تفکيك ذرائع اللادولة: كيف رسم نيجيرفان بارزاني معالم السيادة عبر شاشة الشرقية؟

 

فينوس بابان

تاريخُ الأممِ لا يُكتبُ بالخطاباتِ العاطفية، بل بالمواقفِ الفاصلةِ التي تضعُ الشعوبَ أمامَ مرآةِ مصيرِها بلا رتوش، حين يتحدث رئيس إقليم كوردستان السيد نيجيرفان بارزاني، بلغة أبعد ما تكون عن الدبلوماسية التقليدية مُقسماً بأن العراق يقف على شفا عزلةٍ دوليةٍ قاتلة، فهو لا يطلق تحذيراً عابراً بل يقرعُ ناقوس الخطر الأخير لجسدٍ دولاتيّ أثقلتهُ جراح السلاح المنفلت، إنها لحظةٌ تتجاوزُ حدود النزاع الحزبي أو الخلاف الإقليمي-الاتحادي لتضع كيان الدولة العراقية برمته على المحك: إما أن يستعيد العراق عرش سيادته بقوة القانون أو أن يتلاشى تحت وطأة أوهام السلاح الخفي، ليتحول إلى ساحةٍ مهجورة تجفاها دول الجوار ويقاطعها العالم.
أبعاد التوقيت والمنبر الإعلامي (دلالات شاشة الشرقية وبرنامج المواجهة)
لم يكن اختيار رئيس إقليم كوردستان للظهور عبر شاشة قناة الشرقية وفي برنامج المواجهة مع الإعلامي هشام علي مجرد إطلالة تلفزيونية عابرة بل حمل أبعاداً إستراتيجية ودبلوماسية مدروسة:
مخاطبة العمق الوطني مباشرة.. اختارالسيد نيجيرفان بارزاني منبراً إعلامياً واسع الانتشار والتأثير في الوسط والجنوب العراقي لتجاوز حدود الأطر الإعلامية المحلية في الإقليم متوجهاً برسالته مباشرة إلى الشارع والرأي العام العراقي بلغة وطنية جامعة.
شفافية المواجهة.. عكس اسم البرنامج طبيعة الإجابات والرسائل، إذ ابتعد رئيس الإقليم عن الوربيات والمجاملات الدبلوماسية متخذاً من الشفافية المطلقة والصراحة المباشرة وسيلة لمواجهة الأزمة الهيكلية التي تعصف بالمشهد السياسي والأمني في البلاد.
صدمة العزلة الدولية وتجريد الذرائع الخارجية
أطلق السيد نيجيرفان بارزاني تحذيراً شديد اللهجة عبر القسم الذاتي من مغبة العزلة الدولية متجاوزاً التحفظ التقليدي ليضع الجميع أمام استشراف سياسي دقيق:
إسقاط مقولة المطلب الخارجي.. نسف رئيس الإقليم السردية التي تروج لأن حصر السلاح ضغطٌ أمريكي مؤكداً أن الوجود الأمريكي مؤقت بينما حصر السلاح حاجة عراقية وجودية لحماية أمن البلاد وعلاقاتها مع محيطها العربي والإقليمي.
البعد الجيوسياسي.. استمرار إطلاق المسيرات والهجمات يُفقد بغداد الموثوقية السياسية، ويضع العراق في خانة الدول المهددة للسلم الإقليمي، ما يُعجل بعزلة دبلوماسية واقتصادية خانقة.
توازن السيادة وحسن الجوار.. رسم السيد نيجيرفان بارزاني معالم سياسة متوازنة تؤكد التزام أربيل بالاتفاقيات الأمنية ورسم حدود صريحة لرفض أن تكون أراضيها منطلقاً لتهديد أمن دول الجوار، حيث وضع الحروف على الحروف بشأن ملف (PKK) ، مؤكداً أن تواجد الجماعات المسلحة التي تهدد أنقرة وطهران يمثل عبئاً مرفوضاً يربك الاستقرار، وفي المقابل طالب دول الجوار باحترام السيادة العراقية والتوقف عن جعل الإقليم ساحة لتصفية الحسابات.
معضلة الشرعية المزدوجة والتحدي المؤسسي
قدم رئيس إقليم كوردستان مقترباً عقلانياً جرد القوى المسلحة غير المنضبطة من أي غطاء أخلاقي أو وطني عبر تفكيك هادئ لبنية المؤسسة الأمنية:
الاعتراف بالتضحيات وتجريد الذرائع.. التقدير الصريح لتضحيات الحشد الشعبي والجيش العراقي والبيشمركة يقطع الطريق أمام المزايدات ويمنح الموقف الكوردستاني شرعية أخلاقية ووطنية كاملة.
الفصل بين المؤسسة والفصيل.. الحشد الممتثل للقانون أداة حماية سيادية أما استخدام المظلة الرسمية وتمويل جماعات تخرج عن إرادة الدولة وتستهدف مقراتها فيمثل مفارقة هيكلية وهدماً صريحاً لمفهوم الدولة من الداخل.
تجديد الشرعية الديمقراطية.. أبرز السيد نيجيرفان بارزاني حرص أربيل على إجراء انتخابات برلمان كوردستان كاستحقاق دستوري يُجدد الشرعية المؤسسية، مفنداً كافة الذرائع التي تحاول تصوير الإقليم ككيان يتهرب من الالتزامات الديمقراطية.
الكلفة الإنسانية والأمنية (ألف ضربة والاستنزاف الممتد)
لم يغفل رئيس الإقليم الإشارة إلى الرقم القاسي المتمثل في تعرض إقليم كوردستان للقصف ما يقارب 1000 مرة إلى جانب استهداف المقرات الأمنية في بغداد:
