دلير إبراهيم/ اربيل
في الثاني عشر من آب من كل عام، يحتفل العالم باليوم الدولي للشباب، وهي مناسبة أقرتها الأمم المتحدة لتسليط الضوء على قضايا الشباب، وتعزيز مشاركتهم في الحياة العامة، ودعم طاقاتهم وأفكارهم باعتبارهم قوة أساسية في بناء المجتمعات وصناعة المستقبل. وقد بدأ الاحتفال بهذا اليوم عام 2000، ليصبح محطة سنوية للتذكير بأهمية الاستثمار في الشباب وتمكينهم. وفي العراق، تكتسب هذه المناسبة أهمية خاصة، فالمجتمع العراقي يتميز بتركيبته الشابة، الأمر الذي يجعل الشباب ثروة وطنية حقيقية، لكنه في الوقت نفسه يضع أمام الدولة والمجتمع مسؤولية توفير التعليم والعمل والتدريب والفرص التي تمكن هذه الطاقات من تحويل قدراتها إلى إنجازات ملموسة.
ثروة شبابية وفرصة للتنمية
أكدت فعاليات اليوم العالمي للسكان التي أقيمت في العراق في تموز 2026، بمشاركة الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كوردستان وصندوق الأمم المتحدة للسكان، أن التركيبة السكانية الشابة في العراق تمثل فرصة كبيرة للتنمية، إذا ما جرى الاستثمار في رأس المال البشري وتوفير فرص التعليم والعمل والتمكين. وحمل الاحتفال الوطني شعار (شباب العراق – ثروة وفرصة واستثمار). وهذا الشعار يلخص حقيقة مهمة: فالشباب ليسوا مجرد فئة عمرية تحتاج إلى الرعاية، بل يمثلون قوة إنتاجية وفكرية قادرة على المساهمة في الاقتصاد والمجتمع والسياسة والثقافة والتكنولوجيا. لكن الاستفادة من هذه الثروة تتطلب سياسات طويلة الأمد، تبدأ من التعليم والتدريب المهني، ولا تنتهي عند توفير فرص العمل وتشجيع ريادة الأعمال والمشاريع الصغيرة.
التعليم والمهارات.. الطريق إلى المستقبل
يظل التعليم أحد أهم المفاتيح لبناء جيل قادر على مواجهة متطلبات المستقبل. ومع التطور السريع في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي، لم يعد الحصول على الشهادة الجامعية وحده كافياً لضمان دخول الشباب إلى سوق العمل. وتشير بيانات اليونيسف إلى وجود تحديات كبيرة أمام الشباب العراقي في مجال اكتساب المهارات، بما فيها المهارات الرقمية، فضلاً عن محدودية فرص التدريب والتأهيل والانتقال من التعليم إلى العمل. ومن هنا تبرز الحاجة إلى ربط التعليم باحتياجات سوق العمل، وتوسيع برامج التدريب المهني والتقني، وتشجيع الجامعات والمؤسسات التعليمية على تطوير تخصصات تتناسب مع الاقتصاد الجديد.
الشباب وسوق العمل
تبقى قضية العمل من أبرز التحديات التي تواجه الشباب في العراق. الحصول على وظيفة مستقرة لا يرتبط فقط بالدخل، وإنما يمنح الشاب شعوراً بالاستقلال والمشاركة والقدرة على بناء مستقبله. ولهذا فإن معالجة بطالة الشباب تتطلب الانتقال من التفكير التقليدي في الوظيفة الحكومية إلى دعم القطاع الخاص وريادة الأعمال والمشاريع الناشئة، وتوفير التمويل والتدريب والاستشارات للشباب الراغبين في تأسيس مشاريعهم الخاصة. كما أن إشراك الشباب في الاقتصاد الرقمي والعمل عن بُعد يمكن أن يفتح أمامهم مجالات جديدة تتجاوز حدود سوق العمل التقليدي.
شباب إقليم كوردستان.. طاقات تبحث عن الفرص
يمثل شباب إقليم كوردستان جزءاً مهماً من القوة البشرية في الإقليم، وهم حاضرون في مجالات التعليم والإعلام والثقافة والرياضة وريادة الأعمال والتكنولوجيا والعمل المدني. وفي السنوات الأخيرة، ظهرت مبادرات تهدف إلى دعم الشباب وتنمية مهاراتهم وفتح المجال أمامهم للمشاركة الاقتصادية والاجتماعية. وفي هذا السياق، أطلقت في أربيل خلال حزيران 2026 مبادرة (بداية) لدعم التمكين الاقتصادي للشباب والنساء، من خلال التدريب المهني ودعم فرص العمل وريادة الأعمال. كما افتُتح في أربيل في حزيران 2026 مركز الشباب (Youth Hub)، ليكون منصة تجمع التعليم والثقافة والتكنولوجيا والفنون والإعلام والتطوير المهني، بما يوفر للشباب مساحة للتعلم والابتكار والمشاركة المجتمعية. وتشير هذه المبادرات إلى أهمية الانتقال من الحديث عن الشباب بوصفهم (مستقبل المجتمع) إلى التعامل معهم باعتبارهم شركاء في صناعة الحاضر.
