الزمن، لا لكي نعدّ السنوات، وإنما لكي نتأمل ما حملته لنا، وما تركناه فيها من أثر.
بمناسبة مرور أربعين عاما على عضويتي، يحيي في الثامن عشر من أغسطس 2026 في مقره في برلين اتحاد الصحفيين الألمان (Deutsche Journalisten Union Ver,di حفل لتكريمي. بالنسبة لي، تأتي مناسبة مرور أربعين عاما على عضويتي ليس مجرد علاقة عضوية في سجل مؤسسة، إنما مسيرة مهنية ونقابية وإنسانية يرتكز عليها شعار النقابة لعموم ألمانيا [نحن نقابة العاملين في مجال التحرير، وإنتاج المحتوى الإعلامي، والصحافة المستقلة. ندعم كل من يبحث، ويتحقق من الحقائق، ويروي القصص، ويكشف التجاوزات، ويرفع مستوى الوعي العام.] لذا: أشعر أن الرقم «أربعين» أكبر من أن يكون مجرد عدد في سجل عضوية. إنه أربعون عاما من الحياة المهنية، ومن العمل، والتجربة، والصداقات، والاختلافات، والمواقف، ومن التحولات التي مر بها العالم والصحافة معا.
ولأنني أتعامل مع هذه المناسبة بوصفها محطة شخصية ومهنية في آن واحد، فإنني أستقبلها بامتنان واعتزاز. فالأساس الذي جاء من أجله هذا التكريم هو مرور أربعين عاما على العضوية، وهذه بحد ذاتها مناسبة أعتز بها كثيرا. لكن السنوات، في نهاية المطاف، لا تكتسب قيمتها من عددها، وإنما مما يعيشه الإنسان خلالها، وما يختاره من مواقف، وما يتعلمه من تجارب، وما يبقى في ذاكرته من أشخاص وأحداث.
لقد كانت الصحافة بالنسبة لي أكثر من مهنة أمارسها. كانت طريقا إلى معرفة الناس والحياة، ومساحة للتعبير، ومسؤولية تجاه الكلمة والحقيقة. ومع مرور الوقت أصبحت أكثر إيمانا بأن الصحفي لا يستطيع أن ينفصل تماما عن القضايا التي تمس الإنسان وحقوقه وحرياته.
ومن هنا جاء وضوح مواقفي وصراحتها، ولا سيما في ما يتعلق بالحقوق العامة والحريات، وقضايا السلام، ومناهضة العنصرية والتمييز. لم أتعامل مع هذه القضايا باعتبارها عناوين عابرة في العمل الصحفي، بل رأيت فيها جزءا من المسؤولية التي تفرضها المهنة على من اختار أن يجعل من الكلمة وسيلة للدفاع عن الإنسان وحقه في الحرية والكرامة.
وكذلك لم يكن العمل النقابي بالنسبة لي بعيدا عن الصحافة. فالصحفي الذي يدافع عن حرية الكلمة لا يستطيع أن يتجاهل حقوق أصحاب هذه الكلمة. ولهذا كان الالتزام النقابي والمشاركة في الفعاليات والتظاهرات المتعلقة بحقوق الصحفيين، والدفاع عن حرية الرأي والتعبير، امتدادا طبيعيا لقناعتي بأن حرية الصحافة لا يمكن أن تكون كاملة من دون حماية حقوق الصحفيين وكرامتهم واستقلالهم.
وحين أشير اليوم إلى ما ورد في خطاب إعلان التكريم من تقدير لنشاطي الصحفي والتزامي النقابي ومشاركتي في الفعاليات المرتبطة بهذه القضايا، فإنني لا أتعامل معه باعتباره شهادة لشخص واحد فقط. فأنا أرى خلف هذه الكلمات تاريخا من العمل المشترك مع زملاء وأصدقاء، وأرى وجوها كثيرة رافقتني في مراحل مختلفة من هذه الرحلة، وأشخاصا ربما اختلفت معهم في الرأي، لكنني بقيت أقدر فيهم قيمة الحوار واحترام الموقف.