البُعد الإنساني والسلم الأهلي.. إن استهداف الإقليم بهذا الحجم ليس مجرد خرق أمني بل هو استنزاف مباشر لبنيته التحتية وأمن مواطنيه، وحين يُمارس الإقليم أعلى درجات ضبط النفس فهو ينطلق من حرص إستراتيجي على تجنب الصدام الأهلي وليس من موضع ضعف.
السيادة المجزأة.. التأكيد على أن القصف الذي يطال بغداد وأربيل على حد سواء يثبت أن السلاح المنفلت لا يعترف بحدود ولا بشرعية وأن المتضرر الأول والأخير هو السيادة الوطنية الجامعة.
سفينة الوطن والمُعادلة الاقتصاديّة المجهوضة
ربط السيد نيجيرفان بارزاني ملف السلاح بالمعيشة اليومية للمواطن العراقي والمستقبل الاقتصادي للبلاد عبر مدخلين جوهريين:
حتمية وحدة المصير.. التأكيد على أن المساحة الممتدة من زاخو إلى البصرة تقع داخل سفينة واحدة يعيد رسم حدود الأمن القومي بعيداً عن الفئوية، فالاهتزاز الأمني في أربيل أو بغداد ينعكس اضطراباً في البصرة وبقية المحافظات.
الاستثمار والسيادة التشغيلية.. بيئة يتنازع فيها السلاح مع القانون هي بيئة طاردة لرؤوس الأموال الاستثمارية، مما يحرم الشباب العراقي من فرص العمل ويقيد حركة البنية التحتية.
نزيف التصدير والسيادة المالية.. لم يقف رئيس إقليم كوردستان عند التبعات الأمنية للأسلحة غير المنضبطة بل ربط الاستقرار بتعافي الشراكة الاقتصادية بين بغداد وأربيل، مُلخصاً معضلة توقف تصدير النفط عبر جيهان وتأخير الرواتب، شدد السيد نيجيرفان بارزاني على أن عقود النفط في الإقليم صيغت وفق الأطر الدستورية وأن تعديل كلفة الإنتاج هو حل قانوني في الموازنة وليس عقدة سياسية مؤكداً أن رواتب الموظفين استحقاق معيشي لا يجوز زجه في أتون الخلافات، إن الخسائر المليارية الناجمة عن تعطيل النفط والملفات المالية ليست ضغطاً على الإقليم وحده، بل هي نزيف مباشر للخزينة الاتحادية وللاقتصاد العراقي برمته.
محاكمة مركز القرار ودعم رأس السلطة التنفيذية
طرح السيد نيجيرفان بارزاني السؤال المركزي الذي يمس جوهر النظام السياسي: من الذي يحكم العراق؟ هل هو رئيس الوزراء أم القوى السياسية أم مجموعات خارجة عن القانون؟ ورغم تذكيره بالروابط الشخصية والتاريخية المتينة التي تجمعه بقادة القوى والكتل السياسية في بغداد، إلا أنه ميز بوضوح بين الود الشخصي وغياب آليات التنفيذ المؤسسي للتوافقات. وفي هذا الصدد، أعلن رئيس الإقليم الدعم المباشر لرئيس الوزراء علي فالح الزيدي، مشدداً على ضرورة تنفيذ المنهاج الوزاري الذي ينص بصراحة على حصر السلاح بيد الدولة تحت مظلة القائد العام للقوات المسلحة. كما جدد التأكيد على أن المخرج الوحيد للأزمات يكمن في التطبيق المتوازن للدستور الاتحادي، واضعاً الكتل السياسية أمام مسؤوليتها التاريخية؛ فلا يمكن الجمع بين المشاركة في السلطة ورعاية السلاح المنفلت.
الدبلوماسية الهادئة والامتداد الجيوسياسي (قراءة في الملف السوري)
لم ينكفئ خطاب رئيس إقليم كوردستان على الداخل العراقي فحسب بل امتد ليشمل الامتداد الجغرافي والأمني الأكثر حساسية في شمال شرق سوريا (روژآفا)، إن رؤية السيد نيجيرفان بارزاني لهذا الملف تنطلق من إدراك عميق للارتباط العضوي بين أمن المنطقة الكوردية في سوريا والأمن القومي للعراق والإقليم، إذ تُمارس أربيل دور الدبلوماسية الوقائية لمنع انفجار الأوضاع وإيجاد حلول سياسية متوازنة تُجنب المكون الكوردي هناك ويلات التصعيد العسكري وتضمن استقرار الشريط الحدودي الحرج.

إن تصريحات رئيس إقليم كوردستان ليست مجرد قراءة في أزمة عابرة بل هي توصيفٌ لمفترق طرق تاريخي يمر به العراق، لقد وضع السيد نيجيرفان بارزاني الجميع أمام حقيقة مجردة من الأوهام: لا توجد منطقة وسطى بين الدولة واللادولة، إما أن تملك بغداد شجاعة القرار فتجمع السلاح تحت مظلة القائد العام لتبني دولة المواطنة والاستثمار والعلاقات المتوازنة أو أن تترك مقدرات البلاد لمجموعات تفرض أجنداتها الخاصة وحينها لن ينفع الندم عندما يُغلق العالم أبوابه في وجه العراق، إن السفينة تغرق بالتغاضي والمهادنة وساعة الحقيقة قد دقت، فهل من عقلانية سياسية تستوعب درس التاريخ قبل فوات الأوان؟

قد يعجبك ايضا