من الوظيفة إلى ريادة الأعمال
أصبح دعم المشاريع الصغيرة وريادة الأعمال من الخيارات المهمة لمعالجة تحديات سوق العمل. وفي إقليم كوردستان، أعلنت حكومة الإقليم عن توفير فرص عمل وتوسيع برامج التدريب المهني، كما أطلقت مبادرات لدعم المشاريع التي يقودها الشباب.
ومن بين هذه المبادرات مشروع (الانتعاش – گهشانهوه) الذي قدم في مرحلته الأولى قروضاً بقيمة 2.5 مليون دولار لـ25 مشروعاً، وأسهم في خلق 150 فرصة عمل للشباب. ومثل هذه المبادرات يمكن أن تشكل بداية مهمة، لكنها تحتاج إلى الاستمرار والتوسع وربط التمويل بالتدريب والتسويق والإرشاد، حتى تتحول المشاريع الشبابية إلى مؤسسات اقتصادية مستدامة.
الشباب والمشاركة في صناعة القرار
إن تمكين الشباب لا يقتصر على توفير فرص العمل والتعليم، بل يشمل أيضاً منحهم مساحة حقيقية للمشاركة في اتخاذ القرارات التي تمس مستقبلهم. فالشباب بحاجة إلى أن يكونوا جزءاً من الحوار العام، والمجالس والمؤسسات المدنية، والجامعات، والمنظمات، والفعاليات الثقافية والاجتماعية والسياسية. والاستماع إلى أصواتهم يساعد على بناء سياسات أكثر واقعية واستجابة لاحتياجات المجتمع. كما أن تعزيز مشاركة الشباب في العمل التطوعي والمجتمعي يمكن أن يسهم في تقوية روح المواطنة والانتماء والمسؤولية.
التكنولوجيا.. فرصة جديدة للشباب
يشهد العالم تحولاً رقمياً متسارعاً، وأصبح امتلاك المهارات الرقمية من أهم عناصر المنافسة في سوق العمل. ولهذا فإن الاستثمار في الشباب يجب أن يتضمن توسيع فرص التدريب في البرمجة والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والإعلام الرقمي والتجارة الإلكترونية وغيرها من المجالات الحديثة.
فالشاب الذي يمتلك المعرفة والمهارة الرقمية يستطيع أن يتجاوز كثيراً من القيود الجغرافية والاقتصادية، وأن يصل إلى أسواق وفرص عمل عالمية.
المطلوب.. استراتيجية طويلة الأمد
إن بناء مستقبل أفضل للشباب يحتاج إلى استراتيجية متكاملة، تتشارك فيها الحكومات والجامعات والقطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني. وتشمل الأولويات: ((تحسين جودة التعليم، وتوسيع التدريب المهني، وخلق فرص العمل، ودعم ريادة الأعمال، وتعزيز المهارات الرقمية، وتمكين الشباب والنساء، ودعم الابتكار، وإشراك الشباب في صناعة القرار)). وقد أطلقت الأمم المتحدة والحكومة العراقية في حزيران 2026 التحضيرات لخطة العمل الوطنية بشأن الشباب والسلام والأمن استناداً إلى قرار مجلس الأمن 2250، وهو ما يعكس اتجاهاً نحو تعزيز دور الشباب في بناء السلام والاستقرار.
الشباب.. ليسوا مستقبل العراق فقط
في اليوم العالمي للشباب، لا ينبغي أن نكتفي بالاحتفال بالطاقات الشابة أو توجيه الكلمات إليها، بل المطلوب تحويل هذه المناسبة إلى فرصة لمراجعة السياسات والبرامج المخصصة للشباب. فالعراق وإقليم كوردستان يمتلكان ثروة بشرية كبيرة، والشباب هم الجزء الأكثر حيوية منها. وإذا ما توفرت لهم المعرفة والمهارات والفرص والثقة، فإنهم قادرون على تحويل التحديات إلى فرص، والمشاركة في بناء اقتصاد أكثر تنوعاً ومجتمع أكثر استقراراً ومستقبل أكثر ازدهاراً.
الشباب ليسوا مجرد جيل ينتظر دوره في صناعة المستقبل، بل هم شركاء اليوم وصنّاع الغد. والاستثمار فيهم هو استثمار في العراق وإقليم كوردستان ومستقبلهما.