أربعون عاما كافية لأن تجعل الإنسان يدرك أن المهنة لا تصنعها المؤسسات وحدها، ولا الصحف وحدها، ولا الكلمات التي يكتبها الصحفي، وإنما تصنعها أيضا العلاقات الإنسانية التي تنشأ حولها. ولذلك فإن أكثر ما أفكر فيه وأنا أستعيد هذه السنوات ليس عدد المقالات أو الأيام التي قضيتها في العمل، وإنما الوجوه التي عبرت معي الطريق، والصداقات التي بقيت، والمواقف التي اختبرت حقيقة ما نؤمن به.
ولعل من المفارقات الجميلة في هذه المناسبة أن عددا كبيرا من الزميلات والزملاء والأصدقاء أبدوا رغبتهم في الحضور ومشاركتي هذه اللحظة، لكن عدد المدعوين تجاوز قدرة القاعة على استيعاب الجميع. وكنت، بصراحة، أتمنى أن أرى بعض أولئك الذين رافقوا بعض محطات الرحلة أمامي في هذه اللحظة. لكنني تعلمت من الصحافة، ومن الحياة قبلها، أن الحضور لا يقاس دائما بالمكان. فثمة أشخاص قد تغيب أجسادهم عن القاعة، لكنهم يكونون حاضرين في الذاكرة أكثر من كثيرين يجلسون أمامنا. ولهذا سأرى في كل مقعد لم يستطع صاحبه الوصول إليه وجها أعرفه، وذكرى أعتز بها، وصداقة كان يمكن أن تكون جزءا من هذه اللحظة.
إن التكريم في جوهره لحظة امتنان متبادل. وأنا، من جهتي، ممتن لكل من شاركني هذه السنوات، ولكل زميل أو صديق ترك أثرا في تجربتي، ولكل من اختلف معي باحترام، ولكل من وقف إلى جانب حرية الصحافة وحقوق الصحفيين وحق الإنسان في التعبير عن رأيه دون خوف. وأنا ممتن أيضا لهذه المؤسسات التي رافقت جزءا طويلاً من مسيرتي المهنية والنقابية، والتي جعلت من مرور أربعين عاما مناسبة للتوقف عند التجربة والالتفات إليها.
لكنني لا أريد أن أنظر إلى الأربعين عاما باعتبارها نهاية فصل من الحياة. فالصحافة لا تعرف نهاية حقيقية ما دام لدى الصحفي ما يقوله، وما دام يؤمن بأن للكلمة وظيفة تتجاوز الكتابة نفسها.
تتغير الصحافة، وتتغير أدواتها، وتتغير وسائل الوصول إلى الناس، لكن القيم الأساسية التي تمنح المهنة معناها لا ينبغي أن تتغير: احترام الحقيقة، والدفاع عن حرية الرأي والتعبير، والوقوف ضد العنصرية والتمييز، والانحياز إلى السلام وحقوق الإنسان، والإيمان بأن الكلمة الحرة مسؤولية قبل أن تكون امتيازا.
ولهذا فإنني، وأنا أقف في برلين في الثامن عشر من أغسطس/آب 2026، بعد أربعين عاماً من العضوية، لا أرى أمامي أربعين سنة مضت فقط، وإنما أرى طريقا طويلاً ما زالت فيه مساحات للكلمة، وللموقف، وللعمل.
وختاما أقول للمؤسسة التي تكرمني بعد أربعين عاما من العضوية: إن قيمة هذا التكريم بالنسبة لي تكمن قبل كل شيء في أنه يضع علامة على طريق طويل، ويمنحني فرصة لأتوقف قليلا، أنظر إلى الوراء، ثم أعود إلى الأمام.. وأقول لكل من شاركني هذه الرحلة، ولكل من أراد أن يكون حاضرا ولم تسمح له سعة المكان: شكراً لكم.