محمد علي محيي الدين
تُعدّ الأديبة والشاعرة والأكاديمية العراقية حياة جاسم محمد واحدة من أبرز الأسماء النسائية التي أسهمت في ترسيخ حضور المرأة في الحقل الأدبي والنقدي العربي الحديث، عبر مسار علمي وأكاديمي متين، وتجربة إبداعية ونقدية امتدت بين الشعر والدراسة والترجمة والتعليم الجامعي في أكثر من بلد عربي وأجنبي.
وُلدت حياة جاسم محمد عام 1936 في مدينة بعقوبة، المدينة التي شكّلت في وجدانها الأول ملامح الحس الإنساني والارتباط العميق باللغة والبيئة العراقية. ومنذ بداياتها التعليمية، اتجهت نحو دراسة اللغة العربية وآدابها، فحصلت على الإجازة في هذا الاختصاص عام 1959، لتبدأ مرحلة جديدة من التكوين العلمي المتقدم الذي قادها لاحقاً إلى آفاق أكاديمية أوسع.

واصلت دراستها العليا في جامعة بغداد، فنالت درجة الماجستير في الأدب العربي عام 1972، حيث تعمقت في دراسة النصوص الشعرية وبنيتها الفنية، قبل أن تتجه إلى الولايات المتحدة الأمريكية، لتنال درجة الدكتوراه في النقد الأدبي من جامعة إنديانا عام 1978، وهو إنجاز علمي وضعها في مصاف الباحثين المتخصصين في النقد الحديث، وفتح أمامها آفاقاً أكاديمية دولية.
تنقّلت في مسيرتها التدريسية بين جامعات ومؤسسات أكاديمية مرموقة في العراق والعالم العربي، فدرّست اللغة العربية وآدابها في الجامعة المستنصرية ببغداد، كما عملت في جامعة إنديانا، ثم في كلية الفنون الجميلة في بغداد، والمعهد العالي للفن المسرحي في تونس، ومراكز الدراسات الجامعية للبنات في جامعة الملك سعود بالرياض، إضافة إلى عملها في المعهد العالي للصحافة في الرباط، ما يعكس امتداد تجربتها التعليمية وتنوع بيئاتها الثقافية.
وقد اقترنت حياتها العلمية بالحياة الأدبية والثقافية، فهي زوجة الإعلامي والشاعر العراقي زكي محمد الجابر، وقد شكّلا معاً ثنائياً ثقافياً جمع بين الشعر والإعلام والفكر، وأسهم في المشهد الثقافي العراقي والعربي.
نشرت أعمالها الشعرية والنقدية في عدد من أبرز المجلات والدوريات العربية، مثل “الأقلام” العراقية، و“الآداب” البيروتية، و“الأديب” اللبنانية، و“عالم الفكر”، و“العربي”، و“الثقافة الأجنبية”، و“المجلة التونسية لعلوم الاتصال”، وهو ما يعكس حضورها النقدي والشعري في فضاءات ثقافية متعددة الاتجاهات. كما نشرت أكثر من عشرين بحثاً وترجمة في مجالات الأدب والنقد، ما جعلها واحدة من الأصوات الأكاديمية الفاعلة في تحديث الدراسات الأدبية العربية.
وفي مجال التأليف، قدّمت حياة جاسم محمد مجموعة من الكتب التي تنوعت بين الشعر والنقد والترجمة والدراسات الأدبية. ففي الشعر، صدرت لها مجموعة “سيزيف يتمرد” عام 1970، التي حملت ملامح التمرد الفكري والتأمل الوجودي، ثم “خارج الإطار داخل اللوحة” عام 2000، وهو عمل شعري يعكس نضج تجربتها وعمق رؤيتها الجمالية.
أما في الدراسات النقدية، فقد قدّمت كتاب “وحدة القصيدة في الشعر العربي حتى نهاية العصر العباسي”، الذي نُشر بطبعته الأولى في بغداد عام 1972، ثم أعيد نشره في الرياض عام 1986، حيث تناولت فيه البنية الفنية للقصيدة العربية وتطورها التاريخي، بأسلوب يجمع بين التحليل الدقيق والرؤية النقدية الحديثة.
وفي ميدان النقد المسرحي، أصدرت كتاب “الدراما التجريبية في مصر (1960–1970) والتأثير الغربي عليها” عام 1983، الذي عالج تطور المسرح العربي الحديث وعلاقته بالتيارات الغربية، مقدمة قراءة تحليلية للتجربة المسرحية المصرية في مرحلة التحول.
كما انفتحت على الترجمة بوصفها جسراً معرفياً، فترجمت كتاب “التلفزيون والنقد المبني على القارئ” عام 1991، ثم ترجمة “نظريات السرد الحديثة” عام 1998، وهو عمل مهم للكاتب والاس مارتن، ساهم في نقل مفاهيم السرد الحديث إلى القارئ العربي وإغناء المكتبة النقدية العربية.
وفي جانبها الإبداعي السردي، كتبت نصوصاً ذات طابع تأملي وإنساني مثل “للفرح أغنية أخرى” (1998) و“القفز فوق الموجة” (1999)، حيث تتداخل اللغة الشعرية مع الرؤية الفكرية في بناء نصوص تتجاوز التصنيف التقليدي بين الشعر والسرد.
لقد مثّلت حياة جاسم محمد نموذجاً للمثقفة العربية التي جمعت بين الشعر والنقد والتدريس الجامعي، وبين التجربة المحلية والانفتاح العالمي، فكانت جزءاً من حركة تحديث الفكر الأدبي العربي، وصوتاً نقدياً وشعرياً أسهم في إثراء المشهد الثقافي عبر عقود من العمل والإنتاج والمعرفة.