جراح البصري… صوت المقام الذي حمل نكهة البصرة وأصالة الجنوب

محمد علي محيي الدين

يحتفظ تاريخ المقام العراقي بأسماءٍ لم تكن شهرتها رهينة وسائل الإعلام أو المسارح الكبرى، وإنما صنعت مكانتها بصدق الموهبة، والإخلاص للفن، والمحافظة على أصالته. ومن بين هذه الأسماء يبرز القارئ جراح البصري، الذي مثّل المدرسة البصرية في أداء المقام، وجعل من صوته المعبر مرآةً لروح الجنوب العراقي، بما تحمله من دفء وعذوبة وصدق في الإحساس.

وُلد جراح بن بگال بن سوادي بن فرحان البغلاني سنة 1934 في محلة الرباط الكبير بمحافظة البصرة، تلك المدينة التي ظلت عبر تاريخها ملتقى للثقافات ومعبراً للألحان والأصوات، حيث امتزجت البيئة البحرية بتراث الريف الجنوبي، فأنجبت ألواناً غنائية خاصة، كان المقام البصري أحد أبرز ملامحها الفنية. وفي هذا الوسط الشعبي الغني تشكلت شخصيته الفنية، فشبّ محباً للغناء، متأثراً بالأصوات التي كانت تملأ المجالس والمناسبات الاجتماعية.

ولم يكن قد تجاوز الثامنة من عمره حين بدأ يمارس الغناء، لتظهر مبكراً ملامح موهبته الصوتية. ومع مطلع شبابه اتجه للاستماع إلى كبار المطربين العراقيين، فتأثر في البداية بالفنان الكبير حضيري أبو عزيز، صاحب المدرسة الريفية التي امتازت بالشجن وصدق الأداء، ثم وجد في أسلوب المطرب نعيّم اللامي ما ينسجم مع ميوله الفنية، فاستفاد من تجربته، دون أن يفقد شخصيته المستقلة التي أخذت تتبلور مع مرور الزمن.

ومع ازدياد خبرته أدرك جراح أن صوته يجد مجاله الأرحب في المقام العراقي، ولا سيما المدرسة البصرية التي تتميز بخصوصية أدائها ونكهتها المحلية، فانصرف إلى هذا الفن بكل اهتمام، مؤمناً بأن طبقات صوته وإمكاناته التعبيرية تتناغم مع المقامات التي اشتهرت بها البصرة. وقد أثبتت الأيام صحة هذا الاختيار، إذ تمكن من أداء المقامات بإتقان، وأظهر قدرة واضحة على استحضار أجوائها النفسية، حتى ارتبطت كثير من المقامات بنبرات صوته المميزة التي بقيت عالقة في ذاكرة من استمع إليه.

وبرع جراح البصري في أداء عدد من المقامات، وكان من أشهرها الشرقي رست ومقام المخالف، وهما من المقامات التي تتطلب إحساساً عالياً بالانتقال بين الأنغام، وسيطرة تامة على طبقات الصوت، وهو ما امتلكه بفضل موهبته الفطرية وممارسته الطويلة لهذا الفن. وقد عرفه محبو المقام بقدرته على تقديم هذه المقامات بروح أصيلة، محافظة على تقاليد المدرسة البصرية التي تمثل أحد الفروع المهمة في تراث المقام العراقي.

وعلى الرغم من مكانته الفنية، ظل جراح البصري قريباً من الناس، يعيش حياة بسيطة بعيدة عن مظاهر الشهرة. فقد عمل سائقاً في ميناء البصرة، مؤدياً واجبه المهني بإخلاص، بينما ظل الفن يشكل عالمه الآخر الذي يمنحه السعادة والسكينة. ولم يكن يسعى إلى الاحتراف أو المكاسب المادية، بل كان يلبي دعوات معارفه وأصدقائه من عشاق المقام، فيحيي مجالسهم بصوته، ويمنحهم لحظات عامرة بالطرب الأصيل، إيماناً منه بأن الفن رسالة قبل أن يكون مهنة.

وقد جسدت حياته صورة الفنان الشعبي الذي ظل وفياً لتراث مدينته، محافظاً على خصائصه، بعيداً عن التكلف أو التقليد. فكان حضوره في المجالس الخاصة والمناسبات الاجتماعية امتداداً لتقاليد عراقية عريقة حافظت على المقام بوصفه فناً حياً ينتقل من جيل إلى آخر عبر الرواية الشفوية والأداء المباشر، قبل أن تحفظه التسجيلات الحديثة.

وفي عام 1988 رحل جراح البصري، بعد أن ترك وراءه ذكراً طيباً في نفوس محبي المقام، وسيرة فنية تؤكد أن الإبداع لا يقاس بالشهرة وحدها، بل بما يتركه الفنان من أثر في وجدان الناس، وبما يقدمه لتراث بلاده من إخلاص وعطاء. وقد حفظ الباحث ثامر عبد الحسن العامري جانباً من سيرته في كتابه المقام العراقي، فنقل أخبار نشأته، وتأثره بكبار المطربين، واتجاهه إلى أداء المقام بالطريقة البصرية، وإجادته لعدد من المقامات، لتبقى هذه الشهادة مصدراً مهماً يوثق حياة واحد من الأصوات التي أسهمت في صيانة التراث المقامي في جنوب العراق، وإبقاء حضوره نابضاً في الذاكرة الفنية العراقية.

قد يعجبك ايضا